ملخص
أخطر ما تعيشه سوريا حالياً هو أن اللقاء الاجتماعي الجماعي غاب، ولو جرت محاولات لإنكار ذلك، فالمجتمعات التي انغلقت على بعضها لم تعد تتقاسم الاهتمام والنشاط ذاته، وصارت النشاطات طائفية ومناطقية في كثير منها، وهذا أسوأ ما في المرحلة الانتقالية.
بعد مرور أكثر من عام ونصف عام على سقوط نظام بشار الأسد وانتهاء الحرب بمفهومها الكلاسيكي وتجاوز فصول الصراع العسكري المباشر، فإن سوريا لم تتمكن بعد من المضي قدماً بصورة واضحة نحو مرحلة بناء مجتمع موحد.
سوريا التي تجاوزت واحدة من أعقد صنوف الحرب في العصر الحديث ما زالت تحتكم في يومياتها إلى منطق الصراع المستمر لا الحياة المدنية الهادئة، والفضاء العام، الذي يبدأ من كل شيء ويصب في كل شيء، كفيل بشرح ضخامة المشكلة وتنافر السوريين وتباعدهم من بعضهم، حتى باتوا أقرب إلى "كانتونات" تجمعها جغرافية واحدة بحكم الأمر الواقع.
يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي هائل بدور "علينا أن نقلق اليوم كثيراً، وذلك لأن السؤال الماثل أمامنا أكثر من معقد، وهو: كيف يمكن أن يلتقي السوريون مجدداً؟ الاستقرار في سوريا لم يكن مقروناً بإعلان إسقاط نظام وانتهاء الحرب معه، لأن ذلك الإسقاط حمل حرباً أخرى يتصدرها تفشي السلاح وصراع النفوذ وملفات الأمن وتنافس تيارات السلطة، وعلى رغم أن السلطة الحالية نجحت إلى حد جيد في إحراز تقدم سياسي، لكنها لم تنجح في إحراز تقدم مجتمعي أول ما يقال فيه من أين جاء كل خطاب الكراهية هذا، الذي يتكفل وحده بمحو أي أثر لمساحة لقاء جماعي؟".
احتكار الصراع
يسأل كل بلد في العموم عن مجتمعه المدني ومراحله تطوره وإنجازاته، بل وينظر إليه كمحسن افتراضي سريع لشكل تفاصيل الحياة اليومية، في إطار التلاقي لا التباعد، بيد أن المشكلة السورية تكمن في الدوران ضمن دوائر صراع متقاطعة يبرزها المجال العام في كل ما هو مختلف عليه، وهذا المختلف عليه أكبر من المتفق عليه ما دام أن أطراف البلاد متآكلة شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً بعيداً من مركزية السلطة في العاصمة دمشق.
ويقول الخبير السياسي جهاد الحسون إن "هناك بعض النظريات السياسية التي تقول إن استقرار الدولة ضرورة واجبة لاستقرار المجتمع، لكن نظريات أكثر وضوحاً وإثباتاً، تبينت من تجارب دول أخرى مرت بحروب عنيفة، تفيد بأنه لا يمكن أن تبنى الدولة إلا من الأسفل إلى الأعلى، تحديداً عبر بناء مجتمع متماسك صلب راسخ متحاور ومتفاهم، الدولة نظرياً وعملياً يمكن أن تعيد بناء مؤسساتها سريعاً، لكنها لن تتمكن من فعل ذلك من دون مجتمعها الذي يجب أن يمارس حياة متكافئة مشتركة تتجاوز الانقسامات وتقوم على المواطنة، العلاقة هنا عكسية بوضوح، وما يحصل الآن هو تطبيق عكسها السلبي".
أشياء مفتقدة
من نافلة القول إن الثقافة والرياضة والمنتديات والنشاطات والمبادرات الشبابية لم تعد كما هي سابقاً، بل تراجعت، وخف بريقها، وبهتت، لكن ذلك التغير يمكن التعامل معه على رغم تطلبه حيزاً واسعاً من الجهد ليعود كما كان قبل الحرب في عام 2011، لكن أخطر ما في الأمر أن اللقاء الاجتماعي الجماعي نفسه غاب، ولو جرت محاولات لإنكار ذلك، فالمجتمعات التي انغلقت على بعضها لم تعد تتقاسم الاهتمام والنشاط ذاته، وصارت النشاطات طائفية ومناطقية في كثير منها، وهذا أسوأ ما في المرحلة الانتقالية.
في هذا السياق يرى الناشط المدني مجد زهران أن "المجتمع المدني هو نواة إنتاج رأس المال الاجتماعي، وهذا المجتمع يكرس الثقة، ويكسر العزلة، ويقرب وجهات النظر، ويسمح بعلاقات طبيعية بين أفراد من خلفيات متباينة، وفي غياب هذا المجتمع وتراجع الأنشطة الواضح كالموسيقى والمعارض والمنتديات والأمسيات والرياضة والمسرح والهوايات والتطوع والثقافة والمكتبات وغيرها، فإن ذلك يسهم في تعزيز الانقسام وتفعيل التموضع الدائم خلف حدود الصراع الوهمية والحقيقية القائمة على الخشية من الآخر".
وفي الإطار ذاته يقول زيدان زهرة، وهو مؤسس لفريق تطوعي سابق، "على مدار عقود شهدت سوريا أضخم المهرجانات الفنية التي غنى فيها كبار مطربي العالم العربي من السيدة فيروز وصباح فخري وجورج وسوف وكاظم الساهر ومارسيل خليفة والراحل زياد الرحباني وغيرهم عشرات، يومها كانت تمتلئ المدرجات عن بكرة أبيها، يحضر الجميع ولا أحد يهتم بهوية الآخر. أما اليوم فيصنف الفنان على أنه ’شبيح‘ أم موال، حتى لو كان غير سوري، وشهدت مدينة حمص أخيراً تمزيق صور حفلة لفنان لبناني لأنه وصف بـ’الشبيح‘. كذلك حققت الفرق الرياضية السورية كـ’الكرامة‘ و’الوحدة‘ و’الاتحاد‘ طفرات تسيدت بها قارة آسيا قبل عام 2011، والأمثلة لا تنتهي. وما أريد قوله إن ذلك كان للجميع ويشترك فيه جميع المواطنين على اختلاف انتماءاتهم، أما اليوم فلا حدث يجتمع حوله السوريون".
ليست كماليات
لا يمكن النظر إلى الفنون عامة والرياضات والهوايات الفردية والجماعية والأنشطة الشبابية والتطوعية والمنتديات الثقافية والترفيهية والفكرية على أنها ترف في غير مكانه، بل إنها وبالنظر لمعظم دول العالم تمثل أوسع وأنقى ساحات اللقاء والاتفاق وليست مكاناً لسد مساحات ساذجة من الفراغ، فتلك النشاطات تكفل إنتاج علاقات مديدة عابرة للهويات الضيقة والمجتمعات المغلقة.
يعتقد الخبير في العلاج السلوكي المعرفي أن "الشعوب تحتاج إلى الاتفاق للبناء، وما دام يسود بينها الاختلاف فلن تخرج من دائرة الفراغ، فألمانيا التي دمرتها الحرب العالمية، وقتل معظم رجالها بنتها نساؤها وبمدة زمنية وجيزة، بل إنها نالت كأس العالم في عام 1954 بعد أقل من 10 سنوات على نهاية الحرب العالمية الثانية. نجحت ألمانيا ودول أخرى في تدريب أفرادها على منطق الاختلاف من دون اختصام، فاللاعب والموسيقي والكاتب والشاعر والمتطوع، يمثل بلده لا طائفته ومنطقته وموقفه السياسي". وأضاف "هناك أمثلة حية أمامنا، أليس بين الكتاب غابرييل غارسيا ماركيز رمزاً عالمياً لبلده، ونجيب محفوظ ولوركا وطه حسين وجبران خليل جبران ومحمود درويش وشكسبير وكافكا وفيكتور هوغو وألبير كامو وتشيخوف، وفي الرياضة بيليه ومارادونا وميسي ورونالدو وعصام الحضري، وفي الفن فيروز ووديع الصافي وأم كلثوم وإلفيس بريلسي ومادونا ومايكل جاكسون. اليوم ليس هناك في سوريا رمز متفق عليه في أي مضمار، حتى الراحلون مثل محمد الماغوط وممدوح عدوان ونزار قباني وأدونيس نفسه بشهرته العالمية يحاسب وفق أضيق المنطلقات المحلية. تلك رموز جمعت أمماً، وفي سوريا شتت السوريون رموزهم".
بين الحرب والبناء
تصطلح مفاهيم علم الاجتماع والسياسة على التمييز بين وقف الحرب وبناء المجتمع، فتوقف أية حرب يكون مقروناً بانتهاء النزاع بسبيل عسكري أو دبلوماسي أو سياسي، أما عملية إعادة بناء المجتمع فهي عملية تحتاج إلى صبر وإيمان جماعي مطلق يختبر فيها السوريون قدرتهم على العيش مجدداً لا التعايش، وبين المفهومين يسقط المجتمع السوري على الدوام بطوائفه وقومياته الـ18.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تعول المرحلة الانتقالية بوضوح على أن المجتمع سيتمكن من التعافي من تلقاء نفسه مع مرور الأيام، فتولي اهتمامها كاملاً للملفات السياسية والأمنية الداخلية والخارجية، بيد أنه "لا يمكن للعطار أن يصلح ما أفسده الدهر"، والعطار هنا هو الزمن والدهر هو سنين الحرب الطويلة الماضية، فاستمرار القفز فوق المشكلات يدفع بها نحو قطيعة دائمة، أبرز ما يعبر عنها حال السويداء والساحل والشرق السوري، وحوادث القتل اليومية في مدينة حمص وسط البلاد تبعاً لدوافع ثأرية أو طائفية لم تتوقف منذ سقوط النظام".
معضلة ترتيب الأولويات
"لا يمكن إصدار أحكام نهائية منذ الآن على المرحلة الانتقالية"، يقول الباحث السياسي وجدي محمد، إذ "هناك حكمان ينظر إليهما في السياسة، الضرورة والواقع، والسلطة وجدت نفسها أمام بلد مدمر بكل ما فيه، بشراً وحجراً وموارد وحياة عامة، لذا حاولت المسارعة إلى تثبيت المؤسسات والاستقرار ومتابعة القضايا الإدارية والسياسية المحلية والدولية ما استطاعت، وهي أهداف مركزية في أي حكم انتقالي. نعم، قد تكون وقعت في خطأ ترتيب الأولويات، نجحت حيناً وفشلت حيناً آخر، لكنها كانت تسير ضمن مسار إلزامي تتحمله الحرب لا أشخاص السلطة أنفسهم، وهنا المعضلة الأخرى، أن المسارات تلك لا تكفي لبناء الدولة، فالدولة ليست مؤسسات فقط ومجتمعها ليس سكاناً جغرافيين فقط، بل إن بين الدولة والمجتمع علاقة ربطية قائمة على شبكة معقدة من التداخل، وهو ما جعل قيام الدولة كصورة أسرع من قيام المجتمع، وفي ذلك خسارة للدولة التي جعلت الانتقال منقوصاً بين مرحلتين، فشاب الواقع الراهن الشك والانقسام بين المكونات".
صناعة المجتمع
يرى مراقبون ومهتمون بالشأن السوري أن الأولوية اليوم هي لإعادة الاعتبار لفكرة المجتمع نفسه، إلغاء التمييز والتفرقة والطبقية الحديثة والتوقف عن اعتماد الولاءات بدل الكفاءات ومكافحة خطاب الكراهية والتحريض المتنامي بشدة والتوقف عن الفصل التعسفي لآلاف الموظفين على خلفيات مناطقية، وإحلال الأمن بالتساوي بين الجميع، وعدم منح امتيازات لفئات اجتماعية تجعلها تتسيد فوق أخرى فتعزز الانقسامات المتوارثة وتعمل على تنميتها، وصولاً إلى مرحلة اللاعودة النهائية منها.
وتجمع هذه الآراء التي تصف نفسها بالعقلانية على ضرورة توليد بيئات مشتركة تسمح بكل الأنشطة، من شأنها أن تكون مسار تفاهم لا يمكن للسياسة الجافة أن تبنيه، فالعلاقات اليومية بين السوريين تبدأ في المدرسة والجامعة ونوادي الرياضة والثقافة والحدائق والفرق التطوعية والمسارح وغيرها من الأماكن التي يمكن أن تثبت من جديد أن ما يجمع السوريين أكبر مما فرقته حرب استطالت بينهم وما زالت فصولها مستمرة، فيكون الملخص أن قدرة البلاد على الانتقال من إدارة الصراع إلى بناء المجتمع هو طوق النجاة الوحيد لمستقبل مواطنيها، على قاعدة أن قوة المجتمع تحمي الدولة وليس توازن قوتها العسكرية.