ملخص
طوت بريطانيا في أبريل الماضي واحدة من أقدم صفحات نظامها السياسي، بعدما فقد اللوردات الوراثيون حقهم في التشريع والتصويت داخل الغرفة الثانية للبرلمان. القانون الذي أقره حزب العمال بعد نحو عام ونصف العام من المداولات يمثل الخطوة الأولى في مشروع إصلاحي أوسع يشمل سن تقاعد إلزامية وشرط حضور فعلي للأعضاء، لكن التسوية التي منحت 26 لورداً وراثياً ألقاباً مدى الحياة أثارت اتهامات بالمحاباة، وأعادت النقاش إلى سؤال أعمق يتعلق بشرعية مجلس غير منتخب.
حين رفعت جلسات البرلمان البريطاني في الـ29 من أبريل (نيسان) 2026، لم تكن نهاية دورة تشريعية عادية، بل إسدال الستار على امتياز يعود إلى قرون. فقد دخل حيز التنفيذ قانون (الوراثة بين اللوردات) لعام 2026، ليصبح المجلس الأعلى مؤلفاً حصراً من أعضاء عينوا مدى الحياة ومن رجال دين أنغليكان. وبذلك أنجزت حكومة حزب العمال أول تعهداتها الدستورية منذ وصولها إلى السلطة في يوليو (تموز) 2024.
تعود أصول مجلس اللوردات في صورته الحديثة إلى مجالس القرن الـ11 التي كان الملوك الأنغلوساكسونيون يستشيرونها، ويحضرها رجال الدين وكبار الملاك ووزراء الملك، وكانت تجتمع غالباً في قاعة وستمنستر التي شيدت بين عامي 1097 و1099. وبحلول القرن الـ13 اصطدم الملك هنري الثالث بمعارضة نبلائه، فجاءت أحكام أكسفورد عام 1258 لتفرض مجلساً بارونياً دائماً يجتمع بانتظام.
في عام 1295 دعي ما عرف بالبرلمان النموذجي بحضور ممثلين عن رجال الدين والنبلاء وعامة السكان من المقاطعات والبلدات، فأرسى البنية العامة للبرلمان البريطاني كما يعرف اليوم، وإن ظل انعقاده مرهوناً بدعوة الملك. ثم بدأ الفرسان وممثلو البلدات في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الـ14، في عهد إدوارد الثالث، بالاجتماع والتداول منفصلين عن اللوردات الروحيين والزمنيين، وهي اللحظة التي انفصلت فيها الغرفتان عملياً.
اللحظة التي تحول فيها الاستدعاء الفردي للمجلس إلى حق موروث جاءت لاحقاً وبالتدريج. فحتى القرن الثالث عشر كان استدعاء البارون إلى مجلس الملك لا يضمن استدعاء ورثته إلى البرلمانات التالية، غير أنه صار عرفاً بحلول عهد إدوارد الثالث أن يُستدعى الخلف تلقائياً، وهنا برزت البارونية بوصفها كرامة وراثية تشكل جزءاً رسمياً من طبقة النبالة. وقانونياً، يكفي أن يتلقى الشخص أمر الاستدعاء ثم يشغل مقعده فعلياً في المجلس حتى تنشأ بارونية موروثة لا رجعة فيها.
عضوية المجلس ليست انتخابية. فأعضاؤه يعينهم الملك بناءً على مشورة رئيس الوزراء، وتستكمل الإجراءات بإعداد وثيقتين قانونيتين هما براءة اللقب وأمر الاستدعاء. وتتولى لجنة تعيينات مجلس اللوردات، المنشأة في مايو 2000، ترشيح شخصين في الأقل سنوياً كأعضاء مستقلين غير حزبيين، وفحص سائر الترشيحات من حيث النزاهة، بما فيها ترشيحات الأحزاب وقوائم التكريم الصادرة عند استقالة رؤساء الوزراء أو حل البرلمان. غير أن رئيس الوزراء غير ملزم قانوناً باتباع توصيات اللجنة.
وإلى جانب المعينين مدى الحياة، تخصص ستة وعشرون مقعداً لكبار أساقفة كنيسة إنجلترا، خمسة منها تلقائية لرئيسي أساقفة كانتربري ويورك وأساقفة لندن ودورهام ووينشستر، بينما تذهب المقاعد الواحد والعشرون الباقية إلى الأساقفة الأطول خدمة، ويحتفظ هؤلاء بمقاعدهم ما داموا في مناصبهم الكنسية. وكثيراً ما يمنح هؤلاء ألقاباً مدى الحياة بعد تقاعدهم الكنسي.
والألقاب الوراثية فتنتقل بالتوريث العائلي وفق قاعدة أفضلية الذكور. وقد لفتت النائبة المحافظة هارييت بالدوين إلى أن مبدأ البكورية الذكورية جعل ثمن مقاعد المجلس حكراً على الرجال، واصفة ذلك بآخر معاقل التمييز الدستوري بين الجنسين، وسعت إلى تعديل القانون ليتمكن البنات من وراثة ألقاب النبالة. وكان جميع اللوردات الوراثيين الذين شغلوا مقاعدهم حتى المراحل الأخيرة من تشريع 2026 من الرجال.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حدود التشريع
قدمت حكومة كير ستارمر مشروع القانون في سبتمبر (أيلول) 2024 تنفيذاً لتعهد انتخابي بإنهاء حق توريث الكرسي في مجلس اللوردات، ونال النص الموافقة الملكية في الـ18 من مارس (آذار) 2026، ليفقد ورثة اللوردات حقهم في الجلوس على مقاعد الغرفة الحمراء للبرلمان البريطاني والتصويت فيها مع انتهاء دورة 2024-2026.
يتجاوز القانون مسألة العضوية إلى ما هو أبعد. فهو ينص على إزالة الصلة المتبقية بين النبالة الوراثية وعضوية مجلس اللوردات، وتنظيم الاستقالة من المجلس، وإلغاء اختصاص المجلس في النظر بالمطالبات المتعلقة بألقاب النبالة الوراثية. وتقنياً يلغي القانون المادة الثانية من قانون مجلس اللوردات لعام 1999، وهي المادة التي أتاحت لـ90 لورداً البقاء استثناءً من قاعدة تقضي بألا يكون عضواً في المجلس بحكم لقب موروث.
لم يمر النص بسلاسة، دار حوله نزاع بين مجلسي اللوردات والعموم انتهى بعدما وافقت حكومة ستارمر على تخصيص عدد متفق عليه من الألقاب مدى الحياة للمعارضة الرسمية وللمستقلين، اعترافاً باعتمادهما بدرجة كبيرة على خبرة اللوردات الوراثيين. وأعلنت لاحقاً منح 26 عضواً وراثياً سابقاً ألقاباً مدى الحياة في قائمة نشرت في الـ12 من مايو (أيار) 2026، بعد ثلاثة آخرين نالوها في ديسمبر (كانون الأول) 2025.
المرحلة الثانية من المشروع الإصلاحي تتعلق بمن يبقى في المجلس وإلى متى. فبعد إقرار القانون، وافق مجلس اللوردات في الـ18 من ديسمبر 2025 على تشكيل لجنة مختارة من 12 عضواً لبحث سن التقاعد وشرط المشاركة وتقديم مقترحاتها قبل نهاية يوليو 2026. فأوصت اللجنة بتطبيق سن تقاعد عند الـ80 على مراحل تمتد خمس سنوات.
وبحسب التوصيات، ينبغي أن يسري سقف التقاعد على جميع الأعضاء دون استثناء، على أن يبدأ التطبيق في الثامن من يوليو 2029 بسقف عمري قدره 85 عاماً، يتراجع سنة كل عام حتى يبلغ الـ80 في يوليو 2034، وأن يتعهد الأعضاء الجدد خطياً التقاعد في موعد أقصاه عيد ميلادهم الـ80. وبررت اللجنة التدرج بتفادي موجة مغادرات مفاجئة تفقد المجلس أعداده وخبرته وذاكرته المؤسسية.
الجديد الآخر يتصل بالمشاركة، إذ رأت اللجنة أن اشتراط الحضور مرة واحدة على الأعضاء في الدورة البرلمانية متدنٍّ للغاية ويستوجب الإصلاح، فأوصت بإلزامهم حضور 20 في المئة من أيام الانعقاد كمعدل على مدى دورتين، على أن يفقد العضوية كل من لا يبلغ الحد. وتراوح أيام الانعقاد في الدورة الواحدة حول 170 يوماً وسطياً خلال العقد الأخير. واللافت أن اللجنة اقترحت إمكان إقرار هذه القواعد بقرار داخلي من المجلس بدلاً من تشريع جديد، وهو مسار يختصر معارك برلمانية محتملة.
لكن اللجنة نبهت إلى أن حدود صلاحياتها منعتها من بحث آلية التعيينات أو الحجم الأمثل للمجلس، مشيرة إلى أن زيادة المغادرين لن تقلص حجم الغرفة إذا استخدمت ذريعة لتعيينات إضافية. وقالت الحكومة إنها ستدرس التوصيات وترد عليها لاحقاً هذا العام.
خصومة قديمة
الخصومة مع مجلس اللوردات ليست وليدة اليوم. ففي أعقاب رفض المجلس موازنة عام 1909، صدر قانون البرلمان لعام 1911 الذي جرد اللوردات من حق النقض واستبدل به صلاحية تأخير مشاريع القوانين، ثم جاء قانون 1949 ليقلص مدة التأخير إلى سنة واحدة. وكان قانون 1949 ثمرة قلق حكومة كليمنت أتلي على مصير برنامجها لتأميم القطاعات الأساسية.
وفي 1999 أخرجت حكومة توني بلير غالبية الوراثيين، مبقية 92 منهم في ما كان يفترض أن يكون تسوية قصيرة الأمد لتمرير التشريع. وحين يغادر أحد هؤلاء المجلس، كان يستبدل عبر انتخابات فرعية لا يترشح فيها سوى النبلاء الوراثيين. تلك التسوية الموقتة استمرت ربع قرن، وهو ما تحول إلى الحجة المركزية لحكومة ستارمر.
وصف مسؤولون بقاء اللوردات الوراثيين بأنه أمر عفا عليه الزمن ولا يمكن الدفاع عنه، فيما اعتبر وزير الدستور نيك توماس سيموندز التشريع إصلاحاً دستورياً مفصلياً، قائلاً إن المبدأ الوراثي في صناعة القوانين استمر أطول مما ينبغي ولا يتماشى مع بريطانيا الحديثة. أما زعيمة المجلس بارونة سميث أوف بازيلدون فشددت على أن المسألة لم تكن يوماً متعلقة بإسهامات الأفراد، بل بمبدأ اتفق عليه البرلمان قبل أكثر من 25 عاماً، مضيفة أن الوراثيين بقوا بينما ركد الإصلاح الجدي.
في المقابل، وصف منتقدون محافظون الخطوة بأنها ثأر سياسي وتخريب دستوري. وقال اللورد ترو، زعيم المحافظين في الغرفة الثانية، إن "مشروع القانون كان جرعة مرة لكثير من زملائه"، داعياً إلى احترام مشاعر الطرفين، ومتمسكاً بأن طرد أعضاء من برلمان قائم أمر غير معقول ويؤسس سابقة خطرة.
من جهته اقترح اللورد ستراثكلايد، الزعيم السابق لمجلس اللوردات، تقليص عدد الأعضاء عبر استبعاد نادري الحضور بدلاً من إخراج الوراثيين الذين وصفهم بالنشطين، فيما رأت زعيمة المحافظين كيمي بادينوك أن إبعادهم يجعل البرلمان أفقر، وذهبت انتقادات صحافية محافظة إلى أبعد من ذلك، إذ لاحظت أن المغادرين يضمون 45 محافظاً و33 مستقلاً وأربعة عماليين فحسب، بينما تتوالى التعيينات الجديدة، ونقلت عن "ستراثكلايد" وصفه القرار بأنه فعل حزبي يزيح خصوم رئيس الوزراء ويملأ المجلس بأصدقائه.
ثمة أصوات معارضة أخرى اتهمت حزب العمال الحاكم بالمحاباة بعد منح 26 لورداً وراثياً ألقاباً مدى الحياة، مشيرين إلى صلات بعضهم بشخصيات سياسية وأرستقراطية. أما جمعية "الإصلاح الانتخابي" فتقول إن قناعتها الجوهرية تقوم على أن الغرفة الثانية يجب أن تكون منتخبة ديمقراطياً، وهو سقف يتجاوز بكثير ما أنجزته الحكومة.
الغرفة البديلة
الهدف الأبعد المعلن يبقى أكثر جذرية. فبيان حزب العمال الانتخابي التزم باستبدال غرفة ثانية بديلة أكثر تمثيلاً للأقاليم والأمم المكونة للمملكة المتحدة بمجلس اللوردات مع التشاور مع الجمهور في شأن المقترحات، إلى جانب إصلاح آلية التعيينات من أجل ضمان جودة الأسماء وتحسين التوازن الوطني والإقليمي. وتستند هذه الرؤية إلى توصيات لجنة حزبية تترأسها رئيس الوزراء السابق غوردون براون عام 2022، ودعت إلى إحلال جمعية للأمم والأقاليم محل الغرفة الحالية لمنح صوت صريح لمكونات المملكة.
المشاورة لم تبدأ رسمياً حتى الآن، ولكن حين تنطلق ستفتح الباب على 3 ملفات دفعة واحدة. الأول حجم المجلس، إذ بلغ عدد الأعضاء 833 عضواً في أبريل 2026، وهو رقم يجعل الغرفة من أكبر الهيئات التشريعية في العالم، فيما كانت مراجعة سابقة قادها اللورد بيرنز قد اقترحت خفض العدد إلى 600 عبر قاعدة تعيين واحد مقابل كل مغادرين اثنين.
الملف الثاني هو التوازن الحزبي داخل الغرفة. فخروج الوراثيين أضعف حزب المحافظين والمستقلين أكثر من غيرهم، بينما تتيح صلاحية رئيس الوزراء غير المقيدة في الترشيح إعادة رسم الخريطة تدريجاً. وقد طالب اللورد ترو بمنح حزب "ريفورم" مقاعد في المجلس بعد رسالة وجهها نايجل فاراج إلى ستارمر، مستنداً إلى حصول حزبه على أكثر من 4.1 مليون صوت في انتخابات 2024، ولافتاً إلى أن متوسط أعمار أعضاء الغرفة يبلغ 70 سنة وأنها تحتاج إلى دماء جديدة.
أما الملف الثالث فيتعلق بمهام المجلس نفسه. فاللجنة التي بحثت التقاعد والمشاركة أقرت بأن تفويضها لا يشمل إصلاح المجلس ككل ولا الأسئلة الأكثر جوهرية، مما يعني أن صلاحيات الغرفة كمراجع للتشريعات ظلت خارج التغيير. وتبقى قدرة اللوردات محصورة في تأخير مشاريع القوانين لا رفضها نهائياً، بموجب قانوني عامي 1911 و1949. غير أن أي انتقال مستقبلي نحو غرفة منتخبة سيفتح حتماً نقاشاً حول شرعية أوسع تبرر صلاحيات أكبر، وهو ما يفسر تردد الحكومات المتعاقبة، عمالية أم محافظة، في الاقتراب من هذا الباب.
خلاصة المشهد أن حزب العمال أنجز الجزء الرمزي الأسهل من وعده، وأزاح مبدأ الوراثة من صناعة التشريع، لكنه فعل ذلك عبر تسوية أبقت عشرات الوجوه نفسها تحت اسم مختلف. أما الجزء الأصعب، المتمثل في سن التقاعد وشرط المشاركة وإصلاح التعيينات، ثم الغرفة البديلة، فما زال رهن استجابة حكومية موعودة وتوافق سياسي لم يتبلور بعد.