ملخص
لكي تصبح طبيب فضاء عليك أولاً أن تحصل على شهادة الطب على الأرض، وأن تعمل جراحاً في بيئة شاهقة مثل قمة إيفرست، وعليك أن تملك ما يلهمك لتحقيق حلم التحليق أبعد من الأرض بكثير.
يركز هذا التخصص علمياً على فهم تأثير انعدام الجاذبية والإشعاع الكوني والعزلة على العضلات والعظام والقلب والدماغ والصحة النفسية كما يهتم بمتابعة الرواد قبل الرحلة وأثناءها وبعد العودة إلى الأرض.
طب الفضاء هو تخصص نادر، ذلك لأن له متطلبات خاصة وينقسم إلى قسمين رئيسين: الأول هو قسم علمي بحت، والثاني هو العامل النفسي الذي يتعلق بالحلم والمبادرة الشخصية. فعلمياً يمثل طب الفضاء العلوم التي تختص بتحديد وإثبات كيفية وقدرة الإنسان على العيش خارج الأرض، إذ يأتي هذا التخصص الحديث ضمن مشاريع الانسان لغزو الفضاء. وعلى رغم ذلك، فإنه مهما كانت مؤهلاتك العلمية عالية وخبراتك الطبية متميزة، فإنها لن تكون كافية لكي تصبح طبيب فضاء من دون أن تكون لديك القدرة على أن تحلم أبعد كثيراً من الأرض.
ما هو تخصص طب الفضاء؟
وفق موسوعات ومواقع علمية عديدة، فإن طب الفضاء "تخصص يدرس تأثير بيئة الفضاء على جسم الإنسان وصحته ويعمل على حماية رواد الفضاء أثناء الرحلات الفضائية الطويلة والقصيرة". إذ يركز هذا التخصص على فهم تأثير انعدام الجاذبية والإشعاع الكوني والعزلة على العضلات والعظام والقلب والدماغ والصحة النفسية، كما يهتم بمتابعة الرواد قبل الرحلة وأثناءها وبعد العودة إلى الأرض.
على سبيل المثال يكون على طبيب الفضاء اختبار الأجسام المضادة لتتبع انتشار الأمراض هناك. وقد أثمرت أبحاث بعض أطباء الفضاء عن تعاون مع جامعة "هارفرد" ونشر بحثين في مجلة "نيتشر"، كما قامت "سبيس إكس" بإشراف أطباء الفضاء في وقت جائحة "كوفيد-19" بتصنيع 4 آلاف صمام لولبي لأجهزة التنفس الاصطناعي، في وقت أسهم متطوعون في إنتاج 55 ألف كمامة لأقسام الطوارئ في منطقة لوس أنجليس. وبناء عليه وفي مايو (أيار) عام 2020 وفي ذروة الجائحة، أطلقت "سبيس إكس" ووكالة "ناسا" مهمة "ديمو-2" من مركز "كينيدي" للفضاء في فلوريدا، وذلك بفضل وجود وحضور أطباء الفضاء مع الطاقم خلال لحظاتهم الأخيرة على الأرض، وكان أطباء الفضاء أيضاً من أوائل من استقبلوهم بعد هبوطهم في خليج المكسيك لإجراء مزيد من الفحوصات الطبية لهم عقب الرحلة.
تخصص نادر للغاية
من المؤكد أن عماد تخصص طب الفضاء النفسي هو عامل المبادرة الشخصية، ذلك لأن هذا التخصص نادر للغاية. وبالنسبة لأنيل مينون الذي عمل بمنصب جراح الطيران في وكالة "ناسا"، فقد كان عليه مطاردة الأحلام لسنوات قبل أن يصبح "طبيب فضاء غير متوقع".
في هذا السياق كتب إريك بيرغر محرر شؤون الفضاء البارز مقالة ورد فيها تصريح صحافي على لسان واحد من مديري مينون الذي قال عنه "لقد فعل مينون ذلك بالفعل أخيراً، إذ عمل مع رائدي الفضاء التابعين لناسا، دوغ هيرلي وبوب بينكن، لضمان رحلة آمنة لمركبة دراغون الفضائية، ونفذ مع زملائه هبوطاً آمناً خلال مهمة ديمو-2".
ووفق بيرغر أيضاً فإن حكاية الطبيب الجراح مينون مع هذا الحلم بدأت فعلياً عام 2017، وكان عمره حينها 39 عاماً، وكان قد تجاوز متوسط عمر المرشحين لرواد الفضاء بخمسة أعوام.
حكاية مينون
تفيدنا حكاية مينون في معرفة كثير عن هذا التخصص النادر الذي يحتاج إلى الخيال الإبداعي أكثر من المؤهلات العلمية أحياناً. وعبر مقالته التي نشرت في الـ15 من يوليو (تموز) 2026 وثق بيرغر حكاية مينون، سارداً أهم تفاصيل فترة مطاردة الأحلام التي قام بها الطبيب الجراح، الذي كان يعمل سنوات، بشكل روتيني في أقسام الطوارئ، بينما كان حلمه أكبر من ذلك بكثير. وتوقف محرر الفضاء بيرغر مع لحظات حاسمة من ذلك الحلم، وهي لحظات الشعور باليأس، التي يمر بها الجميع. ويقول بيرغر في وصف تلك اللحظات على لسان مينون "في تلك اللحظة، كنت قد يئست تقريباً من أن أصبح رائد فضاء". ويضيف "قبل تسع سنوات من يومنا هذا، شعر أنيل مينون، جراح الطيران في وكالة ناسا، باليأس حين انهارت آماله وتطلعاته. فللمرة الرابعة، تقدم بجد واجتهاد ليصبح رائد فضاء في وكالة الفضاء الأميركية، ساعياً لتحقيق حلمه الذي راوده طوال حياته. وعلى رغم وصوله إلى المرحلة النهائية، رفضت ناسا طلبه مجدداً في نهاية هذه العملية الشاقة". ويقول مينون عن تلك الفترة "كنت حزيناً للغاية، واستسلمت للأمر الواقع. لم أكن أرى أي سبيل للمضي قدماً. لذا، في تلك اللحظة، تخليت تماماً عن فكرة أن أصبح رائد فضاء. وظننت أن فرصتي باتت معدومة".
الحصول على شهادة الطب
واقعياً، كانت خطوة مينون الأولى التي وضعته في الطريق الصحيح لأن يكون طبيب فضاء هي الحصول على شهادة الطب. إذ قضى مينون طفولته في الغرب الأوسط الأميركي، ثم درس علم الأحياء العصبي في جامعة هارفرد قبل أن يلتحق بجامعة ستانفورد ليحصل على شهادة في الهندسة الميكانيكية، ثم حاز شهادة الطب عام 2006. ثم عمل طبيباً للطوارئ في لوس أنجليس سنوات، ثم انضم إلى الحرس الوطني الجوي، وأصبح طياراً، وهذا ساعده في أن يعمل طبيباً على متن طائرات الهليكوبتر للبحث والإنقاذ في أفغانستان ومناطق أخرى من العالم.
في عام 2014، أصبح جراح طيران في وكالة "ناسا"، إذ أسهم في تدريب ودعم إطلاق ستة رواد فضاء في مهمات طويلة الأمد إلى محطة الفضاء الدولية. انطلقت هذه الرحلات من "بايكونور" في كازاخستان، وحتى ذلك الوقت كانت مركبة "سويوز" الروسية هي الوسيلة الوحيدة لوكالة الفضاء الأميركية للوصول إلى المدار. وخلال مسيرته المهنية الحافلة بالإنجازات، استمر مينون في التقدم بطلبات الالتحاق ببرنامج رواد الفضاء، لكن من دون جدوى.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فرصة "سبيس إكس"
بعد رفض طلبه لأن يصبح رائد فضاء للمرة الرابعة من "ناسا"، وجد مينون فرصة سانحة في شركة "سبيس إكس". كانت الشركة تستعد لأول مهمة مأهولة على متن مركبة "كرو دراغون" الفضائية، وكانت بحاجة إلى طبيب للمساعدة. أعجب مينون بالشركة الفضائية الجديدة، ورأى فيها فرصة للمساهمة في بناء مستقبل رحلات الفضاء. وعندما عرض عليه المنصب، واجه مينون قراراً صعباً للغاية، إذ كانت لديه وظيفة مرموقة في وكالة "ناسا"، إضافة إلى مواعيد متكررة في غرف الطوارئ بمنطقة هيوستن. وكان قد أسس هو وزوجته آنا عائلة صغيرة، واستقرا في هيوستن. وفي ذلك الوقت كانت آنا تتمتع بمسيرة مهنية واعدة كمراقبة طيران في مركز "جونسون" للفضاء، إذ كانت تعمل في برنامج محطة الفضاء الدولية، حينها قال مينون لوسائل إعلام "كان الانتقال إلى سبيس إكس بمثابة مجازفة كبيرة لنا ولعائلتنا". وعلى رغم ذلك بدأ مينون مهامه الجديدة في أبريل (نيسان) عام 2018، وانغمس فيها تماماً.
قال مديره لي روزن في ذلك الوقت عن وظيفة طبيب الفضاء "إن الشركة لم تكن متأكدة مما تحتاجه من جراح طيران، لذا حث روزن مينون على أن يكون مبادراً"، وهذا ما فعله طبيب الفضاء بالفعل.
أوائل عام 2020
في أوائل عام 2020، كان عبء العمل لمهمة "ديمو-2" يقترب من مرحلته الأكثر أهمية، إذ كانت "ناسا" تسعى للحصول على الأوراق النهائية وإجراء اختبارات أخرى لضمان جاهزية مركبة "دراغون" لنقل رواد الفضاء إلى الفضاء بأمان. وفي هذه اللحظة الحرجة، ضربت جائحة "كوفيد-19"، وبعد ست سنوات، لا يزال مينون يتذكر البريد الإلكتروني الذي أرسلته رئيسة شركة "سبيس إكس" جوين شوتويل إلى جميع موظفي الشركة في الأيام الأولى للجائحة قالت "إن المرض كان ينتشر، وإن سبيس إكس ستكون آمنة، لكنها ستنفذ مهمتها أيضاً". وأضافت "أن سبيس إكس لديها طبيب طيران خاص بها يعمل في الطابق الثالث من المصنع في هاوثورن، كاليفورنيا". وذكرت اسم مينون ورقم هاتفه وعنوان بريده الإلكتروني في حال وجود أي استفسارات. وقد كانت هناك استفسارات بالفعل. قال مينون "كما تتخيلون، في شركة تضم 10 آلاف موظف، امتلأ بريدي الإلكتروني فجأة بالرسائل".
منذ تلك اللحظة، توسع نطاق عمل مينون كطبيب فضاء. ولم يقتصر دوره على الإشراف على الجوانب الصحية لرحلة "ديمو-2"، بل شمل أيضاً قيادة استجابة "سبيس إكس" الداخلية للجائحة. وفي ذلك الوقت من عام 2020 أعادت "ناسا" فتح باب التقديم لجولة جديدة من طلبات الانضمام إلى المجموعة الـ23 من رواد الفضاء. ومع تفشي الجائحة، وتلقي مينون سيلاً من رسائل البريد الإلكتروني من زملائه في شركة "سبيس إكس"، تتضمن استفسارات شخصية ومهنية، وبينما كان يسعى جاهداً إلى تجهيز مركبة "دراغون" للإطلاق، فكر في إعادة فتح فصل من حياته وهو عملية التقديم لبرنامج رواد الفضاء.
ليس رائد فضاء واحد بل اثنان!
بعد عام ونصف العام، اتصل به ريد وايزمان رئيس مكتب رواد الفضاء في مركز "جونسون" للفضاء وقال له "أريد أن أعرف ما إذا كنت ترغب في الانضمام إلى ناسا كرائد فضاء". وسرعان ما شهدت حياة مينون وآنا منعطفاً كبيراً. ففي إطار عملها في عمليات الطاقم في شركة "سبيس إكس"، عملت آنا عن كثب مع رائد الفضاء جاريد إيزاكمان الذي أصبح مدير وكالة "ناسا" الحالي لمساعدته وطاقمه المدني على الاستعداد لمهمة "إلهام 4" على متن مركبة "كرو دراغون". انطلقت المهمة في سبتمبر (أيلول) عام 2021، وكان الأمر بمثابة صدمة كبيرة. ففي غضون شهر، علم مينون أنه سيصبح رائد فضاء في وكالة "ناسا"، وأن زوجته ستسافر على متن مركبة "بولاريس داون" مع إيزاكمان. وبالفعل سبقت آنا زوجها إلى الفضاء بعامين، إذ قامت بمهمة رائدة فضاء استغرقت خمسة أيام عام 2024. وبعد عام، اختيرت هي الأخرى لتصبح رائدة فضاء في وكالة "ناسا".