Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مشروع الملكية العقارية في الأردن... إشاعات ومخاوف وطمأنة

جدل برلماني يحاصر التعديلات الجديدة وتحذيرات من تغير خريطة التملك والرواية الرسمية تصطدم بهواجس الشارع

مجلس النواب الأردني خلال مناقشته مشروع القانون (مواقع التواصل)

ملخص

ما بين طموحات الحكومة لرقمنة الخدمات وجذب الاستثمارات، ومخاوف الشارع من ثغرات قد تمس حماية الأمن العقاري، يبقى مشروع قانون الملكية العقارية اختباراً حقيقياً لمحاولة الحكومة الأردنية تحقيق التوازن عبر صرامة التطبيق الميداني والقبضة التنفيذية والأمنية في منح الموافقات وضبط البيع الاستثماري.

تحول مشروع تعديل قانون الملكية العقارية في الأردن إلى قضية رأي عام وجدل عميق بين طرفين: الأول حكومي يرى فيه قانوناً تنظيمياً يمكن أن يكون شريان حياة للاستثمار الوطني، وطرف آخر من نواب وخبراء ومواطنين يحذرون من ثغرات تشريعية قد تمس السيادة العقارية وتفتح الباب لتسريب الأراضي الاستراتيجية تحت مظلة التسهيلات الاستثمارية.

وشهدت أروقة مجلس النواب الأردني والأوساط الاقتصادية والقانونية حالاً من السجال الحاد حول حزمة التعديلات المنظمة لـلقانون، ففي وقت تصنّف الحكومة هذه التعديلات كـخطوة تحديثية بيئية شجاعة لتشجيع الاستثمار ومعالجة التشوهات، يرى فريق آخر أن بعض النصوص التسهيلية قد تفتح ثغرات غير محسوبة.

تعديلات جوهرية

وبعد جلسات صاخبة عدة تحت قبة البرلمان، أقر القانون المثير للجدل بتعديلات جوهرية تهدف إلى معالجة التحديات الإجرائية والتشريعية التي تواجه القطاع منذ عام 2019 وفق ما تقول الحكومة الأردنية.

وشملت أبرز التعديلات تخفيض نسبة الموافقة المطلوبة لإزالة الشيوع وقسمة الأبنية من الإجماع إلى موافقة 75 في المئة من الشركاء، إلى جانب نقل صلاحية البت في الخلافات المادية للجان مختصة لتقليص أمد التقاضي، واستحداث إطار تنظيمي للبيع على المخطط بضمانات بنكية لحماية المشترين، فضلاً عن ضبط تملك غير الأردنيين خارج التنظيم باشتراط موافقة وزارة الداخلية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وألزمت التعديلات دائرة الأراضي والمساحة باعتماد المعاملات والتبليغات الإلكترونية والتوقيع والدفع الرقمي بدلاً من المعاملات الورقية والنشر الصحافي، مما يقلل الكلف والوقت. كما نص القانون على إنشاء وحدة متخصصة لدراسة مؤشرات السوق العقاري والحد من التشوهات السعرية.

وفي ملف الاستملاك والأموال العامة، وضع القانون ضوابط لحماية حقوق المواطنين والخزينة معاً، إذ ألزم الجهات الحكومية والبلديات دفع التعويضات خلال مدة أقصاها خمس سنوات من تاريخ الاستملاك لمنع حجز العقارات. وحدد معايير جديدة لتقدير التعويض العادل عبر إضافة 20 في المئة للقيمة الإدارية المعتمدة.

مخاوف ومحاذير

لكن هذه التعديلات واجهت مصدات نيابية وحقوقية تحت القبة البرلمانية، إذ تتركز الخشية الرئيسة حول التسهيلات الممنوحة لتملك غير الأردنيين والأحكام المتعلقة بنقل أراضي الخزينة إلى الصناديق السيادية والشركات التنموية.

ويعبر قانونيون عن توجسهم من رفع السقوف المساحية المسموح بتملكها لغير الأردنيين خارج التنظيم إلى 10 دونمات للسكن وحتى 200 دونم للمشاريع الاستثمارية، ويخشون أن يؤدي ذلك على المدى البعيد إلى تآكل الرقعة الزراعية في مناطق حيوية كالأغوار وجرش وعجلون.

على الجهة المقابلة، يرى القطاع العقاري والتجاري في التعديلات ضرورة ملحة فرضتها الأرقام والواقع الاقتصادي. ويقول عاملون في  قطاع الإنشاءات والتطوير العقاري إن السوق العقارية عانت لسنوات من تعطيل مئات الملايين من الدنانير بسبب فيتو الأقلية في قضايا إزالة الشيوع التي كانت تتطلب إجماع 100 في المئة من المالكين، وتخفيض هذه النسبة إلى 75 في المئة في المباني سيعيد إحياء عقارات مجمدة ويحفز الاستثمار المحلي والأجنبي على حد سواء.

بدورها تؤكد دائرة الأراضي والمساحة أن القانون يحيط عملية التملك بصمامات أمان حازمة. فالنصوص التشريعية تشترط الحصول على موافقة خطية مسبقة من وزير الداخلية بالتنسيق مع الجهات الأمنية لكل معاملة تملك لغير الأردنيين، فضلاً عن بقاء الحظر المطلق على تملك غير الأردنيين في الشريط الحدودي والمناطق الأثرية والمحميات الطبيعية.

سكك الحديد متهمة

بموازاة ذلك أبدت كتلة حزب الأمة في مجلس النواب، وهي الكتلة الممثلة للإسلاميين، موقفاً معارضاً لمشروع القانون المعدل لقانون الملكية العقارية، وأكد نوابها رفضهم التشريع بواقعه الحالي معتبرين أن بعض بنوده تمس الحقوق الدستورية المتعلقة بحماية الملكية الخاصة وتضر بمصالح المواطنين والمزارعين.

وتركز اعتراض الكتلة بصورة أساسية على آلية التعويض والاستملاك، إذ أعلنت عدم تصويتها لمصلحة التعديل الذي أتاح استملاك ربع مساحة العقار مجاناً لصالح مشاريع سكك الحديد عبر إدراجها ضمن تعريف "الطريق"، مؤكدين أن السكك الحديد تقطع الأراضي وتخفض قيمتها على عكس الطرق العامة، مما يجعل مصادرة جزء منها من دون تعويض مالي إجحافاً بحق المالكين.

وحذرت الكتلة خلال المناقشات النيابية من خطر التوسع في مفهوم "النفع العام" لنزع الملكيات الخاصة لمصلحة شركات أو مستثمرين من القطاع الخاص.

هواجس التغيير 

وشهدت منصات التواصل الاجتماعي في الأردن موجة عارمة من الجدل والانتقادات المحتدمة بالتزامن مع مناقشة وإقرار التعديلات الأخيرة على قانون الملكية العقارية، إذ ذهب قطاع من المغردين والناشطين بعيداً في طرحهم وفسروا التعديلات بلغة عالية السقف، وصلت إلى حد اتهام التشريع بأنه تسهيل للتوطين أو ممر لتسريب الأراضي.

وتداولت منشورات ومقاطع فيديو تحذيرات شديدة اللهجة تزعم أن رفع المساحات المسموح بتملكها لغير الأردنيين خارج حدود التنظيم (لتصل إلى 10 دونمات للسكن وحتى 200 دونم للمشاريع) سيتيح لـواجهات استثمارية أو شركات متعددة الجنسيات الشراء السري للأراضي الحساسة في الأغوار، والشراة، والمناطق الحدودية. واعتبر أصحاب هذا الطرح أن فتح المجال أمام الشركات قد يكون غطاء ناعماً لتغيير ديموغرافية الملكية العقارية في المملكة.

وردت الحكومة عبر وزير الشؤون السياسية والبرلمانية عبدالمنعم العودات، ووزير الإدارة المحلية وليد المصري، بتوضيحات حازمة لنفي هذه الاتهامات ووصفاها بـالإشاعات والتأويلات القائمة على عدم قراءة النص القانوني. وأكدت الحكومة أن تملك أي أجنبي لأي أرض، مهما بلغت مساحتها، لا يزال مشروطاً ومقيداً بموافقة خطية مسبقة من وزارة الداخلية بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية.

وشدد المسؤولون على أن القانون الأصلي يمنع منعاً باتاً تملك غير الأردنيين في الشريط الحدودي، والمناطق الأثرية، والمحميات الطبيعية، والأراضي ذات البعد العسكري والأمني، وأن التعديلات الجديدة لم تمس هذا الحظر بجهد أو استثناء.

شريان مالي جديد

إلى جانب السجالات السياسية والقانونية، يقف البعد المالي والتحصيل الضريبي كأحد أكثر المحاور مفصلية في التعديلات الجديدة، إذ تُظهر البيانات الرسمية لـدائرة الأراضي والمساحة أن حجم التداول في السوق العقاري الأردني بلغ نحو 7 مليارات دينار أردني سنوياً (9.87 مليار دولار)، غير أن ما يقارب 1.5 إلى 2 مليار دينار من الأصول العقارية كانت تظل مجمدة سنوياً أو معطلة عن التداول بسبب بطء إجراءات التخمين وقضايا الشيوع المعقدة.

وتقول الحكومة إنها تستهدف من التعديلات الجديدة رفع الإيرادات المباشرة للخزينة من بيوع العقار ورسوم التسجيل بنسبة تقدر بـ12 إلى 15 في المئة خلال العامين القادمين.

 وما بين طموحات الحكومة لرقمنة الخدمات وجذب الاستثمارات، ومخاوف الشارع من ثغرات قد تمس حماية الأمن العقاري، يبقى مشروع قانون الملكية العقارية اختباراً حقيقياً لمحاولة الحكومة الأردنية تحقيق التوازن عبر صرامة التطبيق الميداني والقبضة التنفيذية والأمنية في منح الموافقات وضبط البيع الاستثماري.

المزيد من العالم العربي