Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أول خريطة لانتشار المخدرات في الجزائر... هل تضع حدا للظاهرة؟

حجز أكثر من 3.5 طن من الكيف المعالج وقرابة قنطارين من الكوكايين وأكثر من 9.5 مليون قرص من المؤثرات العقلية خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026

تسمح هذه الخريطة بمحاصرة المتعاطين والمستهلكين وتحييد رؤوس شبكات التهريب والترويج في الجزائر (أ ف ب)

ملخص

على رغم اعتماد سياسات واستراتيجيات وطرق عدة لمحاصرة الظاهرة، فإن النتائج لم تكن وفق المتوقع في ظل التغيرات التي تعتمدها المنظمات والشبكات الإجرامية في كل مرة، سواء على مستوى التهريب أو الترويج.

يعد انتشار وترويج وتعاطي المخدرات في الجزائر، من أبرز المواضيع الحساسة التي تقلق السلطات والمجتمع عل حد سواء، لا سيما بعدما أخذت أبعاداً خطرة. ولعل الكميات الضخمة المضبوطة دليلاً على تعرض البلاد إلى محاولات إغراق "مقصودة"، مما دفع الحكومة إلى إعداد أول خريطة وطنية لانتشار المخدرات، لما للظاهرة من نتائج سلبية اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وصحياً ونفسياً.

تحدٍ أمني وأربع دراسات ميدانية

باتت الجزائر أمام تحدٍ أمني استراتيجي كبير، بعد تحول متسارع لخريطة تهريب المخدرات والمهلوسات بمختلف أصنافها من المسارات التقليدية، إلى تعدد في الاتجاهات والامتدادات، تتقاطع فيها الشبكات الإجرامية مع الحدود الجغرافية، مما أفرز وضعاً أسهم في انتشار هذه المواد الخطرة عبر مختلف مناطق البلاد، وتوسع دائرة تعاطيها من الشارع إلى المحيط المدرسي، مروراً بدخول العنصر النسوي على خط الترويج والاستهلاك.

ولا تتعلق الظاهرة بالجزائر فحسب، بل عرفت انتشاراً كبيراً على مستوى العالم، إذ لم تفلح جهود الحكومات في التغلب عليها حتى الآن، بل بالعكس من ذلك أصبح انتشار المخدرات وتعاطيها ووسائل الحصول عليها سهلاً وفي ازدياد مستمر وبخاصة مع التقدم العلمي والتكنولوجي.

وعلى رغم اعتماد سياسات واستراتيجيات وطرق عدة لمحاصرة الظاهرة، فإن النتائج لم تكن وفق المتوقع في ظل التغيرات التي تعتمدها المنظمات والشبكات الإجرامية في كل مرة، سواء على مستوى التهريب أو الترويج، مما دفع ديوان مكافحة المخدرات وإدمانها ومعهد الصحة العمومية في الجزائر إلى إعلان مسار جديد للتعاون العلمي، بهدف وضع استراتيجية جديدة لمواجهة انتشار المخدرات وآليات أكثر فاعلية للوقاية والتكفل، وجرى توقيع اتفاقات عدة لإطلاق أربع دراسات ميدانية متخصصة تهدف إلى جمع معطيات دقيقة حول واقع استهلاك المواد المخدرة، تشمل دراسة وبائية في الوسط العام وأخرى في الوسط المدرسي، إضافة إلى دراسة في الوسط الجامعي ودراسة خاصة بالوفيات الناجمة عن الجرعات الزائدة.

وأفادت الجهات المعنية بأن هذه الدراسات تسمح بإعداد خريطة وطنية دقيقة حول توزيع وانتشار استهلاك هذه السموم عبر مختلف مناطق البلاد، بما يوفر قاعدة بيانات علمية تساعد السلطات المتخصصة على تطوير برامج الوقاية والتدخل، مشيرة إلى أن الشراكة ترمي إلى إرساء إطار مؤسساتي دائم للتعاون في مجالات الرصد الوبائي والبحث العلمي والتكوين وتبادل المعلومات والخبرات، بما يدعم تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية. وختمت أن نتائج هذه الدراسات تسهم في تعزيز السياسات العمومية المبنية على المعطيات العلمية، ورفع فعالية جهود مكافحة الإدمان وحماية الفئات الأكثر عرضة لهذه الظاهرة.

أرقام مقلقة

وتكشف الأرقام التي تقدمها السلطات الأمنية بصورة دورية عن حجم الخطر الذي يتربص بالجزائر، إذ أوضح محافظ الشرطة بالمصلحة المركزية لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات التابعة للمديرية العامة للأمن الوطني زين الدين أرعون، أن مصالح الأمن حجزت خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 أكثر من ثلاثة أطنان و597 كيلوغراماً من الكيف المعالج، وقرابة قنطارين من الكوكايين، وأكثر من 9.5 مليون قرص من المؤثرات العقلية. وقال إن هذه الأرقام تعكس خطورة الظاهرة وتأثيرها في الأمن القومي والاقتصاد الوطني، مشيراً إلى أن عائدات تجارة المخدرات تُستغل في عمليات تبييض الأموال، وتتسبب في استنزاف الموارد المخصصة لإنجاز مراكز علاج المدمنين والتكفل بهم.

وواصل أرعون أنه جرى تسجيل تورط أكثر من 96 ألف شخص في جرائم المخدرات والمؤثرات العقلية، معظمهم من فئة الشباب، مع تسجيل ارتفاع طفيف في عدد القصر والنساء المتورطين في هذه الجرائم، مشيراً إلى أن مصالح الأمن عالجت خلال الفترة نفسها أكثر من 89 ألف قضية مرتبطة بجرائم المخدرات والمؤثرات العقلية، شملت التهريب والتخزين والنقل والبيع والحيازة والاستهلاك. وأبرز أن نسبة استهلاك المخدرات لا تزال أقل مقارنة بعدد من الدول الأفريقية والأوروبية، إلا أن المؤشرات الحالية تدعو إلى القلق بسبب تزايد الظاهرة، مما يتطلب تعزيز جهود الوقاية والمكافحة، وبخاصة في أوساط الشباب والمراهقين، موضحاً أن المخدرات لم تعد مجرد مشكلة اجتماعية في الجزائر، بل تحولت إلى قضية تمس الأمن القومي، مما يستدعي تضافر جهود جميع مؤسسات الدولة ومختلف فئات المجتمع لمواجهة هذه الظاهرة المتنامية.

وأحصت المصالح ذاتها خلال عام 2025، أكثر من 176 ألف قضية، مع تورط أكثر من 192 ألف مشتبه فيه، وأسفرت العمليات الأمنية عن حجز كميات كبيرة من مختلف أنواع المخدرات، بلغت سبعة أطنان و99 كلغ و348 غراماً من القنب الهندي، و665 كلغ و738 غراماً من الكوكايين، إضافة إلى كيلوغرامين و710 غرامات من الهيروين، و20 مليوناً و535 ألفاً و101 قرص مهلوس.

بينما عرف عام 2024 حجز خمسة أطنان و697 كلغ من القنب الهندي، و377 كلغ من الكوكايين، وكيلوغرام واحد و426 غراماً من الهيروين، إلى جانب 14 مليون من الأقراص المهلوسة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"حرب غير معلنة"

ويبدو أن ظاهرة تهريب وترويج واستهلاك المخدرات باتت تهدد استقرار وأمن الجزائر بصورة جدية، إذ دفعت كميات المخدرات الضخمة المحجوزة ونسب الاستهلاك المرتفعة السلطات إلى المسارعة لقانون مكافحة مخدرات يشدد العقوبات ضد المروجين والمهربين وصولاً إلى الإعدام، ويفرض إجراءات وقائية على المواطنين بمن فيهم تلامذة المدارس وطالبو الوظائف.

وكان الرئيس عبدالمجيد تبون أكد أن الجزائر تتعرض لحرب غير معلنة، سلاحها المخدرات بكل أنواعها، "تشنها قوى الشر لإضعاف أجيال من الشباب وكسر سلم القيم الاجتماعية الجزائرية الذي لا تزال بلادنا تقاوم للحفاظ عليه وتتشبث به". ودعا إلى اعتماد مقاربة شاملة لمحاربة هذه الظاهرة تبدأ بآليات ميدانية لمحاصرة الظاهرة بالتوعية والمتابعة والعلاج، وتنتهي بالردع وتسليط أقصى العقوبات على تجار ومستهلكي المخدرات، "خصوصاً الصلبة منها لحماية شبابنا من هذه الآفة الغريبة".

جملة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية

وفي السياق، أكد الباحث في علم الاجتماع حسين زوبيري أن الجزائر لا تعاني نقصاً في القوانين، أو ضعفاً في صرامة العقوبات، إضافة إلى أن مختلف الأجهزة الأمنية تبذل جهوداً لافتة في التصدي لعمليات التهريب والترويج، غير أن هذه الإجراءات لم تمنع من تصاعد الظاهرة، سواء من حيث عدد المستهلكين أو من حيث تنوع المواد المخدرة، مشيراً إلى أن التحول الأبرز يتمثل في توسع دائرة الفئات الاجتماعية المعنية، إذ لم يعد استهلاك المخدرات يقتصر على فئة الشباب فحسب، بل شمل النساء والأطفال، إضافة إلى مختلف الشرائح الاجتماعية، بما فيها الفئات الميسورة.

وربط زوبيري، انتشار المخدرات بجملة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية، وفي مقدمها البطالة، فضلاً عن أزمة السكن التي لا تزال تؤثر في شريحة واسعة من المجتمع، مضيفاً أن الأمر لا يقتصر على البعد الاقتصادي فقط بل يمتد إلى أبعاد ثقافية واجتماعية، مما يستدعي فهمها ضمن رؤية شاملة لمعالجة الظاهرة من جذورها. وشدد على أهمية مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وعلى رأسها الأسرة، بناءً على وجود علاقة وثيقة بين التفكك الأسري وتوجه الشباب نحو المخدرات، وختم بأن المعالجة لا يمكن أن تعتمد على القوانين فحسب، بل تستوجب تبني مقاربة اجتماعية وثقافية شاملة، ترتكز على فهم الأسباب العميقة.

محاصرة المستهلكين وتحييد رؤوس الشبكات

ووفق ما سبق، فإن إعداد خريطة وطنية لانتشار المخدرات لا يمكنه وضع حد للظاهرة بقدر ما يسمح بمحاصرة المتعاطين والمستهلكين، وتحييد رؤوس شبكات التهريب والترويج، لا سيما أن الخطوة تنطلق من أربع دراسات ميدانية متخصصة تشمل دراسة وبائية في الوسط العام، وأخرى في الوسط المدرسي، إضافة إلى دراسة في الوسط الجامعي، ودراسة خاصة بالوفيات الناجمة عن الجرعات الزائدة.

إلى ذلك، يرى الحقوقي سمير شافعي أن آفة المخدرات باتت تنخر المجتمع على رغم المجهودات المبذولة من طرف المصالح المتخصصة، بالتالي فإن مواجهة الظاهرة تتطلب استعمال آليات وتقنيات أكثر علمية، مضيفاً أنه من الضروري إعداد استراتيجية وطنية للوقاية من الجرائم المتعلقة بالمخدرات بالتركيز على التوعية، ومن خلال تفعيل دور المساجد والمراكز الثقافية والترفيهية والرياضية، إلى جانب استغلال مواقع التواصل الاجتماعي والتوعية الأسرية وتحسيس الأولياء من خلال تفعيل دور المنصة الرقمية "العائلة تستشير" المستحدثة من طرف وزارة التضامن، إضافة إلى إصدار النصوص التنظيمية المحددة للأحكام من خلال الفهرس الوطني الإلكتروني للوصفات الطبية المتعلقة بالمؤثرات العقلية والمخدرات، وأهمية التجسيد الميداني للأحكام المستحدثة في القانون ووضع بروتوكول علاجي لإزالة الإدمان.

وأبرز شافعي أن هذه الظاهرة إحدى أخطر التحديات التي تواجه الجزائر، بالنظر إلى آثارها السلبية على الفرد والمجتمع، لا سيما فئة الشباب، وقد باتت قضية وطنية ذات أبعاد أمنية وصحية واجتماعية، مشدداً على أن الدولة اختارت التعامل مع آفة المخدرات وفق رؤية استراتيجية شاملة ومتعددة الأبعاد، اعتمدت على منهج تكاملي مترابط يجمع بين الوقاية والعلاج والردع، لكن في ظل الهجمة التي تستهدف البلاد بهذه السموم، أصبح من الضروري التفكير في حلول علمية تستهدف وضع استراتيجية جديدة لمواجهة انتشار المخدرات، مع تقديم آليات أكثر فاعلية للوقاية والتكفل.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير