ملخص
في لبنان، لم تعد مجموعات "واتساب" و"تيليغرام" مجرد مساحات لتبادل الرسائل، بل تحولت في لحظات الخطر إلى ما يشبه أنظمة إنذار مبكر شعبية. بين بطء المصادر الرسمية وتراجع الثقة بها، يلجأ الناس إلى هذه المجموعات بحثاً عن معلومة سريعة. ولكن ما محاذيرها؟
في بلد اعتاد أن يسبق فيه القلق البيان الرسمي، وأن تصل الإشاعة قبل سيارة الإسعاف، تحوّلت ظاهرة المجموعات على "واتساب" و"تيليغرام"، ومواقع تواصل اجتماعي، ومديري منصات تواصل يعرفهم الناس بأسمائهم أو بألقابهم، إلى أشبه ما يمكن وصفه بأنظمة إنذار مبكر شعبية. وهؤلاء باتوا يملكون ما يحتاج إليه الناس: سرعة الخبر والقدرة على القول إن الطريق سالك أو إن الخطر قريب.
ليست هذه الظاهرة بريئة تماماً، ولا هي مهنية تماماً. فهي تقف على الحافة نفسها التي يقف عليها لبنان: بين الحاجة إلى المعلومة والخوف من التضليل، بين الخبر والتحريض، وبين المواطن الذي يريد أن يعرف فوراً، والصحافي الذي يعرف أن السرعة قد تكون أحياناً باباً للكارثة.
هكذا صار "الإنذار المبكر الشعبي" جزءاً من يوميات اللبنانيين. يبدأ من هاتف، وينتقل إلى حيّ، ثم إلى مدينة، وربما إلى بلد كامل. لكن السؤال يبقى: هل هي شبكات حماية اجتماعية؟ أم بدائل خطرة على الإعلام والمؤسسات؟ وهل يمكن أن تتحول سرعة التحذير إلى مسؤولية عامة؟ أم تبقى رهينة الارتجال والضغط والفوضى؟
أسرع وأقرب إلى الناس
في مقابل غياب الثقة الكاملة بالمصادر الرسمية أحياناً، برزت خلال الأزمات مجموعات ومنصات محلية على "واتساب" و"تيليغرام" تؤدي دوراً سريعاً في نقل التحذيرات والمعلومات الميدانية.
يقول أبو علي، وهو مدير إحدى هذه المنصات "فكرة إنشاء هذه المجموعات بدأت من الحاجة إلى إيصال التحذيرات بسرعة، خصوصاً عندما يحصل أمر مفاجئ ويكون الناس بحاجة إلى معرفة ما يجري حولهم"، ويؤكد أن "القائمين على هذه المجموعات يحاولون عدم نشر أي معلومة قبل التأكد منها. إذا كان الخبر غير مؤكد، نفضّل عدم نشره أو نوضح أنه غير مؤكد"، مشدداً على أن "السرعة يجب ألا تكون على حساب الدقة"، ويرى أبو علي أن "الناس يعتمدون على هذه المجموعات خصوصاً في الأزمات، عندما يكثر السؤال عن الطرقات والمناطق والتحذيرات العاجلة. في هذه اللحظات نشعر أن الموضوع مسؤولية، وليس مجرد نشر خبر".
أما عن سبب ثقة الناس بهذه المجموعات أكثر من المصادر الرسمية أحياناً، فيعتبر أبو علي "أنها أسرع وأقرب إلى الناس وفيها تواصل مباشر"، فبحسب رأيه "لا ينتظر المواطن بياناً رسمياً قد يصدر بعد ساعات، بل يبحث عن معلومة فورية تجيبه عما يحدث حوله: هل الطريق مفتوح؟ هل المنطقة آمنة؟ هل هناك خطر قريب؟ وهنا تلعب مجموعات ’الواتساب‘ دوراً سريعاً، لأنها تنقل الأخبار من أشخاص موجودين على الأرض، لا من مؤسسات بعيدة عن الحدث"، ويضيف أن هذه المجموعات تمنح الناس شعوراً بالمشاركة، "إذ يمكن لأي شخص أن يسأل، يعلّق، يرسل صورة أو تسجيلاً، أو يصحح معلومة. وهذا النوع من التفاعل يجعلها، بالنسبة إلى كثير، أكثر قرباً وواقعية من البيانات الرسمية التي غالباً ما تأتي بصيغة عامة وجافة".
خبر مفبرك في طرابلس كان قادراً على إشعال جولة قتال
بدوره، روى الناشط الإعلامي سمير مهنا، من موقع "تجمع صفحات طرابلس والشمال - مبادرون"، أن "فكرة إنشاء هذه المجموعات بدأت خلال جولات العنف التي شهدتها طرابلس بين جبل محسن والتبانة (مواجهات طائفية وعسكرية متكررة كانت تحدث بين السكان المسلمين من الطائفتين العلوية والسنية)، حين كانت الأخبار المفبركة قادرة على إشعال مواجهة كاملة"، وقال مهنا إن "خبراً غير صحيح عن إطلاق نار على شخص من جبل محسن، أو عن سقوط قذيفة في مكان ما، كان كفيلاً بإشعال جولة قتال جديدة. من هنا، اجتمع ناشطون من مختلف مناطق طرابلس والشمال، وتم تفعيل تجمع صفحات طرابلس والشمال تحت اسم مبادرون، بهدف مواجهة الإشاعات ونقل الأخبار الدقيقة"، مؤكداً أن "عمل المجموعة بُني على شبكة من المعارف والمصادر الموثوقة التي تراكمت عبر أعوام من المتابعة والعمل الميداني، وأن أي خبر يُنشر يخضع أولاً للتأكد من مصدره وصدقيته.
ولا ينفي مهنا أن منصته تعرضت لضغوط، خصوصاً عندما يتداخل السياسي بالإنمائي، أو عند توجيه انتقادات إلى أشخاص يستغلون مناصبهم لتمرير صفقات أو ممارسات تضر بالمصلحة العامة.
ورأى أن "ثقة الناس بهذه المجموعات تعود إلى سهولة الوصول إليها عبر الهاتف، وإلى سرعة تداول المعلومات من خلالها، في مقابل ضعف ثقة المواطنين بكثير من المصادر الرسمية"، وأشار مهنا إلى أن "هذه المنصات تحولت، بفعل التجربة، إلى مساحة يلجأ إليها الناس بحثاً عن خبر موثوق وسريع، خصوصاً في المناطق التي دفعت ثمناً كبيراً للإشاعة والخبر المفبرك".
محفوظ: لا خطة إعلامية واضحة للطوارئ في لبنان
وسط هذه الأجواء، أشار عبدالهادي محفوظ، رئيس المجلس الوطني للإعلام التابع لوزارة الإعلام اللبنانية، إلى أن "لبنان لا يملك حتى الآن خطة دولة واضحة لمواجهة الحروب والطوارئ"، معتبراً أن "غياب هذه الخطة ينعكس حكماً على المجال الإعلامي، إذ لا يمكن الحديث عن تنظيم إعلامي فعّال في الأزمات من دون دولة قادرة على إدارة المعلومة وحماية المجتمع من الإشاعات والانقسام"، ورأى محفوظ أن "الحاجة اليوم لا تقتصر على إجراءات رسمية، بل تشمل أيضاً قيام حاضنة اجتماعية في المجتمع الأهلي والمدني تشدد على المواطنة، وتواجه الانقسام السياسي والطائفي الحاد، وتعزز المشترك بين اللبنانيين، على أن تمتلك بدورها حضوراً إلكترونياً موضوعياً قادراً على مواجهة الجيوش الإلكترونية والتحريض"، وقال إن "المشكلة الأساسية في لبنان تكمن في أنه منذ الاستقلال وما قبله، ليست هناك دولة بالمعنى الفعلي، بل سلطة سياسية طائفية قائمة على دعم النظام الطائفي"، معتبراً أن من هم في السلطة "لا يريدون الدولة عملياً، ولا يريدون الذهاب إلى بناء دولة حقيقية، بل يديرون تقاسماً سياسياً وطائفياً للسلطة، سرعان ما يتحول عند الخلاف إلى الشارع".
وعن الإجراءات الرسمية لمواجهة الإشاعات وضمان سرعة المعلومة، أشار محفوظ إلى "وجود توجهات وتصريحات في هذا الإطار، بينها ما يتصل بالتعاون مع وزارة التربية"، لكنه شدد على أن "المسألة تبقى نظرية ما لم تُتخذ إجراءات قانونية بحق المخالفين"، ولفت إلى أن النيات "حسنة" لدى وزير الإعلام بول مرقص، "بوصفه قانونياً يدرك المشكلة، لكنه يعرف أيضاً حدود الحركة داخل نظام طائفي يغلق الباب أمام أي إخضاع فعلي أو إصلاح جذري".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الجيوش الإلكترونية ضحية الانقسام
واعتبر محفوظ أن "الانقسام السياسي الحاد في لبنان ينعكس مباشرة على الإعلام، كما انعكس سابقاً على الإعلام المكتوب الذي كان له دور أساس في إشعال الحرب الأهلية عام 1975، ثم انتقل التأثير لاحقاً إلى التلفزيون والإذاعة"، مشيراً إلى أن "الإعلام المكتوب تراجع، ومعه الإعلام التلفزيوني والإذاعي، بسبب غياب الموارد المالية الناتج من تعطّل الدورة الاقتصادية، مما جعل الإعلام المرئي في لبنان أكثر ارتباطاً بالتمويل الخارجي، مما أفقد الإعلام اللبناني جزءاً من دوره التاريخي كجسر بين الداخل العربي والخارج الدولي ووسيط لنقل المعلومة"، ورأى أن "التأثير الفعلي انتقل اليوم إلى الإعلام الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي، لأنها تمثل إعلام اللحظة والإعلام الأسرع والأكثر انتشاراً، بعدما حولت كل فرد تقريباً إلى ناقل خبر أو صاحب تأثير في القرى والمدن والعائلات".
وحذّر محفوظ من أن "هذا الإعلام الجديد يقع، بدوره، ضحية الانقسام السياسي والطائفي، إذ باتت هناك جيوش إلكترونية تابعة لطوائف أو أحزاب أو قوى سياسية، في مقابل مواقع إلكترونية موضوعية تتحقق من صحة الخبر ودقته وتنسبه إلى مصادر موثوقة"، وشدد محفوظ على أن "القول بعدم وجود قانون يرعى الإعلام الإلكتروني غير صحيح"، موضحاً أن "قانون المرئي والمسموع رقم 382/94 يتضمن ما يسمح بتطبيقه على كل إشارة صوتية أو ضوئية، لذلك يمكن أن يشمل الإعلام الإلكتروني". غير أن المشكلة، وفق محفوظ، تكمن في "عدم تطبيق القانون نفسه، بسبب غياب القرار الواحد على مستوى السلطة السياسية، والحمايات السياسية والطائفية التي تغطي المؤسسات الإعلامية، سواء التقليدية أو الإلكترونية"، وأشار إلى أن "الدولة مقصّرة في دعم الإعلام الإلكتروني المهني القائم على الدقة ومكافحة الإشاعات، فيما يعاني القضاء والمجلس الوطني للإعلام ضعفاً في فرض التدابير اللازمة"، وأفاد محفوظ بأن "توصيات المجلس الوطني للإعلام لمواجهة الأخبار الكاذبة والمضللة غالباً لا تُنفذ، على رغم لجوئه أحياناً إلى إجراءات مثل سحب العلم والخبر أو إبلاغ القضاء"، مؤكداً أن "الحل يتطلب قراراً سياسياً وقضائياً واضحاً، وإعلاماً إلكترونياً مسؤولاً يواجه التضليل بدل تغذية الانقسام".
قناة عبور لا نموذج إعلامي
بدوره، رأى الصحافي مروان حيدر أن "تحول مصادر تلقي المعلومات نحو مجموعات واتساب ومنصات التواصل الاجتماعي يرتبط بطبيعة العصر ولغة التواصل السائدة اليوم"، مشيراً إلى أن "المتلقي يسمع الخبر أو المعلومة للمرة الأولى غالباً في المكان الذي يقضي فيه معظم وقته، أي على منصات التواصل"، وأوضح حيدر أن "هذه المنصات أصبحت البيئة الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياة الناس اليومية، مما جعلها المصدر الأسرع لانتشار الأخبار، وأحياناً البوابة الأولى التي يعبر منها الخبر إلى الجمهور قبل وصوله عبر الوسائل التقليدية"، ولفت إلى أن "انتشار مجموعات ’واتساب‘ لم يُلغِ دور الإعلام التقليدي في التحقق، إذ لا تزال القنوات والحسابات الرسمية تحظى بثقة الجمهور، فغالباً ما يسمع الناس الخبر أولاً عبر المجموعات، ثم يعودون إلى وسائل الإعلام الموثوقة للتأكد من صحته"، معتبراً أن مجموعات "’واتساب‘ وغيرها ليست سوى أدوات لنقل المعلومة بسرعة، لكنها لا تقدم ضماناً للمهنية أو الدقة، فهي قناة عبور لا أكثر، بينما يبقى التحقق الحقيقي عند المؤسسات الإعلامية التي تمتلك أدوات التحرير والتدقيق".
السرعة قد تنقذ وقد تصنع فوضى معلوماتية
وحذر حيدر من "خطورة تداول الأخبار داخل هذه المجموعات بطريقة شعبوية وغير مهنية"، مشيراً إلى أن "غياب المعايير الصحافية يؤدي إلى فقدان السيطرة على السياق الحقيقي للحدث. القصة تصبح قابلة للتضخيم أو التحريف، وقد تتحول حادثة بسيطة إلى قضية كبيرة بلا مبرر، فقط بسبب الأسلوب العفوي والسريع في نقلها، مما يخلق حالة من الفوضى المعلوماتية ويشوّه الحقائق في كثير من الأحيان".
وعن دور "المواطن الصحافي"، رأى حيدر أن "هذه الظاهرة لم تغيّر جوهر هذا الدور بقدر ما أضافت له مساحة جديدة عبر ’واتساب‘ ومنصات التواصل. المواطن قد يكون ناقلاً مباشراً وسريعاً لحدث يقع قربه، لكنه يبقى محدوداً مهنياً، لأنه لا يمتلك غالباً المؤهلات العلمية والخبرة التحريرية التي تسمح له باتخاذ خطوات صحافية احترافية لاحقة".
وشدد على أن "الفجوة بين الإعلام المهني ومجموعات ’واتساب‘ تظهر بوضوح في الحروب والكوارث، حيث يتطلب العمل الإعلامي معرفة وسياقاً ومهارات تحقق لا يوفرها مجرد امتلاك هاتف وكاميرا. مجموعات ’واتساب‘ ليست إعلاماً، وينبغي التعامل مع ما يُنشر فيها بحذر شديد لأنها مصادر غير موثوقة بطبيعتها. هذه المجموعات باتت تنقل صوراً وفيديوهات قد تُقتطع من سياقها، فيتحول ما يبدأ كوصف شعبي سريع لواقعة ما إلى خبر متداول على نطاق أوسع، من دون ضمان للدقة أو المهنية".