ملخص
أصبح الذكاء الاصطناعي في الأعوام الأخيرة، يلعب دوراً مهماً في مجال الصحة الإنجابية، وعُلّقت عليه الآمال على اعتبار أنه قد يسهم في زيادة فرص الإنجاب ومكافحة مشكلات العقم الشائعة في عصرنا هذا.
أحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في مجال الصحة الإنجابية، خصوصاً في الأعوام الأخيرة حيث سجل تطوراً بارزاً. ومن الواضح أنه أسهم بالتطور في علاجات العقم والتقنيات المساعدة على الإنجاب حتى بلغ مرحلة أسهم بها في إنجاب أطفال عبر تقنية الإخصاب الاصطناعي التي تعتمد بالكامل على الذكاء الاصطناعي في إنجاز علمي غير مسبوق. في هذه المرحلة، أصبح الذكاء الاصطناعي يُستخدم حتى في اختيار الأجنة ضمن عمليات التلقيح الصناعي، وإن كانت هذه من المسائل المثيرة للجدل. وإذ بالتقارير التي تركز على التطور الذي حققه عالم الذكاء الاصطناعي في مجال الصحة الإنجابية، تشيد بالقدرة على تعزيز فرص الإنجاب إلى حد كبير عبر الاعتماد عليه في مواجهة مشكلات العقم.
للذكاء الاصطناعي حدود
بدا التطور الذي شهده عالم الطب في مجال الصحة الإنجابية سريعاً بصورة لافتة في الأعوام الأخيرة. فلو عدنا أعواماً إلى الوراء، لشهدنا التحوّل الذي حصل في هذا المجال من مجرد تطبيقات بسيطة تساعد على تسجيل البيانات وأخرى تتبع الدورة الشهرية، بلغنا المرحلة التي أصبح فيها دور الذكاء الاصطناعي بارزاً ضمن التقنيات المعقدة الداعمة للتقنيات المساعدة على الإنجاب وانتقاء الحيوانات المنوية بدقة فائقة، مع إمكانية تقييم حركتها وحيويتها، وتشخيص تشوهات الأجنة، والاختيار الأفضل للأجنة، والتنبؤ بمضاعفات الحمل. هذا، إلى جانب أنه بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي يمكن تحديد التوقيت المناسب لحقن الهرمونات وجرعاتها بهدف تنشيط المبايض بدقة بما يتناسب مع جسم المرأة.
حتى أن الثورة في علاجات العقم والتقنيات المساعدة على الإنجاب تبدو واعدة وتعطي أملاً لكثر ممن يواجهون تحديات في الإنجاب عبر الثورة التي يحققها، خصوصاً أنها أسهمت في تقليص عدد محاولات التلقيح الفاشلة مما يخفف من الأعباء النفسية والمادية على الأزواج. إلا أن الآمال التي تعلّق على هذه التطورات تقابلها الاعتبارات الأخلاقية والمخاوف من تخطي الحدود والمعايير مع خضوع هذا المجال الإنساني إلى المعايير الآلية.
عن كل ما يقال عن المرحلة التي بلغها الذكاء الاصطناعي في مجال الصحة الإنجابية وفي مواجهة مشكلات العقم، أكدت المتخصصة في أمراض العقم وعمليات أطفال الأنابيب، الدكتورة غنى غزيري، أن "للذكاء الاصطناعي بالفعل دوراً مهماً في مجال الصحة الإنجابية، لكن ثمة مبالغة في تقويم إسهامه بمواجهة مشكلات العقم وبتعزيز فرص الإنجاب. فصحيح أن للذكاء الاصطناعي دوراً مهماً في الإنجاب لجهة جمع البيانات لآلاف المرضى بما يسمح بالتوصل إلى تطبيق البروتوكول الأفضل بحسب كل حالة على هذا الأساس. وقد يساعد على اختيار العلاج الأفضل والأنسب للحالة والتوقيت المناسب في حالات التلقيح الصناعي ولدى اعتماد التقنيات المساعدة على الإنجاب". فالاعتماد عليه، على حد قولها، "له دور مهم اليوم في تحديد التقنيات الفضلى والبروتوكولات العلاجية الأنسب لكل حالة بالاستناد إلى تحليل البيانات بدقة فائقة. إلا أن هذا لا يعني أن كل ما يقال عن الإنجازات التي يمكن تحقيقها بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الصحة الإنجابية دقيق وواقعي. فللذكاء الاصطناعي حدود في ما يمكن تحقيقه في الطب عامةً، وفي مجال الصحة الإنجابية بصورة خاصة". وأضافت، "ليس كل ما يقال عن قدرة الذكاء الاصطناعي في تأمين فرص الإنجاب بالمطلق صحيح. فعلى رغم التطور في هذا المجال، ثمة حدود لا يمكن تخطيها، ومنها أنه لا يمكن للذكاء الاصطناعي تغيير نوعية البويضة ولا جودة الحيوانات المنوية، بعكس ما يقال. وهناك واقع بيولوجي لا يمكن التدخل فيه وهذا ما يجب أن يكون واضحاً للكل".
آمال تعلّق على الذكاء الاصطناعي ولكن...
في الفترة الأخيرة، يعلق كثر آمالاً على التطور المهم الذي كان من الممكن تحقيقه مع "تقنية التصوير المتقطع" Time-Lapse Imaging في الصحة الإنجابية، وهي عبارة عن نظام متطور يعتمد داخل المختبرات الخاصة بأطفال الأنابيب يلتقط صوراً متتالية ومستمرة للأجنة داخل الحاضنة بما يسمح بمراقبة انقسام الخلايا وتطورها على مدار الساعة من دون خروج الأجنة من البيئة المستقرة، مما يسمح للأطباء بالقيام بالاختيار الأفضل. تسمح هذه المراقبة المستمرة بتتبع الجنين ونموّه من اللحظات الأولى بعد التخصيب، بما يتيح تقييماً أدق بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي.
وتوضح غزيري أيضاً أنه "ثمة مبالغة أيضاً في ما يحكى عن هذه التقنية التي تسمح بتتبع سرعة نمو الأجنة والمقارنة بينها لاختيار الأسرع نمواً من خلال الكاميرا التي توضع في الحاضنة. فتجرى عملية التقليح الصناعي عندها بالاستناد إلى هذا المعيار مع اختيار الأجنة الأسرع نمواً فيها. لكن في الواقع، ما لا يعرفه الكل أن هذه التقنية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي لا تغيّر في فرص الحمل ولا في نوعية الأجنة". وتشرح غزيري أنها "تقنية تساعد ولكنها لا تضمن حصول الحمل بنسبة 100 في المئة، ويجب عدم إعطاء آمال زائفة للناس في هذا المجال. فتبقى فرص الحمل مرتبطة بعوامل كثيرة منها عمر المرأة والعوامل البيولوجية التي ترتبط بالرجل والمرأة وهذا ما لا يمكن تغييره بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي. لذا، يسمح هذا التطور المهم بالفعل في اختيار الأفضل لكنه لا يسمح بالتحكم بجودة البويضات أو عددها".
وتضيف، "أما مَن تستفيد بصورة خاصة منها، فهي المرأة التي لها العدد الأكبر من الأجنة والبويضات، فيما لن تستفيد منها مَن لها عدد محدود من البويضات. قد تزيد هذه التقنية من فرص الحمل لكن لها حدود لا يمكن تخطيها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لا تنكر غزيري أن "الذكاء الاصطناعي يلعب دوراً مهماً في مجال الصحة الإنجابية، لكن لتأثيره حدود. ومن العوامل الأساسية التي تضع حدوداً: حالة الزوجين النفسية، ونوعية البويضات، وجودة الحيوانات المنوية. لذلك، تؤكد دراسات كثيرة حول الذكاء الاصطناعي وتأثيره في مجال الصحة الإنجابية أن فرص الحمل لا تزيد بنسبة عالية لدى الاعتماد عليه، وهي لا تتخطى نسبة 10 في المئة، وإن كان يساعد على اختيار البروتوكولات الفضلى واختيار الوقت الأنسب لعملية التلقيح الصناعي وإعادة الأجنة أو سحب البويضات". لذلك، تعتبر غزيري أنه "في أحيان كثيرة قد يكفي الجلوس مع المرأة والاستماع إليها فيكون الذكاء العاطفي أهم بكثير من الذكاء الاصطناعي وأثره". لكنها في الوقت نفسه لا تلوم "الأزواج الذين يعلقون آمالاً كثيراً على عالم الذكاء الاصطناعي والفرص التي يمنحها لهم وعلى أي فسحة أمل يجدونها في مكان ما. لكن ما ينساه كثر أن عوامل كثيرة تلعب دوراً في تقليص فرص الإنجاب وهذا ما لا يمكن للذكاء الاصطناعي التدخل فيه عندما تكون هناك عوامل تعوق حصول الحمل. فثمة عوامل كثيرة تؤثر سلباً في القدرة على الإنجاب وتفسّر ما يشهده العالم من تراجع في القدرة على الإنجاب ومشكلات العقم. حتى أن منظمة الصحة العالمية أعلنت أن معدلات من يواجهون مشكلات في الإنجاب بلغت معدل شخص من ستة وهو رقم كبير يدعو للقلق ويؤكد على حجم الكارثة".
وعددت الطبيبة بعض العوامل التي تؤثر سلباً في القدرة على الإنجاب ومن أبرزها:
- التعرض المستمر والزائد للتلوث
- تأخير سن الإنجاب سواء لدى الرجل أو لدى المرأة. إذ كشفت الدراسات الحديثة أن عمر المرأة ليس وحده العائق في عملية الإنجاب، بل إن عمر الرجل يؤثر أيضاً مع تراجع جودة الحيوانات المنوية مع التقدم بالعمر. وهذا ما يؤثر أيضاً في فرص حصول حمل.
- جائحة كورونا
- التدخين
- التغير المناخي
-نمط الحياة غير الصحي
- زيادة الوزن
- تعاطي المخدرات
- الإفراط في استهلاك الكحول
هذه العوامل كلها تؤثر في القدرة على الإنجاب لدى الزوجين، ولا يمكن للذكاء الاصطناعي تغيير هذا الأثر الذي تتركه في الجسم وفي الصحة الإنجابية عندها.