Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"شفاه مثل المدفع"... استقالة ليفيت تعمق متاعب ترمب

ستغادر متحدثة البيت الأبيض منصبها وسط تزايد ملحوظ في التسريبات الإعلامية

المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت (أ ف ب)

ملخص

تغادر كارولاين ليفيت بنهاية الشهر الحالي منصبها كمتحدثة باسم البيت الأبيض بعد 20 شهراً برزت خلالها كواحدة من أكثر المدافعين عن دونالد ترمب شراسةً وانسجاماً مع أسلوبه الصدامي، تاركةً فراغاً يصعب تعويضه في توقيت حساس تواجه فيه الإدارة تداعيات حرب إيران، والانقسام داخل "ماغا"، وتسريبات متزايدة كشفت محدودية قدرتها على ضبط الرواية الإعلامية. وبينما ستظل ليفيت بطلة في نظر قاعدة ترمب، فإن رحيلها يفتح تساؤلات حول من يمكنه الجمع بين ثقة الرئيس والقدرة على مواجهة الصحافة، في وقت لم يعلن البيت الأبيض بديلا لها.

"تتحرك شفتاها مثل مدفع رشاش"، هكذا كان يصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثة البيت الأبيض كارولاين ليفيت التي قررت الاستقالة أمس الأربعاء لأسباب عائلية في وقت تواجه إدارته أزمات إعلامية متلاحقة بسبب حرب إيران، وانقسام حركة "ماغا" المحافظة إلى أجنحة مناوئة للرئيس الجمهوري.

صوت لا يُعوض

أبدى ترمب تفهمه لاستقالة ليفيت، قائلاً إنها ستظل من "أبرز" مستشاريه غير المتفرغين وصوتاً مؤثراً داخل الحزب الجمهوري، وأضاف أنها "واحدة من أفضل متحدثي البيت الأبيض على مر التاريخ". وتعد مغادرة ليفيت (28 سنة) بنهاية الشهر الجاري، بعد 20 شهراً في المنصب، ضربة قاسية لإدارة ترمب، إذ عُرفت المتحدثة الأصغر في تاريخ البيت الأبيض بدفاعها المستميت عن الرئيس الجمهوري ومهارتها الخاصة في كسب ثقته والارتقاء لمستوى تطلعاته في منصب تعاقب عليه أربعة أشخاص في الأعوام الأربعة من ولايته الأولى.

لم تكن محطات ليفيت السياسية ناجحة دوماً، فبعد عملها في إدارة ترمب الأولى، خسرت انتخابات الكونغرس في نيوهامبشير عام 2022، لكنها سرعان ما صعدت كحليفة شرسة لترمب، الذي منحها الثقة بالتحدث باسم حملته الانتخابية الأخيرة ومن ثم البيت الأبيض في 2025. ومنذ ذلك الحين، برز اتساق أسلوبها وتوافقه مع توقعات الرئيس الأميركي المعروف بسلوكه الصدامي تجاه المؤسسات الصحافية.

أصبحت إحاطات ليفيت وقوداً يومياً لحماسة المحافظين، الذين استمدوا مزيداً من جرعات الرضا على ترمب من ردودها الحادة على الانتقادات السياسية، في حين عد معارضو الرئيس دورها مقوّضاً لحرية الصحافة. وبينما سيظل إرث المتحدثة الأصغر في تاريخ البيت الأبيض محل نزاع، فإن البصمة التي ستتركها عميقة. فمن جانب عززت ليفيت مسار انخفاض الثقة العامة بالمؤسسات الصحافية التقليدية. ومن جانب آخر، طبّعت مواجهاتها اليومية مع الصحافيين أسلوب ترمب الصدامي في منبر البيت الأبيض.

 

ولم تتردد ليفيت في أحيان كثيرة عن الرد بسخرية أو اتهام الصحافيين بالانحياز أو الغباء، ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، سأل صحافي معروف بتغطيته الانتقادية عمن اختار بودابست لقمة ترمب وفلاديمير بوتين، فأجابت، "أمك من اختارت المكان"، وفي يونيو (حزيران) 2025، سئلت عما إذا كان الرئيس سيسمح بالاحتجاجات السلمية قبيل عرض عسكري في واشنطن كان قد حذر ترمب المحتجين من إفشاله، فردت: "بالطبع يدعم الرئيس الاحتجاجات السلمية، يا له من سؤال غبي". وبعد أسبوع من مقتل أميركية برصاص عناصر إدارة الهجرة في يناير (كانون الثاني) الماضي، اتهمت ليفيت صحافيا تطرق إلى الحادثة بأنه "ناشط يساري"، وقالت، "أنت وغيرك من العاملين في الإعلام منحازون وتتظاهرون بأنكم صحافيون، لا ينبغي لك حتى أن تجلس على ذلك المقعد".

سيطرة محكمة

سيتمحور إرث ليفيت الأهم في قراراتها المؤسسية التي سهّلت عمل إدارة ترمب وانتقدها المعارضون، ومنها فرض السيطرة على نظام التغطية الصحافية الذي كانت تديره جمعية مراسلي البيت الأبيض بصورة مستقلة، مما سمح للإدارة بتحديد الصحافيين المدعوين لفعاليات الرئيس ورحلاته الجوية. وبعدما كانت تراخيص التغطية في البيت الأبيض مقتصرة على مؤسسات الإعلام التقليدية، سمحت ليفيت للمؤثرين الإعلاميين بالمشاركة، لذلك أصبح لشخصيات إعلامية محافظة ومحسوبة على ترمب وجود في البيت الأبيض، وهي خطوة رحب بها أنصاره بما عدوه تصحيحاً لهيمنة وسائل الإعلام الليبرالية.

ومنعت ليفيت، بتوجيه من ترمب، وكالة "أسوشيتد برس" من حضور بعض الفعاليات الصحافية، واستُبعد أحد صحافيي الوكالة من الطائرة الرئاسية بعد رفض الوكالة، التي لديها آلاف العملاء داخل الولايات المتحدة وخارجها، تعديل دليلها التحريري ليتماشى مع أمر ترمب التنفيذي الذي أعاد تسمية خليج المكسيك إلى "خليج أميركا".

وعلى رغم صداماتها المصمَّمة للإثارة التلفزيونية، فإنه يُنقل عن ليفيت تعاونها ولطفها مع الإعلاميين خلف الكواليس وبعيداً من الكاميرات، بما يسهل على الإدارة التحكم في السردية وتقليص التسريبات المضرّة قدر المستطاع أو استباقها. وفي حين صعّب الظهور الإعلامي المكثف لترمب وتقلباته تلك المهمة على ليفيت، فإن علاقتهما الطيبة مكّنتها من حضور الاجتماعات المهمة لفهم توجهات الإدارة، وعكس رسائلها وأولوياتها بدقة.

 

وبدا ترمب راضياً عنها طوال فترة عملها إذ تعهد سابقاً بأنه لن يستبدلها أبداً. وتباهى بأن رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان سأله إن كان بإمكانه توظيفها. وجاء ذلك على خلفية اجتماعها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، حين استدعى ترمب ليفيت للإجابة عن أسئلة الصحافيين، وراقبها بفخر وهي توبّخهم.

ومع ذلك، تأثر تركيز ليفيت في مسؤولياتها التي تتطلب متابعة يومية بعد إنجابها طفلتها الثانية، فمنذ عودتها من إجازة الأمومة في منتصف يوليو (تموز) الماضي، قلت إحاطاتها اليومية مقارنة بظهورها السابق. وتزامن هذا الأمر مع التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه ترمب، مثل حرب إيران، والمخاوف من خسارة الحزب الجمهوري غالبية الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي المقبلة في نوفمبر.

تسريبات مستمرة

على رغم أن ليفيت ستغادر بطلةً في أعين الجمهوريين، فإن التكهنات ستبقى تحيط بأسباب مغادرتها في هذا التوقيت الحساس، بعد أيام من انكشاف الحقيقة حول العملية السرية لإخراج ترمب من الطائرة الرئاسية في تركيا عبر مركبة تموين بسبب تهديد إيراني، مما أثار انتقادات لتعريض الطاقم الصحافي المرافق للخطر عبر السماح للطائرة المهددة بالتحليق من دون علمهم بمغادرة ترمب لها. وكشفت هذه العملية عن التحدي الآخر الذي واجه ليفيت وهو احتواء التسريبات المتزايدة وصياغة الردود المناسبة للتقليل من تداعياتها.

لم يكن تسريب عملية إخراج ترمب من تركيا سابقة، بل جاء في سياق تزايد التسريبات الانتقامية أو ذات الأهداف السياسية في الأشهر الماضية. مثلت التسريبات صداعاً مزمناً لإدارة ترمب الأولى ولذلك حرص الرئيس على حماية إدارته الثانية منها عبر الاعتماد على رئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز المعروفة بتكتمها وانضباطها. وبعد بداية متماسكة، انفرطت العقدة، وبدا أن الإدارة فقدت السيطرة على الحد من التسريبات وضبطها واحتوائها إعلامياً.

في مارس (آذار) الماضي، ألمح ترمب مازحاً إلى أن ليفيت قد تكون مسؤولة عن التغطية السلبية لأخباره، لكن المزحة عكست في الوقت نفسه إحباطه المتزايد من وسائل الإعلام التي يقول إن 97 في المئة من تغطيتها ضده. وتساءل أمام الحضور "هل نبقيها؟ أعتقد أننا سنبقيها"، في تعليق فُهم على أنه رسالة ضغط عليها لبذل مزيد من الجهد الإعلامي لمصلحة الرئيس، قبل أسابيع من ذهابها في إجازة أمومة.

ومع ذلك تواصلت التسريبات وأصبحت أكثر حساسية بما فيها تسريب معلومات في شأن نقص الذخائر الأميركية جراء حرب إيران. وبدا تعامل البيت الأبيض مع الأزمة ضعيفاً، فبعد التسريب، سارعت ليفيت إلى نفي تلك المزاعم وعدتها "كاذبة بنسبة 100 في المئة" ، إلا أن ترمب خرج بعد ذلك غاضباً على منصة "تروث سوشال" وقال إن "المسرّبين" تجري "مطاردتهم"، وسيعاقبون بالسجن. وفي حين تتحمل ليفيت مسؤولية ضبط السردية المضادة وتوحيدها، إلا أن أسلوب ترمب هو الآخر يضاعف التحدي أمامها.

 

وفي وقت أعلنت فيه ليفيت استقالتها، كانت تفاصيل جديدة تتكشف في شأن العملية السرية في تركيا، فمساء أمس الأربعاء، أفادت تسريبات إلى صحيفة "واشنطن بوست" بأن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لم تكن مقتنعة بالمعلومات الاستخباراتية الواردة من إسرائيل في شأن تهديد محتمل لحياة ترمب. وقال مسؤول إن هذه المعلومات "مصدرها إسرائيلي وليست ناتجة من تقييم أميركي، وكان يُنظر إليها بدرجة ثقة منخفضة".

وأخطر ما كشفته موجة التسريبات الأخيرة أنها لم تعد مجرد مشكلة اتصالية، بل أصبحت مؤشراً إلى اشتداد الخلافات الداخلية حول الحرب في إيران، وبذلك لم تعد مهمة البيت الأبيض مقتصرة على مواجهة ما تنشره الصحافة، بل امتدت إلى محاولة منع الخلافات والنقاشات الداخلية من التحول إلى روايات علنية تسبق الموقف الرسمي أو تقوضه.

وأظهرت التسريبات حدود قدرة البيت الأبيض على التحكم في توقيت نشر المعلومات وصياغة الرواية الأولى للأحداث، ففي قضايا حساسة مثل العملية السرية في تركيا أو وضع مخزونات الأسلحة، لم تعد الإدارة تواجه تقريراً واحداً يمكن نفيه أو احتواؤه، بل سلسلة متتابعة من التفاصيل التي تظهر تباعاً وتعيد فتح القضية كلما حاول البيت الأبيض إغلاقها.

خليفة ليفيت

لم يصدر عن ترمب حتى الآن أي إيضاح في شأن من سيتولى المنصب خلفاً لليفيت، فيما يشير غياب خطة خلافة واضحة إلى صعوبة العثور على شخص يجمع المهارات التي ميزت حضورها داخل البيت الأبيض. وأشارت تقارير إعلامية إلى أسماء عدة متداولة في الدوائر المحيطة بالإدارة، أبرزها نائبة السكرتيرة الصحافية آنا كيلي، والمحامية السابقة لترمب ألينا هابا، فيما طُرح أيضاً اسم المعلق المحافظ في "سي إن إن" سكوت جينينغز، لكن هذه الأسماء لا تزال في إطار التكهنات، ولم يؤكد ترمب أياً منها.

ولن تكمن صعوبة استبدال ليفيت فقط في قدرتها على فهم توقعات ترمب والتكيف معها، بل أيضاً في أسلوبها الشديد الانضباط أمام الكاميرا، وقدرتها على مخاطبة قاعدته الشعبية بلغة مباشرة ونادراً ما يشوبها التعثر. ومواجهاتها الحادة مع الصحافيين عززت شعبيتها لدى أنصار الرئيس، إذ رأى فيها كثر منهم امتداداً لذلك الأسلوب الصدامي مع المؤسسة الإعلامية الذي أسهم في تشكيل جاذبية ترمب إبان صعوده السياسي.

وسيكون على خليفة ليفيت أن يؤدي دوراً يتجاوز تقديم الإحاطات الصحافية أو الدفاع عن سياسات الإدارة، يشمل تمثيل شخصية ترمب السياسية أمام وسائل الإعلام وامتصاص الصدامات اليومية معها، من دون أن يفقد ثقة الرئيس أو قدرته على إيصال رسالته إلى قاعدته، وهي معادلة تجعل اختيار البديل أكثر تعقيداً، وبخاصة في ظل التسريبات المتواصلة وتحديات السياسة الخارجية وقرب استحقاقات انتخابية مهمة في الكونغرس.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير