Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مونديال 2026 يكشف تحولات المجتمع السوري بعد سقوط النظام

أصبحت كأس العالم مرآة تعكس طبيعة التغييرات في حياة المواطنين ومن خلالها يمكن استنتاج سبب مخاوفهم

تحولات أصابت المجتمع السوري خلال الأعوام الأخيرة (أ ف ب)

ملخص

العامل الرئيس في الطغيان الذكوري على حساب الحضور الأنثوي ينحصر في عوامل عدة، الأول توقيت عرض المباريات المتأخر، والثاني المخاوف الأمنية، والثالث الخشية العائلية، وهو ما غير تركيبة الحضور المألوف داخل الأماكن التي تعرض المباريات عادة.

على رغم مضي أيام قليلة على انطلاق كأس العالم بنسخة 2026 الجديدة، فإن شبه إجماع سوري يتفق على أنها لا تشبه النسخ التي سبقتها في 2022 و2018 وما قبل. فبين آخر مونديال في قطر والمونديال الحالي تغيرت توازنات سياسية إقليمية ودولية بالجملة أرخت بظلّها الثقيل على الواقع السوري، أزاحت نظامه وغيرت تركيبة مجتمعه، وبدلت أولويات ساكنيه ومعها تفاصيل يومهم واهتماماتهم.

مع كأس العالم هذه بوصفها الحدث الأكثر شعبية عالمياً يتضح حجم التحولات التي أصابت المجتمع السوري في الفترات التي سبقته، لتقودهم إلى واقع يضعهم في خانة اختبار الجديد والمتجدد.

كانت النسخ الماضية من البطولة وفي عز سنين الحرب تستقطب أعداداً كبيرة من المشجعين في مقاهٍ تضع شاشات عملاقة، وفي مباريات تمتد مشاهداتها حتى ساعات الفجر، أما اليوم فيبرز السؤال الأهم: هل ما زالت المقاهي تستطيع استقطاب حشود المتفرجين؟ وهل لا زال يستطيع المشجعون البقاء حتى الفجر لمشاهدة المباريات؟ وتلك أسئلة توصل "اندبندنت عربية" لأجوبة شاملة عنها عبر

ومن خلال متابعة ميدانية لواقع الحال في المباريات التي جرى عرضها، تمكنت "اندبندنت عربية" من الإجابة عن هذه التساؤلات.

جمال الشيخ صاحب أحد المطاعم في دمشق قال "بدأنا التحضير مبكراً كما في كل مونديال، فكأس العالم تعتبر موسماً استثنائياً للأرباح، لكن الإقبال كان ضعيفاً للغاية، ولم نستطع معه حتى تغطية نفقات التشغيل، وربما يعود ذلك لأن الافتتاح كان منقولاً على القنوات المفتوحة، ولأن الأيام الأولى لم تحمل مباريات مهمة، باستثناء البرازيل والمغرب التي كانت بعد منتصف الليل ولم نستطع استقطاب أكثر من ست طاولات".

في الوقت ذاته، يبين الشاب حسان أمير من حمص أنه متحمس للغاية لتشجيع فريقه الألماني، وكذلك متابعة مباريات البطولة، لكنه اصطدم بعدم رغبة رفاقه مشاركته الحدث نتيجة مخاوف تتعلق بوضع مدينتهم المقلق. ويشرح "مع انطلاق البطولة، كان هناك حدث مأسوي في حمص بين الأمن والبدو خلق حالاً من القلق في المدينة، الخوف يجعل أصدقائي يميلون للمشاهدة في المنزل، وجمال أجواء المباريات يكمن في جلسات الأصدقاء، هذا عدا عن أن التوقيت والوضع لا يسمحان لصديقاتنا الفتيات بمرافقتنا للمشاهدة، علماً أن النسخ الماضية كان هذا الأمر طبيعياً وكنا نظل في المقهى حتى الفجر".

"المختلف الآن أن الناس جياعٌ أكثر، وأعتقد أن عدد مباريات البطولة أكثر من 100، وفواتير المطاعم والمقاهي باهظة"، يقول أحمد سليمان من اللاذقية وهو مشجع لفريق البرازيل، ويتابع "تبدو هذه النسخة من بدايتها مبتورة، الناس لا تريد السهر، تخاف الخروج من المنزل في ساعات ما بعد منتصف الليل والفجر، كذلك هم يخافون من التدقيق حول الاختلاط إن حصل، والفتيات بطبيعتهن لن يخرجن للمشاهدة، ولربما يختلف الأمر بين مدينة وأخرى".

الاختبار الجماعي

عام 2006 خلال دوري أبطال آسيا، وصف مدرب فريق "سابا باتري" الإيراني جمهور فريق "الكرامة" الحمصي بالأوروبي، مبدياً استغرابه لحجم الحضور الذي تجاوز ضعف ما يتسع له الملعب. وفعلياً الشعب السوري يعشق كرة القدم، وينتظر بحماسة كأس العالم كلّ أربعة أعوام، ويحولها إلى نشاط اجتماعي تدور فيه نقاشات كروية وثقافية وجغرافية، حتى على اعتبار أن أماكن العرض كانت تمتلئ قبل المباراة بساعة أو اثنتين.

توقع مراد كّاس صاحب أحد المقاهي في حمص أن يكون الإقبال غير جيد، مستنداً إلى قراءة لواقع الحال، وتراجع أساس رواده في الحال الطبيعية تحت وطأة الظروف الأمنية، يقول "كأس العالم السابقة كان المتابعون يحجزون قبل أسبوع، الآن نبحث عن زبون ليحضر، كان الحضور دون المتوسط تقريباً في مباراة البرازيل، وقد غلب عليه الطابع الذكوري بالمطلق، وكلهم من أولاد الحي، ولأن المشروبات المسموح تقديمها محدودة صارت الأرباح قليلة".

عادة في مباريات معينة كتلك التي تشارك فيها فرق عربية أو فرق أوروبية بارزة، كان يحضر أيضاً جمهور غير مهتم بالرياضة بصورة منتظمة، لكن الأجواء كانت كفيلة بجذبهم، لكن هذا الحدث نفسه اليوم أصبح مساحة اختبار جماعي واجتماعي لما سبق، سواء بسبب المشكلات الاقتصادية المتصاعدة أو التفلت الأمني أو عموم مشكلات المرحلة الانتقالية وقراراتها التي تحاصر الناس، وهذا ما جعل كثيراً من المشجعين يفضلون مشاهدة المباريات من المنزل كطريقة أكثر أمناً وأقل كلفة. وفي كل ذلك تصبح كأس العالم مرآة توضح طبيعة التغييرات في حياة السوريين ومن خلالها يمكن الاستدلال واستنتاج طبيعة يومياتهم ومخاوفهم.

في المقابل، يشرح المشجع همام برزاي من حماه أنه ليس عليهم قطع مسافات لحضور المباريات، فقط اختيار أقرب مقهى، ويكمل "نتجمع ونشاهد المباريات في المقهى وطبعاً لا وجود للنساء بالمطلق، معظم المقاهي فارغة، ونحن لن نشاهد سوى المباريات المهمة جداً لأن الكلفة صارت مرهقة للغاية".

أما بالنسبة إلى المشجع هشام النوري في حمص فقد اتخذ قراره بالمشاهدة من المنزل، ويعلل قراره بقوله "أصوات رصاص واغتيالات ومشكلات بالجملة في المدينة، وتوقيت المباريات في ساعات متقدمة من الليل، وإن كنت في أمان لا تعرف بأي لحظة قد يأتيك أحد ليحاسبك على النرجيلة التي في يدك، أو أن تحصل مشاجرة لا علاقة لك بها وينتهي الأمر بك في قسم الشرطة، لذلك سأشاهد البطولة كاملة في المنزل مع أسرتي".

الكحول الغائب الأبرز

واحدٌ من أبرز تحولات كأس العالم هذا هو غياب تقديم الكحول بصورة تامة في المقاهي والمطاعم، علماً أن مشروب (البيرة) على وجه الخصوص كان طاغياً، وكانت المشروبات الكحولية هي المفضلة مع أجواء المباريات لدى شريحة واسعة من المشجعين، لكنّ السلطة عموماً منعت تقديمها تماماً.

عاينا في الأقل 14 مطعماً ومقهى خلال فترة عرض المباريات وتمكنا من تسجيل ملاحظات تتعلق بطبيعة المشروبات المقدمة، التي طغت فيها العصائر والمشروبات الساخنة والمشروبات الشعبية، فيما غابت الكحول بالمطلق، ولدى سؤالنا حول إمكان تقديم الكحول لمن يطلبها أجاب أحد العاملين في أحد المقاهي قائلاً "هذا مستحيل، فإما سيسحب ترخيصنا، أو سيجري تكسير محلنا، أو سنتعرض لعقوبات لا تحمد عقباها، وبعض الزبائن فعلياً سألوا عن الكحول، وإن كان بإمكانهم هم الإتيان بها، فواجهناهم بالرفض التام امتثالاً للتعليمات الصارمة في هذا الشأن".

أصحاب عدد من المنشآت أوضحوا خلال حديثهم أن تقديم الكحول كان مهماً بالنسبة إليهم نظراً إلى ارتفاع أرباحها قياساً بغيرها من المشروبات. وفي هذا الصدد يقول عمار ناصر صاحب أحد المطاعم السياحية في دمشق إنهم "كانوا يستوردون قبل مباريات كأس العالم كميات كبيرة من الكحول المتنوعة بين بيرة وويسكي وفودكا وعرق وهو مشروب بلدي وغيرها، وكانوا يحققون منها أرباحاً طائلة، أما الآن فيكتفون بتقديم العصائر الطبيعية، مما يحقق نسب أرباح منخفضة.

وبالنسبة إلى الكحول يرى صاحب إحدى الحانات التي كانت تعرض مباريات في دمشق، أن تقديم المشروبات الكحولية يدفع الزبون إلى الجلوس لما بعد المباراة، وطلب مزيد "الكحول كانت ترفع حماسة التشجيع، الآن تجد المشجع يحتسي القهوة وكأنه في صالون ثقافي، المشهد بحدّ ذاته غريب".

وعلى رغم أن هذا الواقع يسيطر على المدن، فإنه يختلف نسبياً في الأرياف المسيحية على وجه الخصوص. طوني حبيب صاحب أحد المطاعم في منطقة وادي النصارى غرب حمص أكد أنه قدم الكحول لزبائنه من دون أن يتعرض لأي مضايقة أو مساءلة، كذلك أوضح أن "مباراة المغرب بوقتها المتأخر حظيت بنسبة مشاهدة عالية طغى عليها الحضور الأنثوي والعائلي، وكانت كل المشروبات الكحولية متاحة"، ويعيد ذلك إلى أن "المناطق المسيحية الكبرى لا تتعرض لتشديد كما غيرها"، وبأن "الجو القروي والسياحي ونسبة الأمان العالية أتاحتا استمرار الحياة بصورة طبيعية كما كانت دائماً".

التوقيت الأميركي

لم تكن مشكلة هذه النسخة الكروية في نوعية المشروبات المسموح تقديمها فحسب، بل واجهت ما هو أخطر قياساً بالواقع السوري، وهو المباريات التي تعرض قبيل الفجر، وهي ساعات القلق والخوف في سوريا، باعتبار أنه هذه الفترة تنشط فيها عمليات القتل والخطف والاعتداء والسرقة ويغيب فيها الأمان.

في الأحوال الطبيعية، كما كانت الحال في مونديال 2022 حين لم يكن لدى أي سوري مشكلة في مشاهدة أي مباراة في أي توقيت ولو كانت ستبدأ عند الساعة الثالثة فجراً، وإن كان سيتطلب الوصول إلى مكان الحضور قطع حارات كثيرة ومتباعدة. وكانت المقاهي وقتها في كثير منها تفتح 24 ساعة على مدى الأسبوع، وكذلك تمتلئ الشوارع قبل المباريات وبعدها بالسيارات والتشجيع والأجواء الكرنفالية، لكن توقيت كثير من المباريات اليوم لا يناسب الجمهور.

"كوني في دمشق، فإن المشكلات أقل ومن ثم الحركة تكون أكثر منطقية"، يقول أحد المتابعين للمونديال الحالي واسمه جعفر قباني، ويضيف "هناك خوف بسيط، لكننا لسنا في حمص أو دير الزور في النهاية، فنسبة الأمان في العاصمة معقولة، والحركة معقولة نسبياً أيضاً".

وبمعزل عن كأس العالم، فإن معظم المدن السورية بعد سقوط النظام صارت تميل إلى الانكفاء باكراً مما جعل الحركة الليلية تكاد تكون شبه معدومة، ليصبح السؤال الأهم: هل لا يزال السوري مستعداً للمغامرة والتنقل بعد منتصف الليل والعودة فجراً لمشاهدة مباراة؟ وهذا سؤال تختلف إجابته من مدينة لأخرى، ومن بلدة لأخرى.

طغيان ذكوري

وتمكنت "اندبندنت عربية" من لحظ وجود حضور نسائي ولو كان قليلاً نسبياً في طرطوس، وبنسبة مقاربة في دمشق، فيما كاد ينعدم في بقية المحافظات السورية، وعلى رغم أن الحضور النسائي كان جزءاً طبيعياً من المشهد العام على الدوام، فإنه تراجع بصورة واضحة في الأيام الأولى من النسخة الحالية.

العامل الرئيس في الطغيان الذكوري على حساب الحضور الأنثوي ينحصر في عوامل عدة، الأول توقيت عرض المباريات المتأخر، والثاني المخاوف الأمنية، والثالث الخشية العائلية، وهو ما غير تركيبة الحضور المألوف داخل الأماكن التي تعرض المباريات عادة، هذا عدا عن أن مدناً في الأساس لم تكن تعرف شكل الحضور المختلط تاريخياً، فيما كانت هذه الظاهرة تتكرس أكثر في دمشق واللاذقية وطرطوس وحمص والسويداء، وقد تبدو السويداء في هذا الإطار حالا لافتة بانعزالها عن المركز في دمشق، مما أتاح لها أن تنظم لنفسها الشكل الذي تريد به مشاهدة المباريات من دون ضغوط وقيود ومخاوف. وفي سياق اتصالات مع مشجعين هناك أكدوا أن الاختلاط طبيعي، وحتى الكحول موجودة، وكل ما هو ممنوع أو يخشى منه في سوريا لا يواجه عقبات في الجنوب.

سما الحميد شابة من حمص تشجع منتخب الأرجنتين، لم تفوت مباراة واحدة في أي كأس عالم منذ عام 2006، لكنها تحمل حزناً كبيراً في هذه النسخة، وعنها تقول "أنا أتنفس الرياضة، أنفعل، أتحمس، أكاد أصرخ بأعلى صوتي، أرقص على الطاولة حين نفوز، الآن أتابع كأس العالم من منزلي مع صحن فشار وبيرة، وفي حال فكرت في الخروج أعود وأتراجع فوراً عن قراري، علماً أننا في فترات سابقة كنا نحضر مباريات بمواقيت متأخرة جداً ونظلّ نحتفل للصباح".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سوريا المتباينة

حين الحديث عن كأس العالم في سوريا إجمالاً، وبمعزل عن طبيعتها قبل وبعد سقوط نظام، بعيداً من التعميم، لم تكن سوريا يوماً كتلة اجتماعية واحدة تتابع بالطريقة ذاتها، حتى قبل الحرب السورية نفسها، فعلى الدوام كان هناك اختلاف واسع في طريقة الحضور والسهر والمشروبات والاختلاط والتشجيع والاهتمام.

لكن هذه الفروقات ازدادت وضوحاً بصورة لافتة اليوم بفعل الظروف المعقدة والمركبة التي تمر بها سوريا على الصعد السياسية والاجتماعية والأمنية والثقافية والاقتصادية، عدا عما عاشته كل مدينة من ظروفها القاهرة الخاصة، فضلاً عن الجغرافيا.

فمثلاً دمشق تبقى مسيطرة ومهيمنة بحكم حجمها واتساعها وكثافتها السكانية وتنوعها الهائل وقدرتها على استقطاب كمٍّ هائل من المشجعين، وهو ما اتضح من خلال افتتاح المحافظة صالة عرض ضخمة في مدينة المعارض القديمة في محيط دمشق، التي نجحت باستقطاب أعداد كبيرة من الناس في يوم افتتاح كأس العام، ولكن هذا الافتتاح اصطدم سريعاً ببعد المنطقة وصعوبة المواصلات والخلافات التي تعيشها المكونات نفسها بين بعضها بعضاً، وهنا يشير أحد المنظمين إلى أن الحاضرين كانوا من الشريحة الموالية للسلطة وقتها.

في المقابل، تبدو مدن مثل دير الزور والرقة ودرعا وحماه مختلفة تماماً عن دمشق وغيرها، هناك يسود نمط تاريخي من التحفظ، نظراً إلى اختلاف التكوينة الاجتماعية، ومن ثم يمكن الاستنتاج أن سوريا اليوم أمام مونديالات عدة في طريقة عرضها وحضورها وتشجيعها وليست أمام نسخة واحدة وتجربة وطنية جامعة لحدث عالمي.

يقول المتخصص الرياضي عمرو نعمان "كنت في حلب خلال مونديال 2014، وقتها كنا نتابع مباراة البرازيل وألمانيا في مقهى بحي الجميلية، حينها كانت تنهمر القذائف وأسطوانات الغاز المتفجرة على المدينة، لكن الناس ظلت تتابع وتتفاعل وتتحمس، لأن الأمر كان اعتيادياً، ولأن السوريين يعشقون الرياضة، لكن الوضع اليوم اختلف على اعتبار أن الخطر يبدأ من باب منزلك الذي لا تعلم إن كنت ستعود ما أن تغادره، لذلك نرى المقاهي شبه خاوية، ونرى الناس تتابع المباريات من منازلها".

حال خاصة

تبدو مدينة طرطوس الساحلية الأعلى ترشيحاً لتقدم نموذجاً منفرداً وأقرب للثبات قياساً بمدن أخرى قد يقل أو يكثر فيها الحضور تبعاً لظروف موضعية متسارعة التبدل، فطرطوس ما زالت حتى اليوم بعيدة من خط النار ومشكلات البلاد، إضافة إلى كونها الناجية الوحيدة من مجازر الساحل في مارس (آذار) 2025 وأكثر المحافظات أمناً، وقد تكون الوحيدة، في مختلف ساعات الليل والنهار.

وتبعاً للمعاينة المباشرة، يمكن القول إن مقاهي المدينة على كورنيشها الساحلي احتضنت حتى اليوم نسب الحضور الأعلى وإن كان لا يرقى لما كان متوقعاً، ولكن حين يكون الحديث عن مباريات بعد منتصف الليل نشهد حضوراً لافتاً من قبل العائلات والفتيات ليكون مؤشراً إيجابياً يمكن البناء عليه.

تيسير علوش عضو مجلس محافظة سابق يقول "الحديث هنا عن طرطوس ليس من باب التفاضل، فعلياً المدينة ظلت آمنة طوال الحرب الماضية، وكذلك بعد سقوط النظام، لذلك يجب الإقرار بخصوصيتها العامة والحاضنة للجميع وهي تحظى بأمن شبه تام ليل نهار، وغير مكبلة بأعباء الخوف على رغم وجود فصيل أجنبي في قطعة عسكرية ملاصقة لها، لكن الناس لا يرونه ولا يراهم".

مرآة التحولات

تبدو البطولة الحالية نموذجاً عالمياً ممتازاً يمكن من خلاله رصد التحولات التي طرأت على المجتمع السوري بكل أطيافه، بعيداً من الأهداف والانتصارات والمباريات وصخب المشجعين، هناك قصص ترتبط بالمجتمعات نفسها والتغيرات داخلها، ومن هنا يمكن الخروج بنتائج قياس اجتماعي حقيقي بعيداً من البيانات الرسمية والرصد البحثي العابر للحدود بل عبر مقاربة الملف بالمشاهدة المباشرة.

ولعل أهمية هذه البطولة تأتي من كونها أول اختبار للثقة بالأمان تحت وطأة محاكاة الماضي والاشتياق لليالي الأمس، وبحسب الباحث الاجتماعي وسيم ماجد، فإن "كأس العالم حدث عالمي ينعكس على شعوب الأرض باعتبار أن ثقافة كرة قدم هي لغة عالمية، ويمكن معرفة حجم تأثيرها العام بأزمة الأرجنتين بعد استبعاد مارادونا في عام 1994 بسبب المنشطات، واغتيال مدافع كولومبيا أندريس اسكوبار بعد تسببه بتسجيل هدف في مرمى فريقه بمونديال 1994 أيضاً، وآلاف الأمثلة الأخرى عن عمق تأثير الكرة في الشعوب المشاركة وغير المشاركة"، وأضاف "سورياً أيضاً تتأثر مباشرة بأي كأس عالم، لأن أي شعب فقير يتعلق بحبال الفرح مهما كانت آنية أو حتى لا تعنيه ولن تغير شيئاً بحياته، لذا مناسبة كهذه تشحذ الهمم وتعطي طاقة وتكون مناسبة اجتماعية كاملة الأركان في الحال الطبيعية، من مواقع التواصل وحتى الشارع، لكن اليوم للأسف تغير شكل التعاطي مع الحدث التاريخي في سوريا، المجتمع تكوّر على نفسه، الذكورية طغت، مدن نجت وأخرى استسلمت، وفرض على المشجعين نوع المشروب الذي سيحتسونه، وفوق ذلك صار حضور مباريات الليل مغامرة حياتية، بين كأس 2022 و2026 فروق أكبر من أن تحصر، وحياة تغيرت 180 درجة، ليس لأن نظاماً أفضل من نظام، بل لأن نار الرماد عادت لتشتعل أسرع".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير