Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"اختفاء غامض" لكاتب روسي – يهودي يثير التساؤل حول مصير العلاقات

لم يُبلغ عائلته بموعد دخوله إلى نقطة تفتيش الجوازات ولم يتصل بمالك الشقة التي كان استأجرها ولم يصل إلى عسقلان

يحمل الكاتب أرتيوم كيربيتشينوك الجنسيتين الروسية والإسرائيلية (وسائل التواصل)

ملخص

أعلن السفير الروسي لدى تل أبيب أناتولي فيكتوروف أن السفارة وجهت استفساراً رسمياً إلى الجهات الإسرائيلية للتحقق من المعلومات حول احتجاز المؤرخ الروسي أرتيوم كيربيتشينوك.

غادر خلال الأعوام الأربعة التي تلت انطلاق العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا يوم الـ24 من فبراير 2022 ما يقارب 100 ألف مهاجر من روسيا إلى إسرائيل.

زاد الغموض المحيط بمصير الكاتب والمؤرخ الروسي اليهودي المناهض للصهيونية أرتيوم كيربيتشينوك منذ وصوله إلى إسرائيل مطلع هذا الشهر، سحب الضباب المتراكمة فوق العلاقات الروسية - الإسرائيلية، التي تمر بمرحلة اختبار صعبة ومعقدة، بسبب شكوك موسكو بممالأة تل أبيب للغرب الجماعي الذي تتهمه بالسعي إلى إنزال "هزيمة استراتيجية بها وبدورها وبنفوذها".

فمنذ اندلاع الأزمة الأوكرانية، بدأت إسرائيل تنحرف عن شراكتها الاستراتيجية مع روسيا وتتخذ مواقف متأرجحة بصورة متزايدة تجاهها، الأمر الذي جعل العلاقات القوية الناشئة بين البلدين على المحك، وفاقم عدم اليقين في شأن مستقبلها.

مصير مجهول

انقطع الاتصال مع المؤرخ والكاتب الروسي المتحدر في أصول يهودية، أرتيوم كيربيتشينوك، الذي سافر إلى إسرائيل في الثاني من أغسطس (آب) الجاري، لحضور فعالية ثقافية، لكنه اختفى فور وصوله إلى مطار بن غوريون قادماً من يريفان، ببطاقة سفر حدد فيها موعد عودته يوم السبت بتاريخ الثامن من أغسطس.

ووفق مصادر متطابقة بينها موقع "نول أند فويد"، وهو موقع إلكتروني إسرائيلي يساري باللغة الروسية يُغطي شؤون الدخل الإسرائيلي والفصل العنصري والأحداث في فلسطين، لم يُبلغ المؤرخ عائلته بموعد دخوله إلى نقطة تفتيش الجوازات في إسرائيل، ولم يتصل بمالك الشقة التي كان استأجرها ليقيم فيها، ولم يصل إلى عسقلان، حيث كان من المقرر أن يسافر إليها بالحافلة.

أبلغت عائلة هذا الكاتب والمؤرخ المعروف الشرطة في إسرائيل عن فقدانه، كذلك حاولت التواصل مع منظمي الفعالية التي دعي لحضورها في إسرائيل، لكن جميع محاولاتها للكشف عن مصيره باءت بالفشل.

من هو أرتيوم كيربيتشينوك؟

أرتيوم كيربيتشينوك يشغل كرسي كبير الباحثين في مركز البحوث والبرامج التطبيقية في مدينة سان بطرسبورغ الروسية. وقد حصل على درجة البكالوريوس في التاريخ من الجامعة الإسرائيلية في القدس ودرجة الماجستير في الفلسفة. ونال درجة الدكتوراه عن أطروحة له بعنوان "المستوطنات الصربية في أوكرانيا منتصف القرن الثامن عشر"، من الجامعة الإسرائيلية في القدس، حيث عمل أستاذاً زائراً. ودرَّس في معهد شمعون دوبنوف للتاريخ والثقافة اليهودية في مدينة لايبزيغ الألمانية.

عام 2005 عاد إلى روسيا للإقامة الدائمة في مدينته الأم سان بطرسبورغ. وقد كانت له أبحاث ومؤلفات عدة في مكتبة ماياكوفسكي لأبحاث الثقافات الشرقية في سان بطرسبورغ، من بينها كتاب "تاريخ المجتمع الإسرائيلي"، وآخرها كتاب "إسرائيل: الطريق إلى الهاوية" الذي صدر في عام 2024.

أرتيوم كيربيتشينوك يحمل الجنسيتين الروسية والإسرائيلية، هاجر من روسيا إلى إسرائيل عندما كان عمره 16 سنة وخدم في الجيش الإسرائيلي، هو مؤرخ وكاتب وأصبح ناشطاً مناهضاً للصهيونية بعدما كان صهيونياً راسخ العقيدة، قبل أن يصطدم بالواقع العنصري الذي تعيشه إسرائيل، حين خدم في مستودع بإحدى قواعد الجيش الإسرائيلي في شمال قطاع غزة منتصف التسعينيات. وهناك لاحظ واقتنع بأن "المجتمع الإسرائيلي هو مكان يكره فيه الجميع بعضهم بعضاً، لكن كرههم للفلسطينيين وسعيهم إلى اقتلاعهم من أرضهم هو وحده ما يوحدهم".

بعدما عاش في إسرائيل نحو 15 عاماً، قرر في 2005 العودة إلى روسيا للإقامة الدائمة في مدينته سان بطرسبورغ، عقب اكتشافه زيف الديمقراطية في الدولة التي "أنشأها الجيش بالقوة لجمع شتات اليهود فيها"، وقال حينها إنه "من الأسهل عليه أن يكون يهودياً في روسيا على أن يكون روسياً في إسرائيل".

ولم يكتفِ كيربيتشينوك بعبارته الشهيرة هذه، بل أعرب لاحقاً في إحدى المقابلات التلفزيونية عن شعوره بالخجل الشديد من اعتناقه الفكر الصهيوني سابقاً قبل أن يرتد عنه "لأنني كنت يوماً جزءاً من هذا المشروع، وقد دفعتُ ثمن ذلك وسأظل أدفعه. واليوم، نصيحتي للإسرائيليين هي البدء بتعلم اللغة العربية، والتحول تدريجاً ليكونوا فلسطينيين جيدين".

وفي آخر كتاب له "إسرائيل: الطريق إلى الهاوية"، الذي صدر في عام 2024، والمخصص لعرض جذور الصراع العربي - الإسرائيلي في الشرق الأوسط، كشف عن تناقضات المجتمع الإسرائيلي الخفية، الموضوعة في أسس المشروع الصهيوني، والمتمثلة بالتراتبية العنصرية بين اليهود أنفسهم، والتوتر الدائم بين يهود مهاجرين من الشتات وسكان الأرض الأصليين من العرب، واحتلال الأراضي الفلسطينية بالقوة واستيطانها.

ولم يتوانَ كيربيتشينوك في مقالاته والمقابلات الصحفية معه، عن وصف دولة إسرائيل بأنها "مشروع استعماري"، واتهمها بالفصل العنصري والإبادة الجماعية والإرهاب الدولي، وفضح زيف الديمقراطية فيها. وفي خريف 2018، سافر إلى إيران، وأمضى هناك أسبوعين، مما أثار استياء تل أبيب التي باتت ترى أن يشكل تهديداً وجودياً. لذلك لا تستبعد أجهزة الاستخبارات الروسية أن يكون جهاز الأمن الإسرائيلي "الشاباك" قد استدرجه للمشاركة في إحدى فعاليات إسرائيل الثقافية لتصفية حسابه معه. وقد تكون زيارته لإيران ذريعة مناسبة لتوجيه الاتهام إليه، كونه "مواطناً إسرائيلياً يزور دولة عدوة".

كذلك كتب كيربيتشونك في مقال له بعنوان "تاريخ عسقلان"، أنها "قبل احتلالها من قبل الإسرائيليين وتغيير اسمها، كانت مدينة المجدل الفلسطينية"، وأظهر آثاراً باقية من الماضي الفلسطيني.

باختصار، أرتيوم كيربيتشينوك مؤرخ متخصص في الحركة الصهيونية وكاتب، وقد انتقد إسرائيل علناً في مؤلفاته وخطاباته بسبب حربها مع إيران وسياستها تجاه فلسطين. ويشتهر المؤرخ بمواقفه النقدية العلنية من سياسات الحكومة الإسرائيلية، وقد لفتت هذه الانتقادات أنظار أجهزة الأمن الإسرائيلية ووسائل الإعلام إليه، مما زاد من حالة الغموض حول سبب احتجازه حالياً، حيث لم تقدم السلطات الإسرائيلية أي تعليق رسمي على القضية حتى يوم كتابة هذا الموضوع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

دوافع سياسية

أصدقاء وزملاء كيربيتشينكو يؤكدون أن "اضطهاده يحمل دوافع سياسية بحتة".

وأكدت داريا ميتينا، وهي ناشطة إعلامية ونائبة سابقة في مجلس الدوما، أن جهاز الأمن العام الإسرائيلي هو الذي يحتجز كيربيتشينكو ويبقي مصيره غامضاً. وذكرت أن كيربيتشينوك، الذي يحمل الجنسيتين الروسية والإسرائيلية، كان يزور تل أبيب بانتظام. وقد استند في انتقاده للحكومة الإسرائيلية إلى ملاحظاته الشخصية وحدها، مما يضفي على الأمر أهمية خاصة. إضافة إلى ذلك فقد تعاون الباحث أخيراً مع وسائل إعلام ومنظمات عامة في تركيا وإيران.

وقالت "لقد سافر إلى إيران لأعوام عدة وغطى أخبارها، وعقد اجتماعات عامة تناول فيها قضايا البلاد. وكتب عنها على نطاق واسع وبصورة علنية. علاوة على ذلك، بدأ كيبريتشينكو في الأشهر القليلة الماضية فقط بالتعاون مع وكالة أنباء تركية، حيث نشر أعماله أيضاً. وحتى وقت قريب، لم يلحظ أحد هذا الأمر، ولكن مع تصاعد الأحداث في الشرق الأوسط، وتحول إيران من عدو سلبي لإسرائيل إلى عدو نشط لها، وتوتر العلاقات مع تركيا، ربما تكون هي أسباب ردة فعل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية".

كذلك إن صديقه الكاتب أوليغ ياسينسكي مقتنع أيضاً بالطبيعة السياسية للقضية. وقال "من الواضح تماماً أن أرتيوم معارض للحكومة الإسرائيلية، سواء في سياساتها الخارجية أو الداخلية. وقد تحدث وكتب عن ذلك صراحةً دائماً، ولم يخفِه قط. أنا شخصياً مقتنع بأن هذا اضطهاد سياسي لمفكر وكاتب صحافي".

وأشار عالم السياسة أنتوني كيش بدوره إلى أن اعتقال كيربيتشينكو يمكن وصفه، بمعنى ما، بأنه أمر متوقع. وقال "يكفي الاطلاع على كتابات كيربيتشينوك. ففي كتابه ’إسرائيل: الطريق إلى الكارثة‘، على سبيل المثال، يصف الدولة بأنها مشروع استعماري. إضافة إلى أنه أيّد موقف اليهود الحريديم الأرثوذكس القائل إن دولة إسرائيل لا ينبغي أن توجد بشكلها الحالي. لكن ما هو جائز للحريديم، من الواضح أنه غير جائز لمؤرخ علماني يحمل الجنسيتين الروسية والإسرائيلية. يُضاف إلى ذلك انتقاده اللاذع والعلني لتصرفات إسرائيل في غزة. في ظل الظروف الراهنة، حيث تخوض إسرائيل فعلياً حروباً عدة في آنٍ واحدٍ، تكتسب مثل هذه التصريحات دلالة خاصة، إذ يُمكن عدها تهديداً للأمن القومي الإسرائيلي".

ما الذي ينتظر كيربيتشينكو في سجن إسرائيل؟

يتساءل رفاق المفكر والمؤرخ عن مصيره، فوفقاً لميتينا، يكفي بحث بسيط على الإنترنت لفهم الظروف القاسية التي يُحتجز فيها الناس في مراكز احتجاز جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك). فعلى سبيل المثال، أفاد نوعام غيلمان - هوفستاتر، مدير قسم الشؤون العامة في اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل، بأن السجناء هناك يُجوعون، ويُحتجزون في زنازين مكتظة وغير صحية، ويُحرمون من الرعاية الطبية، ويتعرضون للتعذيب.

وأوضحت ميتينا "أن الفلسطينيين يشكلون 98 في المئة من نزلاء مركز الاحتجاز التابع لجهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) ويكاد ينعدم وجود إسرائيليين من أصل يهودي هناك. لذا، يبقى من غير الواضح كيف سيكون التعامل مع كيربيتشينكو. فهم يتبعون نهجاً قاسياً للغاية تجاه الفلسطينيين. من جهة، هو مواطن إسرائيلي وليس فلسطينياً. ومن جهة أخرى، إذا اتُهم بالخيانة أو التجسس، فسيكون من الصعب التنبؤ بكيفية معاملته".

وأعرب ياسينسكي عن أمله في إطلاق سراح كيربيتشينكو قريباً. وقال "أعتقد أنه إذا لم يحدث هذا في المستقبل القريب، فستكون هناك حملة دولية واسعة لدعمه، من قبل العديد من الأشخاص في إسرائيل وروسيا وأوروبا وأميركا الشمالية. لأن أرتيوم ساعد الناس بإخلاص مرات عدة. لدى أرتيوم العديد من الأصدقاء ذوي آراء ومعتقدات متنوعة".

هل ستساعد روسيا كيربيتشينكو؟

يعوّل أصدقاء كيربيتشينكو على مساعدة دبلوماسية من السلطات الروسية لكيربيتشينكو كونه مواطناً روسيا في الأصل. وهم على ثقة تامة بأن وزارة الخارجية الروسية والبعثة الدبلوماسية في إسرائيل ستبذلان قصارى جهدهما لمساعدة المواطن الروسي الذي وجد نفسه في موقف صعب في الخارج.

"آمل بصدق في أن تستخدم السفارة جميع الوسائل المتاحة للتأثير على هذا الوضع. إن اتهام شخص مثل أرتيوم بارتكاب أي جرائم دولة يبدو لي أمر بعيد عن الحقيقة. من الأفضل إطلاق سراح أرتيوم في أسرع وقت ممكن"، هكذا صرّح ياسينسكي.

وصرحت ميتينا، النائب السابق في مجلس الدوما، بأن أرتيوم كيربيتشينوك ليس جاسوساً ولا يملك معلومات سرية، وأن السلطات الإسرائيلية تستغل قضيته لأغراض دعائية. ووفقاً لها، فقد تدخلت روسيا بالفعل في القضية. وهي لا تستبعد أن يكون محتجزاً في مركز تابع لجهاز الأمن الإسرائيلي (الشاباك).

وأعلن السفير الروسي لدى تل أبيب أناتولي فيكتوروف أن السفارة وجهت استفساراً رسمياً إلى الجهات الإسرائيلية للتحقق من المعلومات حول احتجاز المؤرخ الروسي أرتيوم كيربيتشينوك. وقال "نحن نتابع هذه القضية من كثب".

تعقيدات العلاقات الروسية - الإسرائيلية

استعادت إسرائيل العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفياتي في أواخر أيامه عام 1991 بعد قطعها إثر حرب الأيام الستة في عام 1967، وهذه العلاقات المستعادة سمحت بهجرة أكثر من مليون يهودي من دول الاتحاد السوفياتي السابق إلى إسرائيل، وشكلت فاتحة تعاون سياسي حثيث بين موسكو وتل أبيب، تصاعد تدريجياً مع سيطرة شخصيات وقوى يهودية على مفاصل أساسية في الحكم الجديد بعد قيام الاتحاد الروسي. ولم تقف الخلافات القائمة في شأن تسوية الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي عائقاً أمام تطور العلاقات ووصولها إلى نوع من شراكة استراتيجية، عجّلت بقيام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأول زيارة لتل أبيب في 2005.

وتعززت علاقات بوتين بمختلف رؤساء الوزراء الإسرائيليين الذين تعاقبوا على الحكم، لدرجة أنه عقد 15 لقاءً مع بنيامين نتنياهو. ومع بدء الحرب على أوكرانيا في 2022، شهدت روسيا موجة هجرة كبيرة لمعارضي بوتين نحو إسرائيل، بالدرجة الأولى.

ويوم الـ21 من يوليو (تموز) 2022 طلبت وزارة العدل الروسية من المحكمة تصفية منظمة "وكالة سوشنوت اليهودية" المستقلة غير الربحية، المسؤولة عن إعادة المهاجرين إلى إسرائيل. وتعتقد الوزارة أن سوشنوت "انتهكت القانون الروسي" في عملياتها. وأفادت صحيفة "إسرائيل هيومي" آنذاك أن الحكومة الإسرائيلية أمرت بإعداد سلسلة من "الإجراءات السياسية" ضد روسيا في حال إغلاق الوكالة اليهودية لإسرائيل. ووفقاً للسفير الإسرائيلي السابق لدى موسكو تسفي ماجن، فإن لدى السلطات الإسرائيلية خيارات عدة للضغط على روسيا، بما في ذلك الانضمام إلى العقوبات الغربية.

إلا أن هذا الجانب الأخير تحديداً - دعم تل أبيب للتحركات المعادية لروسيا من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي - هو الذي أدى إلى حفيظة موسكو، وتسليطها الضوء على أنشطة المنظمات غير الحكومية الممولة من إسرائيل في روسيا.

في الواقع، في بداية الأزمة الأوكرانية، توقع الكرملين أن تظل إسرائيل شريكة لروسيا وأن تتخذ موقفاً تجاه موسكو يتوافق مع هذا الوضع، على غرار تصرفات شركاء روسيا الآخرين في الشرق الأوسط.

فبعد اندلاع الصراع في أوكرانيا، أعلنت الحكومة الإسرائيلية على الفور دعمها لموقف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تجاه روسيا. وعلى عكس شركاء روسيا الآخرين في الشرق الأوسط، تعهدت إسرائيل، وإن لم تنضم رسمياً إلى العقوبات المفروضة على موسكو، بأنها لن تسمح باستخدام مواردها وأراضيها للالتفاف عليها.

انهيار "التمثيل المفرط"

شهدت الأعوام الأربعة التي تلت انطلاق العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا يوم الـ24 من فبراير (شباط) 2022، زوالاً سريعاً لهيمنة اليهود الروس في شتى مناحي الحياة. وخلال هذه الفترة، غادر ما يقارب 100 ألف مهاجر من روسيا الاتحادية إلى إسرائيل. وقد بلغت موجة الهجرة الجماعية خلال العامين الأولين من الحرب ذروة الأرقام المسجلة في الفترة 1990-1991. حينها، كانت قطيعة مع الاتحاد السوفياتي، أما الآن، فهي قطيعة مع روسيا ما بعد الحقبة السوفياتية.

من الناحية الفنية، لم يُؤدِّ هذا التدفق إلى انخفاضٍ ملحوظٍ في العدد الإجمالي للأشخاص ذوي الأصول اليهودية المتبقين في روسيا. فبحسب وزارة الهجرة الإسرائيلية، لا يزال هناك ما يقارب نصف مليون شخص في روسيا يخضعون لقانون العودة. بل إن بعض المصادر تُشير إلى أرقام أعلى بكثير. لكن هذا مجرد رقم رسمي. على رغم تزامن النزوح الجماعي لليهود في أول عامين من الحرب مع ذروة الأرقام في الفترة 1990-1991.

تراجع العلاقات الثنائية

شهدت علاقات روسيا مع إسرائيل تحولاً كبيراً. فقد تلاشت الروابط الروحية التي روجت لها روسيا، ليس فقط على مستوى الحكومات، بل بين الشعوب أيضاً. فبعد الهجوم على أوكرانيا، لم يُدرج بوتين إسرائيل ضمن قائمة "الدول غير الصديقة"، لكن لم يبقَ إلا القليل من التعاطف الوطني المتبادل. واليوم، يُعد جميع شركاء بوتين وداعميه في الشرق الأوسط أعداءً لإسرائيل.

لقد تغير موقف الرأي العام أيضاً. ينظر المواطن الروسي العادي إلى إسرائيل كإحدى الدول الغربية المعادية لروسيا. وتسيطر الآن مواقف سلبية تجاهها لدى غالبية الشعب الروسي. ففي الحرب الدائرة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أظهر استطلاع رأي أجراه مركز "ليفادا" أن 57 في المئة من الروس غير منحازين لأي طرف، و26 في المئة يتعاطفون مع الفلسطينيين، و6 في المئة فقط يتعاطفون مع الإسرائيليين.

لم يعد هناك أي ودٍّ من الجانب الإسرائيلي أيضاً. ففي استطلاع رأي أجرته مؤسسة "بيو" للأبحاث في الفترة الأخيرة، أفاد 82 في المئة من الإسرائيليين بانعدام ثقتهم بروسيا، مقارنةً بـ15 في المئة فقط. أما الموقف تجاه بوتين فنسبة 87 في المئة يعارضونه مقابل 10 في المئة من المؤيدين. وبات الإسرائيلي العادي لا يميّز بين روسيا ونظامها.

غضب الجيش الروسي

يوم الـ17 من سبتمبر (أيلول) عام 2018 أحدثت واقعة سقوط طائرة عسكرية روسية من طراز "إليوشن-20" فوق الشاطئ السوري، اتخذتها الطائرات الحربية الإسرائيلية ستاراً يحميها من النيران السورية، غضباً في صفوف الجيش الروسي.

واتهم المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية اللواء إيغور كوناشينكوف إسرائيل بتعمدها ذلك، وأكد أن ما جرى "تصرف عدائي وممارسة غير مسؤولة من قبل الطيارين الإسرائيليين، تسببت في مقتل 18 عسكرياً روسياً"، مضيفاً أن بلاده "تحتفظ بحق الرد بالإجراءات المناسبة". وهذا ما حدا ببوتين لإجبار نتنياهو على الانتظار أكثر من ثلاث ساعات قبل أن يستقبله في سوتشي يوم الـ12 من سبتمبر 2019 في لقاء كان الـ15 لهما، والأخير في روسيا. ومنذ ذلك الحين، يمكن القول إن الود أصبح مفقوداً بين بوتين ونتنياهو.

حالياً، وعلى رغم من تجاهل وسائل الإعلام الروسية الرسمية خبر اعتقال أرتيوم كيربيتشينوك في تل أبيب، فإن هذا الخبر ينتشر كالنار في الهشيم على شبكات التواصل الاجتماعي الروسية، لأن كيربيتشينوك يحظى بشعبية واسعة بين الروس. وهذا ما ينذر بإضافة تعقيد جديد على العلاقات الروسية  - الإسرائيلية المعقدة أصلاً، ويضعها أمام اختبار صعب لا يخلو من عواقب وخيمة.

في المقابل، لا تُفيد وسائل الإعلام الإسرائيلية (بما في ذلك بوابات الأخبار Ynet ومواقع قنوات N12 و13 التلفزيونية بوقوع اعتقال رسمي، بل باختفاء غامض في إسرائيل للمؤرخ والكاتب الروسي أرتيم كيربيتشينكو".

وتتحدث تقارير إعلامية إسرائيلية عن وصول كيربيتشينوك إلى تل أبيب في الثاني من أغسطس 2026 لحضور مؤتمر. وبعد وصوله مباشرة، انقطع الاتصال به، ولم يتصل بأحد بعد ذلك.

وتؤكد الصحف الإسرائيلية أن كيربيتشينوك المولود عام 1975 في لينينغراد، عاش في إسرائيل لمدة 15 عاماً تقريباً في الماضي، وخدم في جيش الدفاع الإسرائيلي، وبعد ذلك عاد إلى روسيا.

ويؤكد الصحافيون الإسرائيليون أنه بعد عودته إلى روسيا، أصبح معروفاً بتعليقاته المعادية لإسرائيل والمؤيدة للفلسطينيين بشدة، فضلاً عن انتقاده للصهيونية.

ويصف مسؤولون إسرائيليون ووسائل الإعلام الرئيسة الحادثة حالياً على أنها "اختفاء غامض".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير