ملخص
يقدر علماء من جامعة "كاليفورنيا" الأميركية أن كل رسالة نصية من 100 كلمة تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي تستهلك ما يعادل زجاجة ماء واحدة (أو 519 ملليلتراً)، قد لا يبدو هذا كثيراً للوهلة الأولى، لكن علينا أن نضع في الحسبان أن هناك مليارات المستخدمين للذكاء الاصطناعي حول العالم يدخلون طلباتهم في أنظمة مثل "تشات جي بي تي" كل دقيقة.
تستهلك مراكز البيانات اليوم كميات هائلة من المياه، ويهدد توسعها السريع موارد المياه العذبة عالمياً، وفي حين لا تتجاوز نسبة المياه العذبة ثلاثة في المئة من إجمال مياه الأرض، يلجأ مطورو مراكز البيانات بصورة متزايدة إلى استغلال المياه السطحية والجوفية لتبريد منشآتهم.
بذلك تسهم الحوسبة السحابية في استنزاف أنهارنا وبحيراتنا ومحيطاتنا، إذ يستهلك مركز البيانات المتوسط، الذي تبلغ طاقته 100 ميغاواط، نحو مليوني ليتر من الماء يومياً، أي ما يعادل استهلاك 6500 أسرة أميركية. وعلى الصعيد العالمي تستهلك مراكز البيانات نحو 560 مليار ليتر من الماء سنوياً، أي ما يعادل 224 ألف حوض سباحة أولمبي.
ويقع ثلثا مراكز البيانات الجديدة التي بنيت أو قيد الإنشاء عالمياً منذ عام 2022 في مناطق تعاني أصلاً شحّ المياه، وحتى قبل إطلاق روبوت الدردشة "تشات جي بي تي"، اشتكت بعض المجتمعات من مراكز البيانات التي تستهلك ملايين الغالونات من المياه في مدن لا تملك فائضاً يُذكر من هذا المورد الثمين.
كيف تعمل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي؟
مراكز البيانات هي مساحات مادية تضم معدات حاسوبية، مثل الخوادم وأنظمة التخزين ومعدات الشبكات. تخزن هذه الخوادم كل شيء بدءاً من رسائل البريد الإلكتروني ووصولاً إلى عمليات البحث على محرك البحث "غوغل"، ويتم توزيع هذه المعلومات عبر كابلات تحت الأرض، لذا فإن ما يُسمى بـ"الحوسبة السحابية" ليست سوى مجموعة من مراكز البيانات، وعندما تُخزن المعلومات في الحوسبة السحابية، فإنها تُخزن في مراكز بيانات مزود الخدمة السحابية.
وبينما تعتمد الاحتياجات الخاصة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي على نوع الذكاء الاصطناعي الذي تدعمه، فإنها تتطلب عادةً بنية تحتية ذات أداء أعلى من مراكز البيانات الأخرى، كذلك فإن إمكانات التخزين والشبكات والطاقة والتبريد المتقدمة اللازمة لتدريب تطبيقات وخدمات الذكاء الاصطناعي واستخدامها وتقديمها، غالباً ما تتطلب أن تشغل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي مساحة أكبر بكثير.
ما أهمية المياه لمراكز البيانات؟
يُستخدم الماء لتشغيل مراكز البيانات بطريقتين: الأولى بصورة غير مباشرة لتوليد الكهرباء اللازمة لتشغيل مراكز البيانات، والثانية بصورة مباشرة لتبديد الحرارة الناتجة عن الخوادم والمعدات الأخرى.
ويرتبط استهلاك المياه في مراكز البيانات ارتباطاً وثيقاً باستهلاك الطاقة وانبعاثات الكربون، فمع ازدياد استهلاك الطاقة في مراكز البيانات لتشغيلها المعتاد وتلبية متطلبات الذكاء الاصطناعي، يزداد استهلاك المياه لتبريد معالجاتها، تجنباً لارتفاع درجة حرارتها وما قد يترتب عليه من تلف.
ويعتمد استهلاك المياه المباشر على عوامل عدة منها موقع مركز البيانات، وعدد الخوادم وتوزيعها، ونظام إخماد الحرائق، وجودة المياه المتاحة، إضافة إلى احتياجات وعدد العاملين في المبنى، وبطبيعة الحال، تتطلب مراكز البيانات في المناطق الحارة تبريداً أكبر.
وتختلف تقنيات التبريد بين مراكز البيانات، ولكن الطريقة الأكثر شيوعاً هي "التبريد التبخيري"، إذ يُسحب الهواء الدافئ عبر وسادات مبللة، وتتبخر 80 في المئة من المياه المسحوبة في مراكز البيانات، ويتم تصريف 20 في المئة منها إلى محطات معالجة مياه الصرف الصحي، وتستخدم غالبية مراكز البيانات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي "التبريد التبخيري" على مدى الساعة، أو في الأقل خلال الأيام الحارة.
من المهم مراعاة مصادر المياه المستخدمة لتشغيل مراكز البيانات، إذ يستخدم بعضها مياه الصرف الصحي المعالجة أو المياه المعاد تدويرها، مع ذلك، فإن المياه الصالحة للشرب هي الأكثر شيوعاً، ذلك أن الخوادم والمعدات الكهربائية الأخرى تعتبر حساسة للغاية، ويمكن أن تؤثر جودة مياه التبريد في أداء هذه المعدات وعمرها الافتراضي.
على سبيل المثال، قد تتسبب المياه المعاد تدويرها في تآكل وتكوّن رواسب ونمو ميكروبي في المعدات أكثر من المياه الصالحة للشرب نظراً إلى محتواها.
استنزاف مستمر
يستهلك مركز بيانات متوسط الحجم ما يصل إلى 110 ملايين غالون من الماء سنوياً لأغراض التبريد، أي ما يعادل استهلاك المياه السنوي لنحو 1000 منزل. أما مراكز البيانات الأكبر حجماً فيمكن لكل منها أن يستهلك ما يصل إلى 5 ملايين غالون يومياً، أو نحو 1.8 مليار غالون سنوياً، وهو استهلاك يعادل استهلاك مدينة يراوح عدد سكانها ما بين 10 و50 ألف نسمة، في ما تستهلك مراكز البيانات البالغ عددها 5426 مركزاً في الولايات المتحدة مليارات الغالونات من الماء سنوياً، وتقدّر التقارير أن مراكز البيانات الأميركية تستهلك 449 مليون غالون من الماء يومياً و163.7 مليار غالون سنوياً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويقدر علماء من جامعة "كاليفورنيا" الأميركية أن كل رسالة نصية من 100 كلمة تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي تستهلك ما يعادل زجاجة ماء واحدة (أو 519 ملليلتراً)، قد لا يبدو هذا كثيراً للوهلة الأولى، لكن علينا أن نضع في الحسبان أن هناك مليارات المستخدمين للذكاء الاصطناعي حول العالم يدخلون طلباتهم في أنظمة مثل "تشات جي بي تي" كل دقيقة.
في السياق نفسه، تشير التقديرات العالمية إلى أن مراكز البيانات حول العالم تستهلك ما بين 4.2 مليار و6.6 مليار متر مكعب من المياه سنوياً، أما شركات التكنولوجيا العملاقة فتسحب مليارات الغالونات من المياه لدعم الحوسبة السحابية، ومن الأمثلة على ذلك استهلاك مراكز بيانات "غوغل" العالمية نحو 7.8 مليار غالون من المياه العام الماضي.
أين تقع مراكز البيانات؟
بسبب وفرة الطاقة والأراضي، تتزايد مراكز البيانات في المناطق الجافة، ففي الشرق الأوسط تستقبل السعودية والإمارات عدداً غير مسبوق من مراكز البيانات، وعلى الصعيد العالمي، تضم آسيا بعضاً من أكبر نسب مراكز البيانات الموجودة في المناطق الجافة، لا سيما في الصين والهند، أما في أميركا اللاتينية فتنتشر مراكز البيانات بصورة خاصة في تشيلي وأوروغواي والمكسيك، بينما تستضيف هولندا وإسبانيا وإيرلندا أكبر عدد من مراكز البيانات في أوروبا.
في أجزاء من الولايات المتحدة التي تعاني ندرة المياه، تمتلك شركة "غوغل" سبعة مراكز بيانات عاملة، وتعمل على بناء ثلاثة مراكز أخرى، ويمتلك مركز بيانات "غوغل" في ميسا بولاية أريزونا ترخيصاً لاستخدام 5.5 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، وهي الكمية نفسها التي يستخدمها 23 ألف شخص في أريزونا.
وباعتبارها إحدى الدول الرئيسة المنتجة للطاقة المتجددة في أوروبا، تعد إسبانيا وجهة رائدة لمراكز بيانات شركات التكنولوجيا الثلاث الكبرى، وتتوقع مدريد أن تصل قيمة هذا القطاع إلى 58 مليار يورو (67.10 مليار دولار) بحلول عام 2030، وتجعل الطاقة المتجددة، إلى جانب شبكة الكابلات البحرية التي تربطها بدول أخرى، وآلاف الهكتارات من الأراضي المتاحة، من إسبانيا وجهة جذابة للغاية لمراكز البيانات، في الوقت الذي تعاني 75 في المئة من أراضيها خطر التصحر.
في منطقة أراغون شمال إسبانيا، تمتلك شركة "أمازون" الأميركية ثلاثة مراكز بيانات قائمة، وتقترح إنشاء ثلاثة مراكز أخرى في الأقل. ويُسمح لهذه المراكز الجديدة باستخدام ما يقدّر بـ755 ألف متراً مكعباً من المياه سنوياً، وهو ما يكفي لريّ 233 هكتاراً من محاصيل الذرة، مع ذلك، لا يأخذ هذا الرقم في الحسبان الاستخدام غير المباشر للمياه، مما يعني أن الرقم الحقيقي أعلى بكثير.
وتضم أراغون أكبر مركز بيانات في أوروبا، بمساحة 190 هكتاراً، ويتطلب تبريد هذا المركز وحده 500 مليون ليتر من مياه الشرب سنوياً، وفي عام 2024، طلبت "أمازون" من حكومة أراغون زيادة تصريح استهلاك المياه في مراكز بياناتها الثلاثة القائمة بنسبة 48 في المئة، وأوضحت الشركة الأميركية في طلبها أن "تغير المناخ سيؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة العالمية وزيادة تواتر الظواهر الجوية المتطرفة، بما في ذلك موجات الحر، مما يعني أن مراكز البيانات تحتاج إلى كميات متزايدة من المياه مع ارتفاع درجة حرارة الكوكب.
هل من حلول؟
لضمان استدامة أفضل للمجتمعات والأنظمة البيئية المجاورة، يمكن للمطورين استخدام تقنيات مبتكرة لإدارة المياه وتقليل استهلاكها، بما في ذلك أنظمة التبريد ذات الدائرة المغلقة، والتبريد بالغمر، والتبريد الهوائي، واستخدام مصادر المياه غير الصالحة للشرب (مثل مياه الصرف الصحي المعاد تدويرها والمياه المجمعة).
تتيح أنظمة التبريد ذات الدائرة المغلقة إعادة استخدام كل من مياه الصرف الصحي المعاد تدويرها والمياه العذبة، مما يسمح بإعادة استخدام إمدادات المياه مرات عدة. في ما يعتمد التبريد الهوائي على فتحات وأنابيب تكييف الهواء لإزالة الحرارة المتولدة من الرقائق الإلكترونية أثناء معالجتها البيانات وطلبات الذكاء الاصطناعي، وتعد هذه الطريقة أكثر فعالية في المناطق التي تكون فيها الكهرباء أرخص وموارد المياه محدودة.
أما التبريد بالغمر في مراكز البيانات فيعتمد على غمر الخوادم والرقائق الإلكترونية والمكونات الأخرى في سائل عازل متخصص. وتُغمر الأجهزة في خزانات مصممة خصيصاً ومملوءة بهذا السائل غير الموصل، الذي يمتص الحرارة من الرقائق وينقلها إلى مبادل حراري، حيث يتم تبريده قبل إعادته إلى الخزان. ويعد التبريد بالغمر عملية مبتكرة تتطلب كلفة أولية أعلى من التبريد السائل المباشر التقليدي، ولكنه يقدم وفورات كبيرة في الطاقة ويحسّن استخدام المساحة لمطوري مراكز البيانات.
ويتطلب تشغيل مراكز البيانات بمصادر الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، استهلاكاً أقل بكثير للمياه مقارنةً بالحصول على الطاقة من محطات توليد الطاقة التي تعمل بالوقود الأحفوري، وبما أن نحو 56 في المئة من الكهرباء المستخدمة لتشغيل مراكز البيانات على مستوى العالم تأتي من الوقود الأحفوري، فإن استخدام مزيد من الطاقة النظيفة لتشغيل هذه المرافق يمكن أن يقلل بصورة كبيرة من استهلاك المياه.