Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أصعب من كفالة الأطفال في الجزائر إجراءاتها المعقدة

يواجه عدد من الراغبين فيها مساراً إدارياً وقضائياً طويلاً يمتد لأشهر وأعوام ومتخصصون: مؤسسات الرعاية لا تعوض الأسرة

يطرح الواقع تساؤلات حول ما إذا كانت التعقيدات الإدارية قد أصبحت عائقاً أمام حق الطفل في النمو داخل أسرة (مواقع التواصل)

ملخص

لا تمنح الكفالة بمجرد تقديم الطلب، إذ يشترط القانون تسجيل الملف لدى قاضي الأحداث المتخصص إقليمياً، والذي يملك صلاحية دراسة الملف، وطلب تحقيق اجتماعي، والاستعانة بالهيئات المتخصصة، واختيار الكفيل من القائمة المعدة مسبقاً أو من خارجها إذا اقتضت المصلحة الفضلى للطفل ذلك.

عاد ملف الأطفال المحرومين من الوسط العائلي إلى صدارة النقاش العام، إثر المأساة التي شهدتها دار الطفولة المسعفة بالمحمدية في الجزائر العاصمة، إذ يواجه عدد من الراغبين في كفالة طفل مساراً إدارياً وقضائياً يوصف بأنه طويل ومعقد يمتد في بعض الحالات لأشهر بل لأعوام.

وبينما تهدف هذه الإجراءات إلى ضمان مصلحة الطفل ومنع أي استغلال محتمل، يطرح الواقع تساؤلات حول ما إذا كانت التعقيدات الإدارية قد أصبحت عائقاً أمام حق الطفل في النمو داخل أسرة، في وقت تتزايد الضغوط على مراكز الطفولة المسعفة، ومدى فعالية نظام الكفالة في تمكين هؤلاء الأطفال من الاندماج داخل أسر بديلة تضمن لهم رعاية اجتماعية وقبلها استقراراً نفسياً.

ويضع هذا الواقع السلطات العمومية أمام معادلة دقيقة، كيف يمكن الحفاظ على صرامة الرقابة القانونية التي تحمي الطفل، من دون أن تتحول هذه الرقابة إلى سبب في إطالة بقائه داخل المؤسسات بدل احتضانه في بيئة أسرية مستقرة؟

وكان 11 شخصاً لقوا حتفهم  وأصيب 19 آخرون  إثر حريق اندلع داخل دار الطفولة المسعفة في المحمدية شرقي العاصمة الجزائرية في يوليو (تموز) الماضي، وفتحت السلطات تحقيقاً للكشف عن أسباب الحريق وملابساته.

منظومة قانونية صارمة

حدد المرسوم التنفيذي رقم 12-04 المؤرخ في الرابع من يناير 2012، والمتضمن القانون الأساس النموذجي لمؤسسات الطفولة المسعفة، الأطفال المسعفين بأنهم "الذين لا تتجاوز أعمارهم 18 سنة، وهم في حال خطر أو محرومون من الرعاية العائلية الطبيعية، ويحتاجون إلى إيواء وحماية وتربية".

ونظم المرسوم التنفيذي رقم 16-334 الصادر عام 2016، شروط وكيفيات إسناد الأطفال المحرومين من الوسط العائلي إلى أشخاص أو عائلات جديرة بالثقة ضمن نظام الكفالة المعتمد في الجزائر، والذي يختلف عن نظام التبني الممنوع قانوناً بموجب أحكام الشريعة وقانون الأسرة الجزائري.

ويضع المرسوم مجموعة من الشروط الأساس للكفيل، أبرزها أن يكون جزائري الجنسية، وحسن السيرة والسلوك والسمعة، ويتمتع بالحقوق المدنية والسياسية والسلامة الجسدية والنفسية، ويمتلك القدرة المالية الكافية لتلبية حاجات الطفل، والخضوع لتحقيق اجتماعي قبل منح الكفالة.

ولا تقتصر هذه الشروط على مرحلة دراسة الملف، بل تمتد إلى ما بعد إسناد الطفل، إذ يخضع الكفيل لمتابعة دورية من قبل قاضي الأحداث ومصالح الوسط المفتوح، التي تنجز زيارات ميدانية وتقارير اجتماعية للتأكد من استمرار توفر شروط الرعاية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا تمنح الكفالة بمجرد تقديم الطلب، إذ يشترط القانون تسجيل الملف لدى قاضي الأحداث المتخصص إقليمياً، والذي يملك صلاحية دراسة الملف، وطلب تحقيق اجتماعي، والاستعانة بالهيئات المتخصصة، واختيار الكفيل من القائمة المعدة مسبقاً أو من خارجها إذا اقتضت المصلحة الفضلى للطفل ذلك.

ويلزم القانون الكفيل بإبلاغ القاضي بأي تغيير يطرأ على محل إقامته أو وضعه الاجتماعي أو المهني، بينما يمكن للقاضي إنهاء الكفالة إذا ثبت الإهمال أو سوء المعاملة أو فقدان أحد الشروط القانونية.

وتتولى الهيئة الوطنية لحماية وترقية الطفولة مهمة السهر على حقوق الطفل، وتنسيق الجهود بين مختلف القطاعات الوزارية (كالتضامن الوطني والشباب) لضمان مرافقة هذه الفئة، وإعداد برامج خاصة لإدماجهم الاجتماعي والمهني، لا سيما عند بلوغهم السن القانونية الذي تنتهي فيه الرعاية المؤسساتية.

كذا صادقت الجزائر في الـ19 من ديسمبر (كانون الأول) 1992 على الاتفاق الدولي لحقوق الطفل المعتمدة في الـ20 من نوفمبر (تشرين الثاني) 1989، مؤكدة التزامها بحماية وتعزيز حقوق كل طفل.

وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) أن الرعاية الأسرية تعد الخيار الأفضل لنمو الطفل مقارنة بالإيواء طويل الأمد داخل المؤسسات، إذ تشير الدراسات الدولية إلى أن الأطفال الذين ينشأون داخل أسر بديلة يتمتعون بنتائج أفضل على المستويات النفسية والاجتماعية والتعليمية مقارنة بالأطفال المقيمين لفترات طويلة داخل دور الرعاية.

وتدعو الأمم المتحدة، من خلال المبادئ التوجيهية للرعاية البديلة للأطفال التي اعتمدتها الجمعية العامة عام 2009، إلى جعل الرعاية الأسرية الخيار الأول للأطفال المحرومين من الوسط العائلي، وعدم اللجوء إلى الإيواء المؤسسي إلا عند الضرورة القصوى ولأقصر مدة ممكنة.

وتوصي "اليونيسيف" بتطوير برامج الدعم الاجتماعي والنفسي للعائلات الكافلة، وتبسيط الإجراءات الإدارية مع الإبقاء على الضمانات القضائية اللازمة لحماية الطفل.

مسار طويل ومعقد

وتزايدت على منصات التواصل الاجتماعي دعوات إلى تسريع إجراءات الكفالة، مع مطالب بمراجعة الآليات الإدارية والقضائية بما يحقق التوازن بين حماية الطفل، وضمان حقه في العيش داخل بيئة أسرية مستقرة.

ولا تقتصر رحلة الكفالة في الجزائر على تقديم طلب إداري، بل تمر عبر سلسلة من الإجراءات القانونية والاجتماعية والقضائية. وتشمل إعداد الملف الإداري، وإجراء التحقيقات الاجتماعية، والتأكد من أهلية الأسرة مادياً ونفسياً واجتماعياً، قبل إحالة الملف إلى الجهات القضائية المتخصصة للفصل فيه.

غير أن غياب آجال زمنية واضحة لإنهاء بعض المراحل، وتعدد المتدخلين في معالجة الملف، قد يؤديان إلى تفاوت كبير في مدة الفصل بين ولاية وأخرى، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى إمكانية توحيد الإجراءات وتسريعها من دون المساس بالضمانات القانونية.

ويرى متخصصون في القانون، أن فلسفة التشريع الجزائري تقوم أساساً على حماية الطفل باعتباره الطرف الأضعف، لذلك تخضع ملفات الكفالة إلى رقابة دقيقة للتأكد من صلاحية الأسرة الكافلة وقدرتها على توفير بيئة سليمة ومستقرة.

لكن متخصصين في المجال الاجتماعي يلفتون إلى أن المشكلة لا تكمن دائماً في النصوص القانونية، بل في كيفية تطبيقها، وفي طول المسار الإداري وتداخل صلاحيات مختلف الهيئات، مما قد يحول الإجراءات الاحترازية إلى مصدر تأخير ينعكس مباشرة على مستقبل الطفل.

في هذا الخصوص، يقول المحامي الجزائري زيبحة زيدان إن المشرع الجزائري سهل إجراءات كفالة الأطفال في المواد 116 و117 و118 من قانون الأسرة وجعلها أكثر وضوحاً، موضحاً أن "هناك إجراءات بيروقراطية عطلت الملفات وكبحت الإسراع في تنفيذ هذه الإجراءات والاستجابة لطلبات الأسر لكفالة طفل".

من جهته، يؤكد رئيس الشبكة الجزائرية "ندى" للدفاع عن حقوق الطفل عبدالرحمن عرعار وجود طلبات كثيرة لكفالة أطفال لدى الأسر في الجزائر وحتى تلك المقيمة خارج البلاد، لكنها تصطدم بعراقيل بيروقراطية واقعية تحول دون تحقيق الرغبة في ذلك.

وأشار عرعار إلى أن من بين العراقيل المسجلة طول مدة دراسة الملفات، بداية من إيداع الطلب، مروراً بالتحقيقات، وصولاً إلى وضع الطفل داخل العائلة الكافلة. داعياً إلى تقليص مدة دراسة الملفات وإعطاء أجوبة واضحة ومقنعة لطالبي التكفل بطفل.

ضغط متزايد وحلول

ولا يوجد إحصاء رسمي دقيق وموحد حديثاً بالعدد الإجمالي المطلق لمراكز الطفولة المسعفة في الجزائر، لكن البيانات الرسمية من الدليل الحكومي الجزائري ووزارة التضامن تشير إلى وجود عشرات المؤسسات الإيوائية الموزعة عبر أكثر من 41 ولاية، والتي تتكفل برعاية الأطفال مجهولي النسب وإدماجهم، وتشمل دور الطفولة المسعفة ومراكز الطفولة في خطر، وتستقبل آلافاً من الأطفال المحرومين من الوسط العائلي سنوياً، سواء بسبب اليتم أو التخلي أو صدور أوامر قضائية بالحماية.

وتعرف الطفولة المسعفة في القانون الجزائري بأنها تشمل الأطفال المحرومين من الأسرة نهائياً (مجهولي النسب، والأيتام، أو من تخلت عنهم عائلاتهم بقرار من قاضي الأحداث). وتواجه مراكزها تحديات متزايدة مع استمرار استقبال الأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية، في وقت لا يغادر عدد منهم هذه المراكز بالوتيرة نفسها عبر نظام الكفالة.

ويؤكد متخصصون في حماية الطفولة أن الإقامة الطويلة داخل المؤسسات، مهما كانت جودة الخدمات المقدمة، لا يمكن أن تعوض الاستقرار العاطفي الذي توفره الأسرة، وبخاصة خلال الأعوام الأولى من عمر الطفل التي تعد حاسمة في بناء شخصيته وتوازنه النفسي.

ويرى هؤلاء أن كل شهر إضافي يقضيه الطفل داخل المؤسسة يمثل زمناً ثميناً يفقده في بيئة أسرية طبيعية، مما يجعل تسريع الإجراءات، مع الحفاظ على الضمانات القانونية، هدفاً يخدم مصلحة الطفل قبل أي طرف آخر.

كذا تبرز تحديات أخرى، من بينها عزوف بعض الأسر عن كفالة الأطفال الأكبر سناً، مما يجعل فرص اندماج هؤلاء داخل أسرة جديدة أكثر صعوبة مع مرور الوقت. وفي هذا السياق، تشدد رئيسة "جمعية الطفل البريء" وهيبة تامر، على أن العائلة تبقى البيئة الطبيعية التي لا يمكن تعويضها بالنسبة إلى الطفل. داعية إلى الإسراع في تلبية طلبات العائلات التي تسعى إلى التكفل بأطفال، مشيرة إلى وجود عائلات أودعت ملفات ولا تزال تنتظر منذ 10 أعوام للفصل فيها.

ولا يقتضي تحسين منظومة الكفالة بالضرورة مراجعة شاملة للقانون، بل يمكن أن يبدأ بإصلاحات إجرائية، من بينها رقمنة مسار الملفات، وتعزيز التنسيق بين قطاعي العدالة والتضامن، وتوفير موارد بشرية كافية، وتحديد آجال معقولة لمعالجة الطلبات، مع تعزيز المتابعة اللاحقة للأطفال والأسر الكافلة.

كذا تبرز الحاجة الملحة لإجراء تقييم وطني شامل لتجربة الكفالة في الجزائر، يحدد أسباب التأخير بدقة، ويقارنها بالتجارب المعتمدة في دول أخرى تعتمد نظام الكفالة، بهدف الاستفادة من الممارسات التي تحقق التوازن بين حماية الطفل وسرعة إدماجه داخل أسرة.

وبين مقتضيات الرقابة القضائية ومتطلبات السرعة، يبدو أن تطوير نظام الكفالة في الجزائر سيظل أحد أهم التحديات المرتبطة بحماية الطفولة خلال الأعوام المقبلة، خصوصاً مع تنامي المطالب المجتمعية بتعزيز الرعاية الأسرية باعتبارها البيئة الأكثر ملاءمة لنمو الأطفال المحرومين من الوسط العائلي.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير