Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دبلوماسية الدولار تعبر الأطلسي نحو لندن

بريطانيا أمام اختبار حماية ديمقراطيتها من "العلاقة الخاصة" مع الولايات المتحدة

السفارة الأميركية الجديدة في لندن (غيتي) 

ملخص

منحة أميركية بقيمة نصف مليون دولار موجهة إلى منظمات ومؤسسات في المملكة المتحدة، أشعلت اتهامات بمحاولة واشنطن التدخل في الشأن الداخلي البريطاني تحت عنوان القيم المشتركة. الجدل لا يقتصر على برنامج واحد، بل يمتد إلى خطة أوسع لتمويل مراكز أبحاث محافظة في العواصم الأوروبية، وإلى ضغوط متصاعدة على قوانين الإنترنت والضرائب الرقمية. مؤسسات بحثية بريطانية ترى أن الخطر الآتي من الحليف التقليدي قد يتجاوز في أثره ما تُحدثه موسكو، فيما تنفي السفارة الأميركية أي نية للعبث بالديمقراطية البريطانية.

في الـ21 من يوليو (تموز) الماضي، نشرت السفارة الأميركية لدى لندن إعلاناً عن فرصة تمويل باسم "الحرية في ظل القانون، التقليد الأنغلو - أميركي المشترك"، بسقف قدره 500 ألف دولار وحد أدنى 100 ألف دولار، تنتهي مهلة التقدم إليه في اليوم ذاته من أغسطس (آب) الجاري. ووفقاً لنص الإعلان، فإن المستفيدين المحتملين هم منظمات أميركية غير ربحية وجامعات وائتلافات، إضافة إلى جمعيات خيرية ومؤسسات تعليمية بريطانية تعمل بالشراكة مع جهة أميركية مؤهلة في الأقل.

يربط البرنامج نفسه بمناسبة رمزية هي الذكرى الـ70 لتدشين نصب وثيقة "ماغنا كارتا"، التي وقعها ملك إنجلترا عام 1215 قرب لندن، وتعد أساس مبدأ خضوع الحاكم للقانون. لم تخلق المناسبة إشكالية بقدر المفردات التي جاءت في إعلان البرنامج، إذ تضمن "أن الأولوية ستمنح إلى مبادرات طموحة تربط بين مبادئ تأسيسية، من بينها الحكومة المحدودة وحرية التعبير وفرض الضرائب بالتراضي"، فيما تضمنت أهدافه ترسيخ ما وُصف بأنه "قيم حضارية مشتركة"، وهي عبارة يستخدمها بكثافة تيار "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً".

النائبة عن حزب الديمقراطيين الليبراليين ليزا سمارت، كانت الأعلى صوتاً في الرد على البرنامج الأميركي، إذ عدت أن "ماغنا كارتا" وضعت أصلاً للحد من سلطة الطغاة، وأن بريطانيا لا تحتاج إلى "أموال ماغا التابعة لترمب" كي تتدخل في ديمقراطيتها.

تقول سفارة أميركا لدى لندن إنها أوقفت "إنفاق حقبة بايدن على مشاريع أيديولوجية خلافية" مثل "العدالة المناخية" ونشاط المثليين وسياسات التوظيف القائمة على العرق، فيما نقلت صحيفة "الغارديان" عن مسؤول سابق في وزارة الخارجية الأميركية أن تخصيص تمويل لموضوعات ترتبط برؤية ضيقة لشعار "أميركا أولاً" أمر غير معتاد إلى حد بعيد، متهماً الإدارة الحالية بالسعي إلى صناعة روايات ذات منشأ بريطاني تخدم دعاية "ماغا". ويشير الإعلان نفسه إلى أن المنحة لا تدعم مشاريع تتصل بنشاط سياسي حزبي أو ضغطاً لمصلحة تشريعات بعينها.

الجدل حول شروط التمويل الأميركي ليس وليد هذا الصيف. ففي فبراير (شباط) 2025، أعلنت الجمعية البريطانية للدراسات الأميركية إلغاء برنامج منحها الصغيرة الممول من السفارة الأميركية، بعدما خيرتها الأخيرة بين حذف أي معايير أو أهداف تتعلق بالمساواة والتنوع والشمول، أو إنهاء المنحة، فاختارت اللجنة التنفيذية الإلغاء الفوري تمسكاً بمبادئها. الحادثة كشفت مبكراً أن الاشتراطات الأيديولوجية باتت جزءاً من المعادلة، وأن المؤسسات البريطانية المستفيدة قد تجد نفسها أمام خيار بين المال والاستقلالية.

المنحة المثيرة للجدل تبدو حلقة في سلسلة أطول. ففي فبراير الماضي، كشفت صحيفة "فايننشال تايمز" أن وزارة الخارجية الأميركية تعد لتمويل مراكز أبحاث وجمعيات خيرية متوافقة مع تيار "ماغا" في أوروبا والمملكة المتحدة، على أن تتركز المشاريع في لندن وباريس وبرلين وبروكسل، وتربط باحتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة. وبحسب التقرير ذاته، ناقشت المسؤولة الأميركية سارة روجرز إنشاء صندوق لترويج "القيم الأميركية" مع شخصيات قيادية في حزب "ريفورم" بزعامة نايجل فاراج، فيما وصف أحد كبار الحزب المبادرة بأنها صندوق غير رسمي لمشاريع على النمط الأميركي المحافظ، وهو توصيف رفضته الوزارة معتبرة البرنامج استخداماً شفافاً وقانونياً للموارد.

وقد زارت روجرز لندن وعواصم أوروبية عدة في ديسمبر (كانون الأول) 2025، والتقت مراكز أبحاث يمينية وشخصيات محورية داخل حزب "ريفورم"، ثم كررت زيارات مماثلة في فبراير الماضي. وخلال وجودها في بريطانيا استضافها معهد "الازدهار"، "ليغاتوم" سابقاً، في إحدى الفعاليات. ورصدت التقارير إطلاق مركز أبحاث جديد مرتبط بالحزب باسم "مركز من أجل بريطانيا أفضل"، أسسه جيمس أور الصديق المقرب من نائب الرئيس الأميركي، ويسعى إلى جمع ملايين من داعمي ترمب.

ما يمنح هذه الاتهامات ثقلاً إضافياً أن الوثيقة الأميركية الرسمية لا تخفي التوجه. فاستراتيجية الأمن القومي الأميركية الصادرة في ديسمبر 2025 تتضمن، وفق "المعهد الملكي للخدمات المتحدة"، فصلاً بعنوان "تعزيز عظمة أوروبا" يحذر مما يسميه "المحو الحضاري" في القارة، ويعزوه جزئياً إلى الرقابة على حرية التعبير وقمع المعارضة السياسية، ويعلن أن واشنطن تعتزم الدفاع عن "الديمقراطية الحقيقية عبر تنمية مقاومة لمسار أوروبا الحالي". ويخلص باحثو المعهد إلى أن ما نشأ عن هذا التحول هو تهديد جدي بتدخل أجنبي من حليف تقليدي، قادر على أن يفوق التهديد الروسي حجماً وفاعلية.

ولا تقتصر الأدوات الأميركية على المنح. ففي أغسطس 2025 خلص تقرير حقوق الإنسان السنوي للخارجية الأميركية إلى أن وضع حقوق الإنسان في المملكة المتحدة تدهور خلال عام 2024، وأن هناك تقارير موثوقة عن قيود جدية على حرية التعبير، مع تركيز خاص على قانون "سلامة الإنترنت" وصلاحيات هيئة "أوفكوم". ولاحظت شبكة "سي أن أن" أن قائمة المآخذ على بريطانيا جاءت أطول بكثير من نظيراتها في دول مثل فرنسا وألمانيا، فيما اكتفت حكومة لندن بالتأكيد أن حرية التعبير حيوية للديمقراطية وأن بريطانيا فخورة بصون الحريات مع حماية مواطنيها.

 

ثمة أدوات أكثر خشونة. ففي مايو (أيار) 2025 أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو سياسة جديدة لتقييد التأشيرات تطاول المسؤولين الأجانب المتورطين في الرقابة على الأميركيين، معتبراً أنه من غير المقبول أن يطالب مسؤولون أجانب المنصات الأميركية باعتماد سياسات عالمية لضبط المحتوى تتجاوز صلاحياتهم إلى داخل الولايات المتحدة. وفي ديسمبر 2025 وضعت واشنطن هذه السياسة موضع التنفيذ بحق خمسة أوروبيين، بينهم المفوض الأوروبي السابق تييري بروتون والرئيس التنفيذي لمركز مواجهة الكراهية الرقمية عمران أحمد والرئيسة التنفيذية لمؤشر التضليل العالمي كلير ميلفورد.

البعد الاقتصادي حاضر بقوة أيضاً. ففي ديسمبر 2025 جمدت واشنطن اتفاق "الازدهار التكنولوجي" مع لندن، البالغة قيمته نحو 31 مليار جنيه استرليني، بعدما رفضت حكومة "العمال" التراجع عن ضريبة الخدمات الرقمية، وهي ضريبة بنسبة اثنين في المئة على إيرادات كبرى شركات التكنولوجيا في بريطانيا وتدر نحو 800 مليون جنيه سنوياً على خزانة الدولة. وفي أبريل (نيسان) الماضي هدد الرئيس الأميركي بفرض رسوم جمركية على بريطانيا ما لم تلغ هذه الضريبة، قائلاً إن واشنطن سترد بإجراء مماثل أو أكبر. ونقلت صحيفة "اندبندنت" عن مصدر في واشنطن اختصاره للمعادلة بعبارة "لا حرية تعبير، لا اتفاق"، مشيرة إلى أن الجانب الأميركي يريد أيضاً تعديل قوانين خطاب الكراهية وقواعد السلامة الرقمية.

الأثر الأكثر إثارة للحساسية جاء عبر الانخراط المباشر مع شخصيات بريطانية مثيرة للجدل. ففي فبراير الماضي أنهى الناشط اليميني المتطرف تومي روبنسون جولة داخل مقر وزارة الخارجية الأميركية بعد لقائه أحد كبار مستشاري روبيو. ورأى النائب كالوم ميلر أن استضافة الإدارة الأميركية له يجب أن تكون جرس إنذار، وأن على حكومة لندن إدراج الولايات المتحدة ضمن تحقيقها في التدخل الأجنبي بالسياسة البريطانية. أما رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم إيميلي ثورنبيري فقالت إن الرجل يجري الترويج له في واشنطن بوصفه محارباً من أجل حرية التعبير، وثمة حاجة لإفهام الإدارة الأميركية الفارق بين ذلك وبين التحريض على العنف والكراهية العرقية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا يمكن فصل المسار عن دور رجال التكنولوجيا. فقد ظهر مالك منصة "إكس" الملياردير الأميركي إيلون ماسك عبر اتصال مصور في تجمع مناهض للهجرة في لندن خلال سبتمبر 2025، داعياً الحضور إلى "تغيير حكومي ثوري" داخل المملكة المتحدة، في تجمع نظمه روبنسون نفسه. وكانت تقارير قد تحدثت أواخر عام 2024 عن نية ماسك التبرع بـ100 مليون دولار لحزب "ريفورم" عقب لقاء جمعه بفاراج وأمين صندوق الحزب نيك كاندي في منزل ترمب بولاية فلوريدا، قبل أن ينفى ذلك لاحقاً.

بين الاتهام والدليل مسافة يجب أن يقر بها أي تقييم مُنصف. فتمويل الحكومات الأجنبية لمراكز الأبحاث ليس مخالفاً للقانون وليس حالة غير مسبوقة. ويلاحظ "المعهد الملكي" أن أميركا مولت منذ حقبة ما بعد الحرب طيفاً واسعاً من المشاريع والمؤسسات لترويج المثل الديمقراطية حول العالم، وأن ما يجري اليوم هو إعادة توظيف لدليل "القوة الناعمة" ذاته في اتجاه أيديولوجي مختلف. ويضيف أن الإشكال ليس في سعي الدول والشركات إلى الترويج لمصالحها في الخارج، بل في دخول تمويل أجنبي إلى المنظومات السياسية المحلية من دون إفصاح أو رقابة تنظيمية.

تقع فاعلية هذه الأدوات أيضاً في موضع الشك. فبحسب استطلاعات "يوغوف" مطلع العام الحالي ينظر 81 في المئة من البريطانيين إلى الرئيس الأميركي نظرة سلبية، فيما بلغت نسبة النظرة السلبية إلى ماسك 71 في المئة. ولهذا يخلص الباحثون إلى أن التدخلات الممولة أميركياً قد لا تتحقق بالكامل، بل قد تأتي بنتائج عكسية، إذ إن أي ارتباط علني بين حزب أو مركز أبحاث بريطاني وتيار "ماغا" يُرجح أن يكون غير محبب لدى الرأي العام. غير أنهم يحذرون من الاتكال على الناخب وحده بوصفه خط الدفاع الوحيد.

 

الاستجابة الرسمية سلكت طريقاً تشريعياً لا دبلوماسياً. ففي ديسمبر 2025، كلف وزير الإسكان والمجتمعات والحكم المحلي ستيف ريد المسؤول السابق فيليب رايكروفت بقيادة مراجعة مستقلة للنفوذ والتدخل المالي الأجنبي في السياسة البريطانية، على خلفية إدانة النائب الأوروبي السابق ناثان غيل بالرشوة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 وقضايا أخرى كشفت عن هشاشة النظام السياسي والانتخابي.

نُشر التقرير في الـ25 من مارس الماضي، وجاء فيه بحسب ما نقل عنه أن البلاد تواجه مشكلة مستمرة تتمثل في سعي مصالح أجنبية إلى التأثير في سياستها والتدخل فيها، وأن كثيراً من ذلك خبيث ويستهدف زرع الشك وتعميق الانقسامات بهدف تقويض الثقة بالديمقراطية. ووصف الوزير النتائج بأنها صارخة.

ويوصي "المعهد الملكي" بحزمة إجراءات تشمل قصر التبرعات الحزبية على الناخبين المقيمين دافعي الضرائب، وفرض سقف سنوي للتبرعات ولو بحدود مليون جنيه، وتفعيل نظام تسجيل النفوذ الأجنبي وإلزام مراكز الأبحاث بالإفصاح عن مصادر تمويلها. لكنه يقر في الوقت ذاته بأن لندن قد تتردد في مواجهة واشنطن مباشرة في هذا الملف، خصوصاً أن التمويل يقدم ضمن احتفالات الذكرى الـ250 للاستقلال الأميركي.

خلاصة المشهد أن ملف المنح لن يفجر أزمة دبلوماسية بحد ذاته، فحجمه المالي متواضع وشروطه المعلنة تستبعد النشاط الحزبي. لكن قيمته تكمن في كونه العرض المرئي لتحول أعمق في تعريف واشنطن لعلاقتها بلندن، من شراكة قائمة على المصالح الأمنية إلى علاقة تتضمن مشروعاً أيديولوجياً صريحاً تجاه الداخل البريطاني. وحين يجتمع هذا المشروع مع أدوات ضغط تجارية وتنظيمية، تتحول "العلاقة الخاصة" من رصيد سياسي لحكومة لندن إلى عبء يتعين تبريره أمام ناخبين لا يبدون تعاطفاً يذكر مع الطرف الآخر.

لعل الرقم الأكثر دلالة على حجم التآكل هو ما ورد في سياق دراسة لمعهد "بلومزبري" للاستخبارات والأمن، إذ لم يعد سوى 17 في المئة من البريطانيين يعدون الولايات المتحدة أقرب حليف لبلادهم، فيما باتت غالبية ترى العلاقة مع الاتحاد الأوروبي أهم من العلاقة مع واشنطن. ومع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية في نوفمبر الماضي وتصدر حزب "ريفورم" استطلاعات الرأي البريطانية، فإن السؤال المطروح لم يعد ما إذا كانت واشنطن تحاول التأثير في الداخل البريطاني، بل ما إذا كانت لندن تملك أدوات قانونية وسياسية كافية للرد من دون أن تخسر ما تبقى من علاقتها الأكثر أهمية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير