ملخص
أن يكون "جيل زد" الأكثر وعياً وجرأة في المطالبة بحقوقه النفسية والمهنية لا ينفي مجابهته لأزمة هيكلية عميقة، إذ تكشف البيانات عن تناقض حاد بين شعوره بالتفوق الأخلاقي والمعرفي وبين تعثره الواقعي في مجالات التركيز والانخراط الوظيفي. ويعمل هذا التفوق الرمزي كآلية دفاع نفسية للهرب من ضغوط اقتصادية وعزلة اجتماعية حادة عززها الاتكال الرقمي وظاهرة "التفريغ المعرفي". وتظل هذه الفجوة بين الأنا المضخمة والواقع الهش في حاجة إلى جسور من التوازن الفكري والامتنان لجهود الأجيال السابقة.
كل جيل يظن أنه الوحيد الذي فهم العالم، ويمارس التعالي على من تبعه كما يُمارس عليه.
كنت في إحدى محاضراتي لطلاب كلية الإعلام، أتحدث عن الترند ودوره في التسويق الحديث، حين اخترت مثالاً طازجاً لأشرح كيف تنتقل عبارة عابرة من أغنية أميركية إلى ظاهرة عالمية، ترند "سكس سڤن" (6 7) العبثي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، "عفواً على استخدام العبارة الأشهر لوصف المتنبي"، هذا الترند الذي ابتلع عقول "جيل ألفا" خلال صيف 2025، حتى إن "غوغل" نفسه، حين تكتب العبارة في خانة البحث، تهتز صفحته استجابة لحركة اليد التي يؤديها الأطفال وهم ينطقونها. والترند هذا لا يحمل معنى ثابتاً، لكن أصله يرجع إلى مقطع من أغنية "Doot Doot 6 7" للمغني الأميركي سكريلا في عام 2024، امتزج بمقاطع لاعب كرة السلة الأميركي لاميلو بول الذي يبلغ طوله ستة أقدام وسبع بوصات 6’ 7" أي 201 سنتيمتر، ليتحول رقمان عاديان إلى عبارة تتردد في كل ساحة مدرسة من أميركا إلى العالم، ويضطر معها معلمون فعليون إلى حظرها في صفوفهم أو معاقبة من يرددها بطرق مختلفة منها كتابة مقالة من 67 كلمة بالضبط.
وكان رد فعل الطلاب استنكاراً حول ما سموه الترند البشع والسخيف، معتبرين أنه لا داعي لسماع مزيد عنه، لأنه مستفز وفارغ وسخيف. وجاءت التعليقات بعدها في موجة منسجمة، الجيل القادم فارغ ودلوع ومقتنع أنه مهم، لكنه في الواقع سمج ومدعٍ.
توقفت لحظة وأنا أراقب طلابي، أبناء "جيل زد" أنفسهم، وقلت لهم إن كل ما ذكرتموه عن "جيل ألفا" في الواقع، هذه بالضبط هي نظرة جيلنا إلى جيلكم أنتم أيضاً. فساد صمت قصير مشوب بالدهشة، ثم بالاستنكار، وأصر معظمهم أنهم "أفضل بكثير" من الصورة التي رسمتها، في مشهد طريف كشف، بأقل الكلف الممكنة، جوهر ما ستقرأونه في السطور المقبلة.
المتلازمة الجديدة
يحدث أن يجلس شخص في العشرينيات من عمره أمام شاشته، يشاهد مقطعاً قصيراً يسخر فيه من جيل الآباء الذي عمل في حياته في وظيفة واحدة لا يحبها، ثم يغلق الهاتف وهو موقن تماماً أنه هو من فهم الحياة أخيراً على حقيقتها. هذا المشهد المتكرر ملايين المرات يومياً على شاشات العالم، يختصر لغزاً نفسياً واجتماعياً بدأ الباحثون يتناولونه بجدية. وهو كيف يشعر جيل بأكمله، على رغم أنه الأكثر قلقاً وعزلة وهشاشة نفسية في تاريخ الأجيال الحديثة بحسب البيانات، بأنه الأكثر وعياً وتفوقاً وجاهزية لتغيير العالم؟ هذه المفارقة ليست عابرة وقد يمكن تسميتها "متلازمة" تستحق أن تفكك وتفهم، كونها تحمل في تفاصيلها صراعاً بين صورة ذاتية مضخمة وواقع يومي مُثقل بالانكسارات، وبينهما مسافة تتسع كل يوم أكثر.
"التفوق" آلية دفاع
بالطبع ليس جديداً على علم النفس الاجتماعي أن كل جيل يرى نفسه أذكى وأكثر تحرراً من الأجيال السابقة، فهي نزعة إنسانية قديمة تعرف في الأدبيات المعرفية بـ"التفوق الوهمي"، إذ يميل معظم الأفراد إلى تصنيف أنفسهم فوق المتوسط في كل ما يخص الذكاء والأخلاق والوعي، بصرف النظر عن أي مقياس موضوعي. أي إنه رأيهم الخاص والجماعي في آنٍ، كونهم ربما شهدوا تطوراً معيناً لم يفهمه أهلهم بعمق مثلاً. لكن ما يميز "جيل زد" أن هذه النزعة الطبيعية اجتمعت للمرة الأولى في التاريخ مع بيئة رقمية تمنح كل فرد منصة دائمة لعرض نسخته الأفضل من ذاته التي يختارها بعناية ويعرضها وقد يجملها أيضاً، ليأتي تيار لا ينقطع من التأكيد الاجتماعي الفوري عبر الإعجابات والمشاركات ليغذي هذه الصورة المفترضة.
وفي جامعة سان دييغو الحكومية قدمت أستاذة علم النفس المتخصصة في الفروق الجيلية، جين تونجي، من خلال سلسلة دراسات امتدت لعقدين أدلة إحصائية على أن الأجيال الأصغر تظهر تراجعاً في نظرتها المتواضعة للذات مقابل ارتفاع ملحوظ في السمات النرجسية، استناداً إلى قياسات متكررة لمقياس الشخصية النرجسية بين طلاب الجامعات الأميركيين امتدت من مطلع الثمانينيات حتى نهاية العقد الأول من الألفية. وتخلص في مراجعة شاملة لخمس مجموعات بيانات مستقلة، إلى أن الأجيال الأحدث تنزع إلى تقييم أدائها المتوقع وقيمتها الذاتية ورضاها عن نفسها بصورة أكثر إيجابية من الأجيال التي سبقتها، وهو ما تصفه بتحول ثقافي من "جيل نحن" إلى "جيل أنا".
فحين يكون الواقع الخارجي مثقلاً بعدم اليقين، اقتصادياً ووظيفياً ووجودياً، يصبح الشعور الداخلي بالتفوق الأخلاقي والمعرفي بمثابة درع دفاعي، إذ يعد الشخص مثلاً إنه على رغم عدم امتلاكه بيتاً أو استقراراً وظيفياً، فإنه يظن أنه يملك وعياً لم يملكه والده. هذه المعادلة التي تبدو مطمئنة على السطح، تخفي تحتها أزمة أعمق تتجلى في الهرب من مواجهة الفشل الهيكلي الواقعي عبر التخدير الوهمي بالتفوق الرمزي، إذ يستبدل العجز عن تحقيق الإنجاز المادي بتضخيم الأنا والمعرفة كبديل. وتتحول هذه المحاكمة الجيلية إلى آلية دفاعية تعفي الفرد من مراجعة ذاته أو التعامل مع واقع لم يمتلك أدوات تغييره، فيظل أسير شعور زائف بالرفعة لا يغير من واقع أزمته شيئاً.
تقارير للإنصاف
في استطلاع "ديلويت العالمي" السنوي حول "جيل زد" وجيل الألفية لعام 2024، يقول 86 في المئة من أفراد "جيل زد" إن الشعور بالمعنى في العمل شرط أساس لرضاهم الوظيفي، ويعلن 44 في المئة منهم استعدادهم الفعلي لرفض عرض عمل من مؤسسة لا تتوافق قيمها مع قناعاتهم الأخلاقية. وهذا ليس ترفاً جيلياً كما يصور أحياناً، إنه في الواقع جرأة وإعادة تفاوض جذرية حول العلاقة بين الموظف ورب العمل، بعدما شهد هذا الجيل جيل والديه يفني حياته في وظائف استقرت رواتبها بينما تضخمت كلف السكن والتعليم من حوله.
وتكشف بيانات شركة "راندستاد" العالمية للتوظيف، في تقريرها لعام 2025 الذي استند إلى مسح شمل أكثر من 11 ألف عامل في 15 دولة، أن متوسط بقاء أفراد "جيل زد" في وظيفتهم الأولى لا يتجاوز عاماً وشهراً واحداً، مقابل عام وثمانية أشهر لجيل الألفية، وأكثر من عامين وثمانية أشهر لـ"جيل أكس".
لكن التقرير يرفض تفسير هذا الرقم بوصفه "تسكعاً وظيفياً"، ويصفه بدلاً من ذلك بأنه "بحث دؤوب عن النمو"، إذ يبدو أن هذا الجيل ينتقل بين الوظائف بحثاً عن مهارات وفرص جديدة، وليس هرباً من الالتزام كما يُشاع عادة. ويعزز مسح المصلحة المهنية للطلاب المتفوقين (NSHSS) هذا الطرح، إذ يصف 65 في المئة من أفراد الجيل أنفسهم بأنهم "شديدو الحماسة للتعلم"، فيما تشير بيانات "ديلويت" لعام 2025 إلى أن أكثر من نصفهم يستخدمون بالفعل أدوات الذكاء الاصطناعي في حل مشكلات العمل اليومية، متقدمين بذلك عملياً على أجيال سبقتهم في تبني التكنولوجيا الجديدة.
هذا الجيل أيضاً هو الأكثر إصراراً على أن تكون الثقة عملة التفاوض الأولى مع أصحاب العمل ليأتي بعدها الراتب، إذ يفيد 45 في المئة منهم، وفق دراسة "حال جيل زد" لعام 2025 الصادرة عن مؤسسة أبحاث الشباب (CGK)، بأنهم مستعدون للتنازل عن 10 في المئة من رواتبهم مقابل العمل تحت إدارة يثقون بها ثقة كاملة، ويفضل 37 في المئة منهم العمل من بعد على التأمين الصحي. ولا تبدو هذه الأرقام أنها تصف جيلاً كسولاً أو سطحياً. ويمكن القول إنه جيل يعيد كتابة معادلة القيمة في سوق العمل بمعايير مختلفة جذرياً عما عرفته الأجيال السابقة.
ولا تبتعد هذه التحولات من الواقع العربي، فلقد كشف "استطلاع رأي الشباب العربي" في نسخته الـ15 الصادرة عام 2023 عن مؤسسة "أصداء بي سي دبليو" (ASDA’A BCW)، والذي شمل 3600 شاب وشابة في 18 دولة عربية، أن نحو 54 في المئة من الشباب العربي يشعرون بأن الفرص الاقتصادية والوظائف المتاحة لجيلهم أصبحت أكثر صعوبة وتعقيداً، مقارنة بما كانت عليه أيام آبائهم.
وفي وقت يبدي فيه 81 في المئة منهم قلقهم تجاه كلف المعيشة والبطالة، يتجه 42 في المئة منهم نحو خيار ريادة الأعمال أو العمل الحر (Freelancing)، متطلعين لاستقلالية مهنية تعيد تعريف النجاح خارج أروقة المؤسسات التقليدية.
حين يصطدم الوعي بالواقع
لكن عندما يصطدم هذا الطموح العالي بسوق عمل لا يزال يعمل وفق منطق قديم، ينتج من ذلك انكسار حاد لديهم. فبيانات مؤسسة "غالوب" لعام 2024 حول حال مكان العمل في العالم تضع مستوى الانخراط الوظيفي لـ"جيل زد" عند 35 في المئة فحسب، وهو أدنى معدل بين الأجيال العاملة كلها، مقارنة بـ42 في المئة لـ"جيل الألفية" و48 في المئة لـ"جيل إكس". فالفجوة بين ما يتوقعه هذا الجيل من العمل وما يقدمه له الواقع الفعلي هي السبب المباشر وراء ما يشبه خيبة أمل جماعية حين تصطدم المثالية بجدار البيروقراطية المؤسسية، بحسب تحليل نشرته مجلة "فوربس" عام 2025.
ومن الطبيعي أن تنعكس هذه الفجوة مباشرة على الصحة النفسية. فوفق مسح "ديلويت" نفسه لعام 2024، يقول 40 في المئة من أفراد "جيل زد" العاملين إنهم يشعرون بالتوتر طوال الوقت أو معظمه، ويربط 36 في المئة منهم هذا التوتر مباشرة بوظيفتهم، بينما لا يصف سوى 51 في المئة منهم صحته النفسية بأنها جيدة أو ممتازة، مقابل 62 في المئة لدى "جيل الألفية" و68 في المئة لدى "جيل أكس".
فالجيل الذي يقول عن نفسه إنه الأكثر وعياً بأهمية الصحة النفسية، والأكثر جرأة على تسميتها والحديث عنها علناً، هو نفسه الجيل الذي يعانيها بأعلى المعدلات المسجلة. ويرى باحثون في مراجعة نشرتها دورية "أم آي تي سلون" لإدارة الأعمال، الشرق الأوسط، في عام 2026 أن جزءاً من هذا التناقض ناتج من "الانحياز السلبي"، وهو ميل نفسي معروف يجعل البشر يمنحون التجارب السلبية وزناً أكبر من الإيجابية، وقد ضاعفت منصات التواصل الاجتماعي من قوة هذا الانحياز، إذ تشير الدراسة نفسها إلى أن 70 في المئة من "جيل زد" في الولايات المتحدة يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي مصدراً أساساً للنصيحة المهنية، وهي بيئة تكافئ خوارزمياً السرديات المتطرفة، سواء عن التفوق أو عن الأذى، أكثر مما تكافئ السرديات المتوازنة.
تراجع الذكاء عندما تغيب الأدوات
ولكن الجدل لا يقف عند حدود الصحة النفسية، ويمتد إلى سؤال أكثر إثارة للقلق إن كان هذا الجيل يفكر بقدرة أقل من أجيال سبقته. فطوال القرن الـ20، وثق عالم النفس النيوزيلندي جيمس فلين ما يُعرف بـ"تأثير فلين"، وهو ارتفاع مطرد في معدلات الذكاء العام بلغ نحو ثلاث نقاط خلال كل عقد في عشرات الدول، عزته الأدبيات العلمية إلى تحسن التغذية والتعليم والرعاية الصحية على مدى أجيال متعاقبة. غير أن هذا المنحنى الصاعد توقف عند مواليد منتصف السبعينيات، إذ خلصت دراسة نرويجية واسعة أجراها الباحثان برنت براتسبرغ وأولا روغيبرغ من مركز "راغنار فريش" للأبحاث الاقتصادية، استناداً إلى نتائج اختبارات ذكاء لـ730 ألف مجند نرويجي، إلى أن "تأثير فلين" بدأ ينعكس فعلياً مع الأجيال اللاحقة، وأن هذا الانعكاس، لظهوره حتى بين الإخوة من العائلة الواحدة المولودين في أعوام متقاربة، أرجح تفسيراً بيئياً وليس وراثياً للظاهرة.
وقد أكدت دراسة أجرتها جامعة "نورث وسترن" الأميركية على عينة تضم 400 ألف شخص بين عامي 2006 و2018، ونشرت في دورية "إنتليجنس" (Intelligence) العلمية، أن التراجع طال ثلاثة من أصل أربعة مجالات معرفية رئيسة في الولايات المتحدة، هي الاستدلال اللفظي كالمفردات والمنطق، والاستدلال البصري كحل المصفوفات والمتتاليات، والاستدلال الحسابي، وأن الفئة العمرية الأكثر تضرراً كانت تحديداً الشباب بين الـ18 والـ22، أي الفئة الأكثر استخداماً للهواتف الذكية.
ولكن تجدر الإشارة إلى أن مراجعات علمية أحدث، من بينها دراسة نشرتها دورية "إنتليجنس" في عام 2025 أعادت فحص بيانات المجندين النرويجيين، تدعو إلى الحذر من الجزم بأن التراجع يعكس ذكاءً عاماً أدنى بالفعل، مرجحة أن جزءاً من التغير قد يعود إلى اختلاف بعض الاختبارات الفرعية والتحولات في المناهج التعليمية نفسها، وليس إلى ضعف حقيقي في القدرات الذهنية الكامنة.
أما الرابط بين هذا التراجع والاعتماد الرقمي فتشرحه أدبيات علم النفس المعرفي عبر مفهوم "التفريغ المعرفي" Cognitive Offloading، وهو ميل العقل إلى الاتكال على أدوات خارجية، من محرك بحث إلى مساعد ذكاء اصطناعي، لأداء مهام كانت الذاكرة والتفكير النقدي يقومان بها سابقاً، بما يمنح إحساساً وهمياً بالمعرفة يتآكل فور غياب تلك الأدوات. وهذا بالضبط جوهر التناقض الذي يواجهه "جيل زد"، وهو شعور يومي بامتلاك معرفة فورية وشاملة بفضل هاتف في جيبه، بينما تشير الأدلة العلمية إلى أن المهارات الذهنية التي يفترض أن تبنى عليها هذه المعرفة، من التركيز العميق إلى حل المشكلات دون مساعدة رقمية، هي بالذات ما يتراجع. فالتفوق المعرفي الذي يشعر به هذا الجيل قد لا يكون سوى الوجه الآخر لتفوق أدواته الرقمية وليس لتفوق عقله هو.
البحث عن معنى
تختلف أحلام "جيل زد" عن غيرهم، فهم لا يصبون لامتلاك سيارة فخمة أو نيل منصب رفيع، وجل ما يهمهم أن يعملوا في مكان يشبههم، تحت قيادة تثق بهم كما يثقون بها، وأن يملكوا وقتاً لحياتهم الشخصية لا يبتلعه العمل بالكامل، بعكس الأجيال التي كرست أو ربما خسرت وأفنت حياتها إرضاءً للعمل.
ويلخص تقرير "ديلويت" العالمي لعام 2025 هذا التحول بثلاث كلمات هي الإرشاد والمعنى والأمان المالي، بوصفها الركائز الثلاث التي يبني عليها هذا الجيل تصوره لمهنة ناجحة، بعيداً من مقاييس النجاح التقليدية التي حكمت الأجيال السابقة واستنزفتها ربما.
ولكن هذا الحلم ليس بريئاً من التناقض بالطبع، فالجيل نفسه الذي يطالب بمرونة العمل من بعد ويهدد بالاستقالة إن غابت عنه، هو الذي يعاني أعلى معدلات الوحدة المسجلة تاريخياً، وكأن الحلم بالحرية الفردية يصطدم في حاجة إنسانية أعمق للانتماء الجماعي الذي توفره بيئة العمل التقليدية على رغم كل قسوتها. وهنا يظهر حلم آخر لكنه أقل تصريحاً على رغم حضوره بقوة في الأدبيات النفسية الحديثة، وهو الحلم بجماعة حقيقية، وليس فقط شبكة رقمية من "الأصدقاء" الذين لا يلتقيهم أحد فعلياً.
وباء الوحدة الصامت
إذا كان الوعي الزائف بالتفوق هو الواجهة، فإن الوحدة هي الكابوس الذي يختبئ خلفها. فبحسب تقرير "مجموعة سيغنا" الأميركية للتأمين الصحي لعام 2025، يسجل "جيل زد" أعلى معدلات الشعور بالوحدة بين كل الفئات العمرية المدروسة، متقدماً حتى على "جيل الألفية" القريب منه في المعاناة. وتذهب دراسات أخرى إلى أرقام أكثر قسوة، إذ يشير مسح لمؤسسة هارفرد للتربية العليا إلى أن 61 في المئة ممن تراوح أعمارهم ما بين 18 و25 سنة يعيشون شعوراً عميقاً بالوحدة، بينما يفيد استطلاع "غالوب" لعام 2025 بأن واحداً من كل أربعة شبان أميركيين يشعر بالوحدة يومياً بمعدل يفوق أي فئة عمرية أخرى.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هذه الأرقام دفعت منظمة الصحة العالمية إلى الاعتراف رسمياً بالوحدة المزمنة أزمة صحة عامة عالمية، بعدما حذر الجراح العام الأميركي الدكتور فيفيك مورتي من أن الوحدة المزمنة ترفع أخطار الوفاة المبكرة إلى مستوى يقارب أثر تدخين 15 سيجارة يومياً. والمفارقة الموجعة أن الجيل الأكثر اتصالاً رقمياً في التاريخ الإنساني يعيش في الوقت نفسه أكثر عزلة عاطفية سجلتها أي دراسة سابقة، إذ يقر 61 في المئة منهم، بحسب تقارير متخصصة في رصد ظاهرة الوحدة الجيلية لعام 2025، بأنهم لا يملكون تفاعلات اجتماعية ذات معنى كافية، فيما يصف 40 في المئة صداقاتهم بأنها سطحية على رغم كثرة المتابعين والأصدقاء الافتراضيين.
وهو ما يؤكده البعد العربي أيضاً، إذ أشارت دراسة مسحية حول "الصحة النفسية والاتصال الرقمي لدى الشباب في الشرق الأوسط"، نشرها مركز دبي للإدارة الحكومية عام 2024، إلى أن 62 في المئة من أفراد "جيل زد" في المنطقة يقضون ما يتجاوز أربع ساعات يومياً على المنصات الرقمية. وعلى رغم ارتفاع وعي هذا الجيل بمصطلحات الصحة النفسية وقدرته على تشخيص ضغوطه علناً، فإن نحو 48 في المئة منهم يعانون عزلة عاطفية وتوتراً ناتجاً من "التناقض الثقافي" إذ يصطدم الوعي الرقمي المفتوح ببيئات عمل وأسر لا تزال محكومة بتوقعات تقليدية، مما يدفعهم إلى اللجوء إلى المنصات الافتراضية كدرع دفاعي لانتزاع اعتراف بالذات يتعذر تحقيقه على أرض الواقع.
وإلى جانب الوحدة، يقف كابوس اقتصادي أكثر واقعية، من أعباء الديون الطلابية وأسعار السكن التي تجاوزت قدرة الرواتب على مجاراتها، وسوق عمل تتقلص فيها عدد الوظائف المخصصة لحديثي التخرج مع تصاعد استخدام الذكاء الاصطناعي في المهام التي كانت تعد تقليدياً بوابة الدخول إلى الحياة المهنية. هذا الجمع بين ضغط اقتصادي حقيقي وشعور داخلي متضخم بالتفوق الأخلاقي والمعرفي هو بالضبط ما يصنع "متلازمة جيل زد"، صوت داخلي يعد نفسه هو الأفضل، وصوت خارجي أكثر هدوءاً وأكثر صدقاً يهمس بالوحدة والتعب وعدم اليقين إن كان سيستطيع تحمل كلفة حياته.
حين يبقى الأهل في الخلف
وسط كل هذا الحديث النظري عن "الوعي المتفوق"، جاء مشهد بصري بسيط، لا علاقة له بالإحصاء ولا الأكاديميا، ليختصر المسافة بين الجيلين بصورة لا تحتمل التأويل. فمنذ أواخر سبتمبر (أيلول) 2025، اجتاح منصة "تيك توك" تحدٍ يحمل عنوان "تقدم خطوة" (Step Forward)، يقف فيه أحد الوالدين إلى جانب أبنائه في صف واحد، وتطرح عليهم أسئلة متتالية عن امتيازات الطفولة، مثل من كان له غرفة خاصة به وهو صغير، يتقدم خطوة، ومن امتلك ألعاباً كثيرة قبل سن 10، يتقدم خطوة أخرى، وصولاً إلى سؤال أكثر قسوة عمن اضطر للعمل في سن مبكرة لمساعدة عائلته أو عرف الحرمان قبل أن يعرف اسمه. مع كل سؤال يخطو الأبناء إلى الأمام، بينما يبقى الأب أو الأم في مكانهما، إلى أن تنكشف في نهاية التحدي، أمام الكاميرا مباشرة، المسافة الفعلية الفاصلة بين صف تقدم كله إلى الأمام وصف بقي بأكمله في نقطة الصفر، أو تقدم في أسئلة التجارب القاسية والمجحفة.
ما جعل هذا الترند يتحول من مقطع عابر إلى ظاهرة اجتماعية هو أثره العاطفي الفوري، فكثير من الأبناء الذين شاركوا فيه انهاروا باكين وهم يلتفتون خلفهم ليروا المسافة التي قطعوها فوق أكتاف آباء لم يحصلوا على شيء مما نالوه.
ويرى متخصصون في الصحة النفسية، من بينهم استشاريون نفسيون استشيروا في تغطيات إعلامية عربية لهذا الترند خريف 2025، أن قيمته الحقيقية لا تكمن في فضح الفجوة المادية بين جيلين فحسب، إنما في كونه يعلم الأبناء درساً في الامتنان يصعب إيصاله بالكلام وحده.
فالجيل نفسه الذي يشعر، في خطابه اليومي وعلى شاشته الصغيرة، بتفوق معرفي وأخلاقي على من سبقه، هو الجيل الذي ينهار حين يواجه بصورة واحدة تختصر حجم التضحية التي مهدت له هذا الشعور بالتفوق أصلاً. والخطوات التي يتقدمها الابن إلى الأمام لم تكن يوماً خطواته هو وحده ولا جهده، هذه الخطوات اقتطعت من عمر أب أو أم بقي كل منهما واقفاً في مكانه كي يمنح أولاده الأرضية التي ينطلق منها اليوم. وربما يكون هذا هو التناقض الأدق في متلازمة "جيل زد" كلها، أنه الجيل الأكثر قدرة على تسمية امتيازه والبكاء عليه في اللحظة نفسها التي يظن فيها أنه تجاوز من صنع له هذا الامتياز.
في النهاية ليس الهدف من عرض هذه التناقضات إصدار حكم قيمي على جيل بأكمله، فكل جيل اتهم من سابقيه بالغرور والكسل، ونظر بدوره إلى من قبله بشيء من التعالي. لكن ما يستحق التوقف عنده في حالة "جيل زد" هو حجم المسافة بين الخطاب الداخلي والواقع المعاش. فربما لا يكون هذا الشعور بالتفوق سوى آلية دفاع نفسي بالغة الإنسانية وطريقة لتحمل عبء عالم غير مستقر اقتصادياً ووظيفياً وعاطفياً، فحين يكون الواقع مؤلماً بما يكفي، يصبح الشعور بالتفوق، ولو موهوماً، آخر خط دفاع متبق.