Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جهود مستمرة لإطفاء حريق مصفاة ليبية بعد ليلة من العبوات والمسيرات

اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية في بنغازي يعيد مخاوف الخلايا السرية واستهداف خزانات الوقود في الزاوية يرفع مستوى الخطر

ما حدث بين بنغازي والزاوية يقدم في المحصلة إنذارين مختلفين للدولة الليبية (رويترز)

ملخص

بين عبوة ناسفة تستهدف مسؤولاً استخباراتياً في بنغازي، ومسيّرة تضرب خزاناً يحوي ملايين اللترات من الوقود في الزاوية، تبدو ليبيا أمام تحد أمني مختلف وتهديدات أصغر حجماً من الحروب المفتوحة، لكنها أكثر قدرة على المباغتة وأشد خطراً على الاستقرار والمنشآت الحيوية.

أدى تجدد أعمال العنف في ​مدينة الزاوية الليبية الاستراتيجية إلى تعطيل قطاع النفط مرة أخرى في هذا البلد العضو في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، إذ قالت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا إنها قد تعلن حال القوة القاهرة إذا استمرت الهجمات بالطائرات المسيّرة على منشآت الطاقة في المدينة.

وقالت المؤسسة إن طائرة مسيرة استهدفت اليوم ‌الثلاثاء ‌مصفاة ​الزاوية ‌النفطية، أكبر ⁠مصفاة ​عاملة في ⁠البلاد، في خامس هجوم عليها منذ يوم ⁠السبت.

وأضافت المؤسسة ‌أن ‌خزانا ​للديزل ‌تابعا ‌لشركة الزاوية لتكرير النفط استهدف في الهجوم، ‌ما تسبب في حريق ⁠محدود جرى ⁠احتواؤه لاحقا.

وتشهد مدينة الزاوية، الواقعة غرب طرابلس والتي تضم أكبر مصفاة عاملة في ليبيا، اشتباكات متكررة بين الجماعات المسلحة. واستهدفت هجمات بطائرات مسيّرة مجمعها النفطي خلال مطلع الأسبوع وحتى أمس الإثنين، مما تسبب في انهيار خزان يحوي نحو 4.5 مليون لتر من البنزين إثر اندلاع حريق.

ولم تعلن أية جهة حتى الآن مسؤوليتها عن الهجمات، فيما لم تذكر السلطات من تعتقد بأنه يقف وراءها، إلا أن ليبيا تشهد انقساماً ‌بين فصيلين متنافسين منذ ‌الإطاحة بمعمر القذافي قبل 15 عاماً.

وقال مهندسان لـ"رويترز" إن الحريق، على رغم شدته، لم يُلحق أضراراً بأكبر مصفاة عاملة في ليبيا، ولا تزال فرق الإطفاء تحاول إخماده.

ومع ذلك، أوضح متحدث باسم "شركة البريقة لتسويق النفط"، المسؤولة عن إمدادات الوقود في ليبيا، أن الحريق أدى إلى توقف جزئي للعمليات في مستودع الزاوية النفطي وتوقف موقت في إمدادات الوقود إلى محطات عدة في المنطقة الغربية.

تهديدات أمنية

في ليلة واحدة، حمل المشهد الأمني الليبي إشارتين بالغتي الخطورة من شرق البلاد وغربها، ففي بنغازي اغتيل رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية بالقيادة العامة للجيش الليبي اللواء فوزي المنصوري بعبوة ناسفة، زرعت في سيارته عقب خروجه من أحد المساجد بعد أداء صلاة العشاء، بينما كانت مدينة الزاوية غرب طرابلس تواجه هجوماً جديداً بطائرة مسيّرة استهدف منشأة لتخزين الوقود، في ثالث حادثة من نوعها تطاول منشآت حيوية في المدينة خلال أيام قليلة، وتواصل فرق الإطفاء اليوم الثلاثاء جهود مكافحة الحريق الذي اندلع في المصفاة.

وعلى رغم اختلاف طبيعة الحادثتين والبيئة الأمنية المحيطة بكل منهما، فإن تزامنهما يفتح أسئلة تتجاوز هوية المنفذين إلى طبيعة التهديدات الأمنية التي باتت تواجه ليبيا، ولا سيما مع عودة أسلوب الاغتيال بالعبوات الناسفة إلى بنغازي، ودخول الطائرات المسيّرة بصورة متزايدة إلى معادلة الصراعات المسلحة في غرب البلاد.

اغتيال يهز بنغازي

ففي بنغازي، استهدفت عبوة ناسفة سيارة اللواء فوزي المنصوري في منطقة الهواري مساء أمس الإثنين قرّب مسجد السيدة عائشة، مما أدى إلى مقتله من دون تسجيل ضحايا آخرين، وفق المعلومات المتاحة حتى الساعات الأولى من صباح اليوم الثلاثاء، وأكد مدير إدارة التوجيه المعنوي في الجيش الليبي اللواء خالد المحجوب أن "المنصوري كان خرج لتوه من المسجد بعد أداء صلاة العشاء، وأن العبوة كانت مثبتة في سيارته وانفجرت عقب خروجه".

وتكتسب هذه العملية خطورتها ليس فقط من هوية المستهدف، بل بصورة أكبر من طريقة تنفيذها، فالمنصوري يتولى رئاسة أحد أكثر الأجهزة العسكرية حساسية، بعدما كلف بإدارة الاستخبارات العسكرية في مايو (أيار) 2024، وكان قبل ذلك آمراً لمنطقة سبها العسكرية منذ أغسطس (آب) 2021، ومن ثم فإن الوصول إلى مسؤول أمني بهذا المستوى، وزرع عبوة ناسفة في سيارته واستهدافها، يطرح أسئلة جدية في شأن كيفية مراقبة تحركاته والوصول إلى المركبة وتحديد التوقيت المناسب للتفجير.

وتبدو هذه الأسئلة أكثر حساسية بالنظر إلى التحول الأمني الذي عاشته بنغازي خلال الأعوام الماضية، بعد مرحلة طويلة من الاغتيالات والتفجيرات والقتال الذي شهدته المدينة منذ عام 2014، قبل أن يتمكن الجيش الليبي من القضاء على التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة التي كانت تسيطر على أجزاء منها، ولهذا يعيد اغتيال المنصوري إلى الذاكرة واحداً من أكثر فصول بنغازي دموية، عندما كانت العبوات اللاصقة والمفخخات وعمليات اغتيال الضباط والعسكريين جزءاً شبه يومي من المشهد الأمني.

ويبدو أن هذه المقارنة كانت قراءة أولية للحدث أيضاً بالنسبة إلى الجهات الأمنية والعسكرية قبل استكمال التحقيقات، إذ قال اللواء خالد المحجوب إن "طريقة تنفيذ اغتيال اللواء فوزي المنصوري تشبه الأساليب التي استخدمتها الجماعات الإرهابية في ليبيا قبل عام 2014 لاستهداف الضباط والنشطاء"، مع تأكيده في الوقت نفسه أن "التحقيقات لا تزال جارية، ولم تصل بعد إلى نتائج نهائية بشأن منفذي العملية".

وحتى استكمال التحقيقات وتحديد المسؤولين عن تنفيذ عملية الاغتيال، تمثل الحادثة، بصرف النظر عن هوية منفذيها التي لم تحسم بعد، اختراقاً أمنياً واضحاً يستوجب مراجعة منظومة الحماية والمعلومات داخل المدينة، خصوصاً أن المستهدف ليس شخصية مدنية أو عسكرية عادية، بل رئيس الجهاز الذي يفترض أن يقع في قلب منظومة جمع المعلومات وكشف التهديدات.

المسيّرات تغير قواعد الصراع

وفي غرب البلاد، وعلى بعد 40 كيلو متراً من قلب العاصمة طرابلس، عاشت مدينة الزاوية اختراقاً أمنياً من نوع آخر وتطوراً لا يقل خطورة، فقد تعرض خزان للوقود في مصفاة المدينة النفطية مساء أمس الإثنين لاستهداف بطائرة مسيّرة، أدى إلى اندلاع حريق ضخم وانهيار الخزان، مما دفع المؤسسة الوطنية للنفط لإعلان حال الطوارئ القصوى، مشيرة إلى "خطورة تكرار الاعتداءات التي استهدفت منشآت وأصولاً نفطية في المدينة خلال الأيام الأخيرة"، وبحسب المعلومات الأولية فقد كان الخزان المستهدف يحوي نحو 4.5 مليون لتر من بنزين السيارات.

وذكر مهندسان لـ"رويترز" أن فرق الإطفاء تواصل جهود مكافحة الحريق اليوم الثلاثاء، لكن على رغم شدته، لم يُلحق أضراراً بأكبر مصفاة عاملة في ليبيا. وصرح ثلاثة مسؤولين في شركة ‌البريقة لتسويق النفط، المسؤولة ‌عن إمدادات الوقود في البلاد، بأن إمدادات ​الوقود ‌والبنزين ⁠لم تتأثر. ولم تعلن أي جهة حتى الآن مسؤوليتها عن الهجمات.

وذكر مهندسان لـ"رويترز" أن فرق الإطفاء تواصل جهود مكافحة الحريق اليوم الثلاثاء، لكن على رغم شدته، لم يُلحق أضراراً بأكبر مصفاة عاملة في ليبيا. وصرح ثلاثة مسؤولين في شركة ‌البريقة لتسويق النفط، المسؤولة ‌عن إمدادات الوقود في البلاد، بأن إمدادات ​الوقود ‌والبنزين ⁠لم تتأثر، ولم تعلن أي جهة حتى الآن مسؤوليتها عن الهجمات.

وقالت المؤسسة الوطنية ​للنفط في ليبيا في بيان، "تعرض خزان مخصص لتخزين منتج بنزين السيارات لاستهداف مباشر، أدى إلى اندلاع حريق شديد، قبل انهيار الخزان بالكامل" وهو "يحتوي على 4.5 ملايين لتر"، مشيرةً إلى قيام "فرق الإطفاء بكل ما في وسعها، للسيطرة على الحريق والحد من آثاره، ومنع امتداده إلى المنشآت والمرافق الأخرى". وطالبت المؤسسة الجهات المختصة بالتدخل "العاجل والفوري"، إضافة إلى "فتح تحقيق شامل في ملابسات وخلفيات هذه الاعتداءات، والعمل على تحديد وضبط مرتكبيها ومن يقف وراءها"، فيما لم تعلن أية خسائر بشرية نتيجة الانفجار.

ولم يكن الهجوم الأول من نوعه في الأيام الأخيرة، إذ أعلنت "شركة الزاوية لتكرير النفط" قبل يومين اصطدام طائرة مسيّرة بخزان يحوي  مادة "الديزل" غير المعالجة داخل المصفاة، مما أحدث ثقبين وتسرباً جرى احتواؤه من دون اندلاع حريق أو وقوع إصابات، وفي اليوم التالي أُبلغ عن استهداف خزان مياه في محطة تحلية الزاوية المحاذية للمصفاة بطائرة مسيّرة أيضاً.

تأتي هذه التطورات بعد فترة من التوتر والاشتباكات بين مجموعات مسلحة في الزاوية ومحيطها بداية الأسبوع، وهي مدينة ظل المشهد الأمني فيها خلال الأعوام الماضية محكوماً بتوازنات معقدة بين تشكيلات مسلحة تتنافس على النفوذ والسيطرة، لكن دخول الطائرات المسيّرة إلى هذه البيئة ينقل مستوى الخطورة إلى مرحلة مختلفة، فإذا أثبتت التحقيقات أن إحدى الجماعات المحلية المسلحة تقف وراء الهجمات الأخيرة، فستكون الدلالة الأهم أن بعض التشكيلات في غرب ليبيا لم تعد تمتلك الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والمدرعات وحسب، وإنما باتت قادرة على تشغيل مسيّرات هجومية وضرب أهداف محددة عن بعد.

وهذا التطور يمكن أن يغير قواعد الاشتباك جذرياً، لأن المسيّرة تمنح مستخدمها القدرة على تجاوز خطوط التماس واستهداف مخازن الوقود والمقار والمركبات والبنية التحتية من مسافة بعيدة، مما يجعل المنشآت المدنية والاقتصادية الواقعة خارج مناطق القتال التقليدية جزءاً من دائرة الخطر.

النفط يدخل دائرة النار

ويصف الصحافي الليبي الصديق الورفلي الدلالات الخطرة للهجوم بمسيّرة على أهم منشأة نفطية في غرب ليبيا بقوله إن "مصفاة الزاوية التي جرى استهدافها، ليست مجرد منشأة محلية عادية، وإنما واحدة من أهم مرافق التكرير وتخزين وتوزيع المحروقات في غرب ليبيا، وبالتالي فإن تكرار الهجمات في محيطها يمكن أن يحول نزاعاً بين مجموعات مسلحة إلى تهديد مباشر لأمن الطاقة الليبي وإمدادات الوقود".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف "لهذا وصفت المؤسسة الوطنية للنفط الاعتداءات بأنها تصاعدت خلال الأيام الماضية بصورة خطرة، وأعلنت حال الطوارئ القصوى وطالبت بفتح تحقيق شامل لتحديد مرتكبيها والجهات التي تقف وراءهم، محذرة من أن استهداف المنشآت النفطية يمثل تهديداً مباشراً لأمن البلاد ومقدراتها"، ورأى أن "الأخطر في استمرار استخدام المسيّرات أنه قد يخلق نموذجاً جديداً للصراع في غرب ليبيا، تتحول فيه المنشآت النفطية ومحطات الكهرباء والمياه والمقار الأمنية إلى أهداف يمكن ضربها من دون اقتحامها أو السيطرة عليها ميدانياً".

إنذاران في ليلة واحدة

وما حدث بين بنغازي والزاوية يقدم في المحصلة إنذارين مختلفين للدولة الليبية، الأول في الشرق، حيث يكشف اغتيال مسؤول بحجم رئيس الاستخبارات العسكرية أن الاستقرار الأمني الذي تحقق في بنغازي يحتاج إلى حماية مستمرة من عودة أساليب الخلايا السرية والعبوات والاغتيالات، وأن انتهاء المعارك الكبرى لا يعني بالضرورة انتهاء التهديدات غير المرئية، أما الثاني في الغرب، حيث توحي الهجمات المتكررة بأن الصراع بين الجماعات المسلحة، فقد يكون بصدد دخول مرحلة أكثر تطوراً تقنياً، يصبح فيها امتلاك الطائرات المسيّرة عاملاً جديداً في موازين القوة.

وبين عبوة ناسفة تستهدف مسؤولاً استخباراتياً في بنغازي ومسيّرة تضرب خزاناً يحوي ملايين اللترات من الوقود في الزاوية، تبدو ليبيا أمام تحدٍ أمني مختلف، وتهديدات أصغر حجماً من الحروب المفتوحة، لكنها أكثر قدرة على المباغتة وأشد خطراً على الاستقرار والمنشآت الحيوية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير