ملخص
تكررت حوادث سرقة حسابات "واتساب" في لبنان من أجل تحقيق مكسب مالي، ويعمد المخترقون إلى استغلال عنصر الثقة بين المستخدم الحقيقي وأصدقائه وضعف إجراءات الحماية من أجل اختراق الحسابات والمطالبة بتحويل مبالغ مالية عبر الشركات المتخصصة والواسعة الانتشار.
وأحياناً يلجأ المخترق إلى استغلال التسجيلات الصوتية ضمن المحادثات، ومنتجتها قبل إعادة إرسالها.
وتحاول الجهات الأمنية كبح هذه المحاولات المتمادية من خلال حملات التوعية وملاحقة السارقين والمبتزين.
رسالة ودية من حساب "الواتساب" المخترق، يليها طلب تحويل مبلغ مالي عبر أحد تطبيقات تحويل الأموال بحجة الحاجة الطارئة وعدم التمكن من الوصول إلى الأصول المصرفية، هذه الصيغة الاحتيالية تحولت إلى نمط شائع في لبنان، حيث تنتشر سرقة "الواتساب" للحصول على أموال من الأصدقاء والمقربين للشخص المُخترق. وتطاول هذه العمليات أشخاصاً من النخبة الاجتماعية.
تواصلت "اندبندنت عربية" مع صحافيين وأكاديميين ومدراء مؤسسات تربوية وتجارية، وآخرين ألحقت بهم عمليات الاختراق حرجاً، واضطروا لإعادة الأموال المحولة إلى أصحابها بعد استرجاع الحسابات المخترقة من دون اكتشاف من هم المخترقون.
في السياق، روت الباحثة في مجال الاتصال السياسي وفاء أبو شقرا أنها "تلقت رسالة من أحد أقاربها المقيم في الاغتراب، وأعلمها أنه في طور إنشاء مجموعة للعائلة من أجل إعادة الأواصر وتمتين الروابط"، مضيفة "طلبت منه إضافتي من خلال الرقم المحفوظ لديه، فأصرّ على دخولي بواسطة الرابط لأنه يوفر كثيراً من التعقيدات، وما إن ضغطت على الرابط حتى فقدت السيطرة على الحساب". عاشت أبو شقرا ساعات عصيبة، وبقي الحساب مسروقاً أكثر من 16 ساعة، "قام خلالها المخترق بإرسال الرسائل إلى عشرات الأصدقاء طلباً للمال". وتابعت "تنبه البعض للمحاولة وقام بالاتصال بي وإعلامي أن حسابي قد يكون مخترقاً، ولكن البعض الآخر تجاوب معه، وحملت الثقة المفرطة لدى البعض بإرسال أرقام البطاقات البنكية لكي أسحب حاجتي كاملة. لقد ذُهلت، وخشيت أن يكون الأصدقاء قد أرسلوا مبالغ لن أتمكن من إعادتها".
ولفتت أبو شقرا إلى أنها أعلمت عبر وسائل التواصل الأصدقاء بما حصل، كذلك عملت عائلتها على إبلاغ شركة "واتساب" بالأمر من أجل إيقاف الحساب، وهو ما حصل ولكن بعد ساعات من القلق والترقب، واصفة ما حدث بالتجربة السيئة.
ما حصل مع أبو شقرا تكرر مع آخرين، لا بل إن المخترق في حالة جان ذهب بعيداً، حيث لجأ إلى البحث في المحادثات عن تسجيلات صوتية، قام بقصها ومنتجتها وإعادة إرسالها إلى الأصدقاء، ومن ثم طلب المال.
سيل الاختراقات
تكررت حوادث اختراق حسابات "الواتساب" والأجهزة الخلوية في لبنان في الفترة الأخيرة، وطاولت حسابات شخصية حاضرة بقوة في الحقل العام على غرار اختراق حساب "إكس" للمدير العام السابق للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، ونشر صور وبيانات شكلت اختراقاً لحرمة الحياة الخاصة وفضحاً لأمور شخصية بقيت طويلاً طي الكتمان.
في السياق، أكدت الخبيرة في مجال أمن البيانات سمر حلال أنه "لا يمكن القول إن هناك تطبيقاً واحداً هو الأكثر عرضة للاختراق بشكل مطلق. في الواقع، في كثير من الحالات لا يكون الخلل في تطبيق واتساب نفسه، بل في الحساب أو الجهاز أو المستخدم"، مضيفة "واتساب يحظى باهتمام كبير من المهاجمين لأنه واسع الاستخدام، وبالتالي فإن الاستيلاء على حساب واحد يمكن أن يفتح الباب للوصول إلى شبكة كبيرة من الأشخاص من خلال جهات الاتصال والمجموعات. وفي لبنان، حذّرت قوى الأمن الداخلي أخيراً من محاولات الاستيلاء على حسابات واتساب عبر روابط احتيالية تطلب من المستخدم إدخال أو مشاركة رمز التحقق الذي يصله عبر SMS".
ونبّهت حلال إلى "ضرورة التفريق بين اختراق حساب واتساب وبين اختراق الهاتف نفسه. السيطرة على حساب واتساب لا تعني بالضرورة أن المهاجم اخترق الهاتف بالكامل. أما من ناحية التطبيقات، فالتطبيقات التي تكون مرتبطة بحسابات مهمة، أو تحتوي على كمية كبيرة من البيانات الشخصية، أو تعتمد على رسائل SMS لاستعادة الحساب، تصبح أهدافاً جذابة للمهاجمين". وتابعت "لذلك يجب ألا يكون السؤال فقط: أي تطبيق أكثر عرضة؟، وإنما ما هي طريقة الدخول إلى الحساب؟ وما هي المعلومات التي يمكن للمهاجم الحصول عليها في حال السيطرة عليه؟".
طرق مختلفة للاختراق
يلجأ المخترقون إلى طرق مختلفة لاختراق الحساب، وتحدثت حلال عن "استخدام المهاجمين الهندسة الاجتماعية والتصيد الإلكتروني. وعلى سبيل المثال، يصل المستخدم رابط يبدو وكأنه من صديق أو شخص يعرفه، أو دعوة للانضمام إلى مجموعة، ثم يُطلب منه إدخال رمز التحقق الذي وصل إلى هاتفه. بمجرد مشاركة الرمز، يستطيع المهاجم تسجيل حساب واتساب على جهاز آخر والسيطرة عليه. وهذا تحديداً هو الأسلوب الذي حذرت منه قوى الأمن الداخلي في لبنان".
وأشارت إلى طرق أخرى من قبيل الاستيلاء على الحساب من خلال رموز التحقق OTP، وأسلوب خداع المستخدم لإضافة جهاز مرتبط Linked Device لا يعود إليه، وسرقة أو السيطرة على الحساب المرتبط بالبريد الإلكتروني، أو استغلال ثغرات في نظام التشغيل أو التطبيقات، وفي الحالات الأكثر تطوراً، استخدام spyware يستطيع اختراق الهاتف نفسه والوصول إلى البيانات والاتصالات.
وحذرت الخبيرة في مجال أمن البيانات من أنه في بعض الأحيان "غياب الأعراض لا يعني غياب الاختراق"، محذرة من أنه "إذا تمت السيطرة على حساب واتساب، يمكن للمهاجم استخدامه لانتحال شخصية الضحية، والتواصل مع أفراد عائلتها وأصدقائها، وطلب أموال، وإرسال روابط خبيثة، أو محاولة استهداف أشخاص آخرين من خلال الثقة الموجودة أصلاً بين الضحية وجهات اتصالها. وقد حذرت قوى الأمن الداخلي في لبنان من هذا السيناريو تحديداً. أما إذا كان الهاتف نفسه قد تعرض للاختراق بواسطة spyware متطور، فالأخطار أكبر بكثير، لأنها قد تشمل الوصول إلى الرسائل والملفات والموقع الجغرافي والميكروفون والكاميرا وغيرها، بحسب قدرات الأداة المستخدمة ونوع الاختراق".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أبعد من "الواتساب"
لا يقتصر خطر الاختراق على حسابات "الواتساب" وبعض منصات التواصل الاجتماعي، وإنما هو تهديد أوسع بكثير.
في السياق، قال خبير أمن المعلومات إيلي نخلة "لا نبالغ في القول إن جميع المستخدمين مخترقون في لبنان بسبب عدم وجود سياسة لحماية أمن المعلومات على مستوى البلاد، والفيروس النائم داخل الأجهزة هو أكثر خطورة من مرحلة الخرق ومن ثم اكتشافه، لأن من يتعرض للخرق سيلجأ إلى إجراءات أمنية وقائية"، منبهاً من "السذاجة وقلة الوعي، إذ لا يتردد كثيرون في إرسال المال وأرقام البطاقة المصرفية، أو حتى مشاركة كلمة السر مع جهات مختلفة من دون حرص وانتباه لما قد يتأتى عنها". وتابع "لا توجد دولة غير مخترقة على مستوى المعلوماتية، لكن هناك دولاً تمتلك قوانين رادعة وفرقاً متخصصة لحفظ أمن البيانات".
وتطرق نخلة إلى "اختراق إسرائيلي واسع لشبكات الاتصالات في لبنان"، إذ لدى الإسرائيليين "قدرات لتحديد موقع تواجد أصحاب الهواتف، ومن ثم إرسال رسائل أو تسجيلات صوتية أو اختراق الأجهزة والتحكم بالبيانات". وبالتالي، "لا بدّ من فرق متخصصة لأمن المعلومات، واللجوء إلى تحصين قواعد البيانات على مستويات متعددة، وعدم استخدام برمجيات من شركة واحدة"، وأشار نخلة إلى أن "هناك ضرورة لخطوات استباقية ووقائية للحماية، وعدم حصر جهودنا بالإجراءات اللاحقة على ارتكاب الجرم والتي يتولاها مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية، وتشديد إجراءات حراسة البوابة لدى شركات الاتصالات العاملة في لبنان".
الحماية ممكنة
يوفر الخبراء مجموعة من النصائح من أجل حماية "الواتساب" من الاختراق.
ورأت الخبيرة حلال أن "الحماية ليست إجراء واحداً نفعله مرة واحدة، بل هي عملية مستمرة"، وبالنسبة لحماية "الواتساب"، تقترح جملة من الإجراءات، "في مقدمها عدم مشاركة رمز التحقق OTP مع أي شخص، مهما كانت صفته، وتفعيل Two-Step Verification، وإضافة بريد إلكتروني مخصص للاسترداد وتأمينه جيداً، ومراجعة الأجهزة المتصلة Linked Devices بشكل دوري، وإزالة أي جهاز غير معروف، وتحديث واتساب ونظام تشغيل الهاتف باستمرار، وعدم فتح الروابط غير المتوقعة، حتى لو وصلت من شخص معروف، لأن حساب الشخص نفسه قد يكون مخترقاً، ناهيك عن استخدام قفل قوي للهاتف وحماية الحسابات المرتبطة به، وتفعيل ميزات الأمان الإضافية التي توفرها واتساب عندما تكون متاحة، مثل passkeys، وعدم الاعتماد على SMS وحده عندما تتوافر وسيلة أقوى".
ونصحت حلال "الأشخاص الأكثر عرضة للاستهداف"، خصوصاً الصحافيين والناشطين والأشخاص الذين يتعاملون مع معلومات حساسة، بضرورة تأمين حماية أوسع من "الواتساب" لتشمل الجهاز نفسه، والبريد الإلكتروني، والحسابات السحابية، والنسخ الاحتياطية، موضحة أن "التشفير من طرف إلى طرف لا يحمي الحساب إذا تمكن المهاجم من السيطرة على الجهاز أو الحساب، لأن التشفير يحمي الاتصال أثناء نقله، "لكنه لا يمنع شخصاً يملك صلاحية استخدام حسابك أو جهازك من الوصول إلى ما يظهر عليه".
وتطرقت حلال إلى أهمية اللجوء إلى الخبراء أو السلطات "يجب ألا ننتظر حتى نخسر الحساب بالكامل، وبالتالي إذا لاحظ الشخص تسجيل دخول أو جهازاً مرتبطاً لا يعرفه، ورسائل لم يرسلها، وطلبات OTP متكررة، وتغييراً غير مبرر في إعدادات الحساب، أو سلوكاً غير طبيعي في الهاتف، فمن الأفضل التعامل مع الأمر كحادثة أمنية وليس باعتباره مجرد مشكلة واتساب". ولفتت إلى أنه في لبنان، "يمكن أيضاً اللجوء إلى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية في قوى الأمن الداخلي، خصوصاً عندما يكون هناك ابتزاز، تهديد، احتيال، سرقة حساب، أو استهداف متكرر. وقد أعلنت قوى الأمن سابقاً عن توقيف أشخاص في قضايا ابتزاز وتهديد عبر واتساب بعد تحقيقات تقنية".
خطر متطور
يشكل اختراق "الواتساب" تحدياً للجهات الأمنية في لبنان، وأطلقت دائرة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي في مايو (أيار) عام 2026 الماضي حملة من أجل توعية مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بهدف الحد من عمليات الاختراق، ومنع حدوث أعمال الابتزاز المختلفة.
كذلك يبرز جهد مكتب مكافحة الجرائم الإلكترونية، وخلال "مؤتمر الذكاء الاصطناعي ومستقبل العدالة" الذي نظمته نقابة المحامين في طرابلس، شمال لبنان، تحدث الرائد إلياس داغر عن "تطوير أدوات ارتكاب الجرائم المعلوماتية خلال السنوات الماضية، إذ تم اللجوء حيناً إلى الواتساب، وأحياناً أخرى إلى اتصال الفيديو وصولاً إلى أدوات الذكاء الاصطناعي"، و"يلجأ المخترق إلى وسائل الهندسة الاجتماعية وإقناع الضحية بمجاراته، وصولاً إلى تقليد بعض المواقع الإلكترونية والأصوات لإرسال الرسائل". وأضاف داغر "تقليدياً افتقر المقرصن إلى المعرفة بقواعد اللغة، وكان البعض يكتشف أنه عرضة للاختراق وعدم التجاوب معه من كثرة الأخطاء، ولكن هؤلاء باتوا يلجأون إلى الذكاء الاصطناعي لصياغة رسالة سليمة ومقنعة وكأنها حقيقية"، ومن ثم الانتقال إلى طلب اسم الحساب ورمز الدخول، وصولاً إلى اختراق الأجهزة، والاطلاع على الرسائل المتبادلة وصولاً إلى تنفيذ الهجوم وأحياناً الابتزاز.