ملخص
بسبب القيود المفروضة على وصول إيران إلى النظام المصرفي العالمي، ينفذ جزء كبير من هذه العمليات خارج القنوات المصرفية المعتادة، وهو وضع يضع عملياً مليارات الدولارات من الثروة العامة تحت تصرف أشخاص تظل قيمة أصولهم وضماناتهم وعلاقاتهم السياسية، بل وحتى عقودهم، بعيدة من أعين الرأي العام.
كشفت معلومات جديدة عن حسين آقاياري، أحد أبرز أصحاب الشركات الواسطة في بيع النفط الإيراني، أبعاد الشبكة التي تتيح، تحت عنوان "الالتفاف على العقوبات"، لأفراد وشركات مقربة من دوائر السلطة نقل نفط وموارد إيرانية بمليارات الدولارات خارج الآليات المالية والرقابية الشفافة، وهي شبكة بات مسؤولو النظام الإيراني أنفسهم يقرون بأنها لم تعد مليارات الدولارات من عائدات النفط إلى البلاد.
ونشرت معلومات جديدة عن حسين آقاياري، الذي يوصف بأنه أحد أكبر المدينين ضمن الشبكات التي تعمل لبيع النفطية الإيراني.
وذكرت وكالة "إيلنا" أن آقاياري من مواليد عام 1982 في طهران، ويحمل جوازي سفر إيراني وأفغاني، وكان يقيم في دبي قبل اندلاع حرب الـ40 يوماً، كما تنسب إليه شركة OPS العاملة في مجال النقل والخدمات اللوجستية، وشركة Vaio الناشطة في مجال التجارة.
مسيرة آقاياري
ومن أبرز ما يلفت الانتباه في مسيرة آقاياري السرعة التي تحول بها من صاحب نشاط اقتصادي محدود، إلى أحد كبار اللاعبين في تجارة النفط الإيراني.
بدأ نشاطه من محل صرافة صغير في سوق الحديد، لكنه دخل خلال عامين فقط في صفقات نفطية ضخمة، وأصبح اليوم واحداً من أكبر أصحاب الشبكات المدينة للنظام الإيراني ضمن صفقات بيع النفط.
وخلال الفترة نفسها، اشترى نحو 40 ناقلة نفط وسفينة تجارية، حصل على بعضها من وزارة النفط بأسعار قريبة، مما يوصف بأسعار "الخردة".
إلا أن الجانب الأهم في التقرير يتعلق بحجم النفط الذي وضعته وزارة النفط تحت تصرف آقاياري، إذ ذكرت "إيلنا" أنه تلقى خلال عام واحد فقط تكليفاً من شركة النفط ببيع أكثر من 90 مليون برميل من النفط، وهو حجم يثير، بالنظر إلى قصر تجربته في هذا المجال، تساؤلات جدية حول آلية اختياره والدعم الذي حصل عليه.
امتيازات خاصة
وقال بعض أعضاء البرلمان إن إسناد هذا الحجم من النفط إليه لم يكن ممكناً، "من دون امتيازات خاصة وتعاون تيار داخل وزارة النفط والشبكة المصرفية."
ولم يتضح بعد حجم العائدات التي لم يعدها آقاياري إلى إيران، إلا أن أعلى قيمة من عائدات النفط التي لم تستردها البلاد مرتبطة بالشركة الواسطة المملوكة له، وعلى رغم ديونه السابقة والضمانات المحدودة التي قدمها، استمرت السلطات في تسليمه شحنات نفط جديدة.
ولا يقتصر السؤال حول كيفية استمرار شخص مثقل بديون ضخمة في الحصول على مزيد من النفط على قضية آقاياري وحدها، بل يصل إلى صميم آلية عمل الشبكات التابعة للنظام الإيراني، التي تحولت خلال أكثر من عقد من العقوبات إلى أحد أكثر قطاعات الاقتصاد الإيراني غموضاً وانعداماً للشفافية.
وفي هيكل التجارة الخاضعة للعقوبات، يقصد بالشركات الواسطة أفراد وشركات تتولى بيع النفط أو غيره من السلع الخاضعة للعقوبات، أو نقل الأموال الناتجة من عمليات البيع عبر حسابات وشركات صرافة وشركات وسيطة.
النظام المصرفي العالمي
وبسبب القيود المفروضة على وصول إيران إلى النظام المصرفي العالمي، ينفذ جزء كبير من هذه العمليات خارج القنوات المصرفية المعتادة، وهو وضع يضع عملياً مليارات الدولارات من الثروة العامة تحت تصرف أشخاص تظل قيمة أصولهم وضماناتهم وعلاقاتهم السياسية، بل وحتى عقودهم، بعيدة من أعين الرأي العام.
واتسعت أبعاد المشكلة إلى درجة أن مسؤولي النظام الإيراني لم يعودوا ينكرون حدوثها، إذ أعلن رئيس منظمة التفتيش العامة في إيران ذبيح الله خدائيان أخيراً أن نحو 11 مليار دولار من أموال البلاد لا تزال لدى الشركات الواسطة، وأن تجاوزات حدثت في ما يتعلق بنحو 1.6 مليار دولار منها.
وتحدث أيضاً عن حال سلم فيها أحد أصحاب هذه الشبكات 200 مليون دولار، لكنه لم يعد الأموال وغادر البلاد.
وأعلن المدعي العام في طهران فتح 59 ملفاً قضائياً في حق مديري شركات واسطة وإيداع 22 متهماً السجن، إضافة إلى مغادرة ما لا يقل عن 15 شخصاً من أصحاب هذه الشركات إيران. ووفقاً لادعاءات السلطات القضائية، طلب من الشرطة الدولية "الإنتربول" إصدار مذكرات في حق هؤلاء الـ15.
وسطاء استلام الأموال
وفي قلب هذه الشبكة، تكرر أيضاً اسم شركة "نايكو"، الذراع الدولية لشركة النفط الوطنية الإيرانية.
وكان الرئيس التنفيذي السابق لـ"نايكو"، علي أكبر بورإبراهيم، قال إنه حتى نهاية حكومة إبراهيم رئيسي في 2024، بقي نحو 11 مليار دولار من عائدات النفط في حوزة الشبكات الواسطة.
وكشف عن آلية منتشرة بين هذه الشبكات يستطيع بموجبها مشتري النفط وصاحب الشبكة الواسطة تأكيد استلام الأموال من دون حدوث تحويل مالي فعلي، مما يسمح ببقاء الموارد المالية لأسابيع أو أشهر خارج متناول إيران.
وتطرقت تقارير داخلية أيضاً إلى أسماء بعض المديرين السابقين في "نايكو" في سياق المرحلة التي شهدت توسع هذه الشبكات، ومن بينهم الرئيس التنفيذي السابق للشركة سعيد صادقي، الذي قيل إنه غادر إيران بعد إقالته.
النفط الخاضع للعقوبات
وورد اسم علي محمد معصوميان، أحد المديرين المخضرمين في "نايكو" ومدير الشؤون المالية في شركة النفط الوطنية الإيرانية، في بعض التقارير المتعلقة بالقضية.
لكن شبكة الالتفاف على العقوبات لا تقتصر على مديري القطاع النفطي في النظام الإيراني، ففي الأعوام الأخيرة ارتبطت أسماء أقارب بعض أقوى مسؤولي النظام أيضاً بتجارة النفط الخاضع للعقوبات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن أبرز هذه الحالات حسين شمخاني، نجل علي شمخاني، الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إذ أشارت وثائق عقوبات صادرة عن حكومات غربية إلى شبكة من شركات الشحن والتجارة المرتبطة به، وإلى دورها في تجارة النفط الإيراني.
وتزداد أهمية هذه الروابط عند النظر إلى آلية اختيار أصحاب الشركات الواسطة، إذ قال الرئيس السابق للبنك المركزي الإيراني ولي الله سيف إن مسؤولية الإشراف على اختيارهم تقع على عاتق "لجنة التدابير الاقتصادية الخاصة"، وهي هيئة تضم كبار المسؤولين في الحكومة ووزارة النفط والبنك المركزي ووزارة الاستخبارات ووزارة الخارجية ومنظمة التخطيط والموازنة، إلى جانب ممثلين عن مؤسسات أخرى في النظام، فيما يؤدي أمين المجلس الأعلى للأمن القومي دوراً محورياً في هيكل اتخاذ القرار داخل اللجنة.
شحنات بملايين الدولارات
وبناء على ذلك، يصعب اختزال قضية الشركات الواسطة في مجرد "خيانة" ارتكبها عدد من الوسطاء الاقتصاديين، فعندما يسمح لأشخاص لا يمتلكون سجلاً تجارياً بارزاً بالدخول في صفقات تشمل عشرات ملايين براميل النفط، ويقدمون ضمانات محدودة في مقابل شحنات تبلغ قيمتها مئات ملايين الدولارات، ثم يستمرون في الحصول على مزيد من النفط حتى بعد تراكم ديونهم، فإن السؤال الأساس لا يتعلق بهوية أصحاب "التراستات" وحدهم، بل أيضاً بالمسؤولين الذين اختاروهم ووضعوا الموارد العامة تحت تصرفهم.
وهذا هو النموذج نفسه الذي ظهر سابقاً في قضية بابك زنجاني، الذي تحول خلال فترة تشديد العقوبات إلى وسيط لبيع النفط الإيراني، ولم يعد أكثر من 2.3 مليار دولار من عائدات النفط.
ويقدم الكشف عن قضية حسين آقاياري اليوم نموذجاً جديداً للبنية الاقتصادية التي أنشأها النظام الإيراني على مدى أعوام تحت عنوان "مقاومة العقوبات"، عبر اقتصاد سري تنتقل عبره مليارات الدولارات من النفط والعملات الأجنبية المملوكة للشعب الإيراني بعيداً من الشفافية.
ولا يبدأ مسؤولو النظام الحديث عن "خيانة" الوسطاء إلا بعدما تكون مليارات الدولارات قد اختفت، وأصحاب الشركات الواسطة فروا من إيران، فيما ينتهي الأمر بتجار العقوبات، الذين أفسح النظام نفسه المجال أمامهم، إلى خداع داعميهم داخل السلطة أيضاً.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"