Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تنهي الانتخابات التشريعية المغربية أسباب "الهروب الكبير"؟

إن معالجة تلك الظاهرة لا تبدأ عند الأسلاك الشائكة لسبتة بل بإصلاحات اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية تعيد للشباب الإحساس بأن المستقبل يمكن أن يبنى داخل الوطن

عدد كبير من الشبان الذين عبروا بطريقة غير قانونية إلى سبتة يعودون عبر الحدود تحت أنظار القوات الحكومية الإسبانية في 1 أغسطس الحالي (رويترز)

ملخص

على بعد نحو ستة أسابيع من إجراء الانتخابات التشريعية المغربية، يشير مراقبون وأحزاب إلى أن حل مسببات "النزوح الكبير" يكمن في الاستحقاقات المقبلة التي ستتم في الـ23 من سبتمبر (أيلول) المقبل، مما يطرح تساؤلات حول مدى إمكان ذلك في ظل تنامي العزوف عن العمل السياسي الذي يشهده المغرب منذ سنوات، بسبب انعدام الثقة في المجال السياسي، مما يشكل أحد أسباب الرغبة في الهجرة.

لا يزال الجدل قائماً حول أسباب وتداعيات "الهروب الكبير"، بعد أسبوع من زحف نحو 72 ألف شخص من المغرب نحو مدينة سبتة، بحسب إحصاءات السلطات الإسبانية، وفي حين تكثر التأويلات حول دواعي ذلك النزوح باعتباره رد فعل سياسي مغربي من التقارب الإسباني - الجزائري، أو أنه تم بإيعاز من الإدارة الأميركية التي تسعى إلى الانتقام من موقف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بخصوص الحرب على إيران، أو باعتباره نتيجة تضليل على مواقع التواصل بخصوص فتح الحدود بين المغرب ومدينة سبتة، إثر قرار المحكمة الإسبانية العليا القاضي بمنع ترحيل المهاجرين القادمين عبر البحر، تظل الأسباب الرئيسة، بحسب تقارير حقوقية، مرتبطة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، في ظل ارتفاع نسبة البطالة وتراجع القدرة الشرائية بسبب ارتفاع أسعار المواد الأساسية.

وعلى بعد نحو ستة أسابيع من إجراء الانتخابات التشريعية، يشير مراقبون وأحزاب إلى أن حل مسببات ذلك النزوح يكمن في الاستحقاقات المقبلة التي ستتم في الـ23 من سبتمبر (أيلول) المقبل، مما يطرح تساؤلات حول مدى إمكان ذلك في ظل تنامي العزوف عن العمل السياسي الذي يشهده المغرب منذ سنوات، بسبب انعدام الثقة في المجال السياسي مما يشكل أحد أسباب الرغبة في الهجرة.

هجرة جماعية والسبب واحد

ترتبط الرغبة في الهجرة بالمغرب بالسعي وراء تغيير الوضع المادي بالأساس، وهو ما دفع عدداً من الشباب منذ عقود، ممن لا يسمح لهم وضعهم بالحصول على تأشيرة سفر بسبب البطالة أو الفقر، إلى البحث عن سبل العبور نحو أوروبا بطريقة غير شرعية، ولو سباحة إلى مدينتي سبتة ومليلية الخاضعتين للسيادة الإسبانية.

من جانبه، أرجع تقرير ميداني لـ"العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الانسان" أسباب "الهروب الكبير" إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، إذ أشار إلى أنه "من خلال الاستماع إلى عدد من الشباب تبين أن الدوافع الأساسية للهجرة غير النظامية ترتبط بتفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة خصوصاً في صفوف الشباب، وصعوبة تحصيل فرص العمل اللائق والخدمات الأساسية، إلى جانب شعور متزايد بفقدان الأمل في تحقيق الاندماج الاقتصادي والاجتماعي داخل البلاد، وهو ما دأبت على رصده عدد من التقارير الوطنية والدولية في شأن ارتباط الهجرة القسرية بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية".

وشددت النائبة عن حزب "العدالة والتنمية" المغربي ثورية عفيف على كون "مشهد النزوح نحو سبتة لم يكن حدثاً عابراً، بل كان صرخة مدوية أطلقتها فئة واسعة من الشباب المغربي في وجه واقع يتآكل فيه الأمل، وتتراجع فيه الثقة في المؤسسات المنتخبة، وتضيق فيه آفاق المستقبل"، موضحة أنه "لا يمكن فهم ما جرى بعيداً من الأرقام الصادمة التي تتحدث عن وجود ما يقارب 4 ملايين شاب من فئة NEET، أي ممن هم خارج منظومة التعليم والتكوين وسوق الشغل، فهذا الرقم لا يمثل مجرد مؤشر إحصائي، بل يعكس خللاً عميقاً في سياسات الدمج الاقتصادي والاجتماعي، ويكشف عن عجز متنام في استثمار طاقات الشباب وتحويلها إلى قوة إنتاج وإبداع، إنها كتلة بشرية تعيش على هامش التنمية، من دون أفق واضح أو مشروع يبعث على الثقة في المستقبل".

وأوضحت عفيف أنه "لا يمكن فصل هذه المأساة عن الارتفاع غير المسبوق في معدلات بطالة الشباب، التي بلغت مستويات قياسية، حتى أصبح الحصول على فرصة عمل حلماً بعيد المنال بالنسبة إلى آلاف الخريجين والشباب"، مشيرة إلى أن "البطالة هنا ليست مجرد غياب للدخل، بل هي تقويض للكرامة، وإضعاف للإحساس بالجدوى، وتغذية مستمرة للإحباط، بما يدفع كثيرين إلى البحث عن أي منفذ، مهما كان محفوفاً بالأخطار"، مؤكدة أن "الوضع يزداد تعقيداً مع تراجع منسوب الثقة في مؤسسات تدبير الشأن العام، واستمرار مظاهر الفساد والزبائنية والريع في مجالات متعددة، إذ يشعر كثير من الشباب بأن تكافؤ الفرص أصبح استثناء، وأن المناصب والنجاح ترتبط بالنفوذ والعلاقات أكثر مما ترتبط بالكفاءة والاستحقاق، وعندما تهتز الثقة في عدالة المؤسسات، يتراجع الإيمان بالمستقبل، وتتسع دائرة الاغتراب داخل الوطن".

الانتخابات هي الحل؟

ويقول مراقبون إن الانتخابات التشريعية المقبلة تعتبر مرحلة حاسمة لإنهاء الاختلالات البنيوية التي تشكل السبب الرئيس في النزوح المتكرر نحو مدينتي سبتة ومليلية، وأوضح المحلل السياسي هشام معتضد أن "اختزال ما وقع في سبتة في البعد الاقتصادي وحده يشكل قراءة غير مكتملة"، موضحاً أن "الهجرة غير النظامية هي نتيجة تفاعل بين عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية ورقمية وأمنية، وهو ما أكدته المعطيات الرسمية التي أبرزت دور التضليل الرقمي وشبكات الاتجار بالبشر في توجيه آلاف الشباب نحو خيارات عالية الخطورة، لذلك فإن الانتخابات المقبلة لا ينبغي أن تطرح باعتبارها مجرد آلية لتغيير الغالبية الحكومية، بل باعتبارها فرصة لإعادة بناء العقد التنموي بين الدولة والمواطن، خصوصاً في ما يتعلق بفرص العمل، والعدالة المجالية، والدمج الاقتصادي للشباب".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويؤكد المحلل السياسي هشام معتضد أن معالجة ظاهرة "الهروب الكبير" ليست مسؤولية أمنية فقط، كما أنها ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل هي "اختبار لقدرة المنظومة السياسية التي ستفرزها الاستحقاقات التشريعية المقبلة على تحويل الاستقرار السياسي الذي يتمتع به المغرب إلى استقرار اجتماعي واقتصادي يترجم في حياة المواطنين اليومية"، موضحاً أنه "كلما نجحت الدولة في إنتاج الأمل، تقلصت المساحة التي تتحرك فيها شبكات التضليل والاتجار بالبشر"، مشيراً إلى أن "أحد الدروس المستقاة من أحداث سبتة توضح أن مسألة الأمن لم تعد تعالج عند الحدود، بل تبدأ من جودة السياسات العمومية داخل الدولة، فكل استثمار ناجح، وكل فرصة عمل، وكل مدرسة أو مركز للتكوين، وكل مشروع تنموي في المناطق الأكثر هشاشة، يمثل في جوهره استثماراً في الأمن القومي"، ومن هذا المنطلق، فإن "نجاح انتخابات 2026 لن يقاس بنسبة المشاركة أو بتشكيل الغالبية فقط، وإنما بقدرتها على إنتاج شرعية الإنجاز، أي حكومة قادرة على تقليص الفوارق الاجتماعية، وتحويل النمو الاقتصادي إلى أمل ملموس، لأن الأمل هو السد الاستراتيجي الأكثر فعالية في مواجهة الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة والتطرف"، على حد تعبيره.

أزمة ثقة

وأفادت السلطات الإسبانية بأن 70 ألف مهاجر عادوا للأراضي المغربية من أصل 72 ألفاً ممن نزحوا إلى مدينة سبتة خلال ثلاثة أيام، فهل تعيد الانتخابات المقبلة الثقة لهؤلاء العائدين، ولأقرانهم الذين يعيشون الوضعية نفسها، في إمكان أن تغير تلك الاستحقاقات وضعهم الاقتصادي؟

 يوضح الباحث في علم الاجتماع محمد حبيب أنه "لا يمكن من منظور علم الاجتماع السياسي اختزال ما جرى في محاولة العبور الجماعي نحو سبتة بعامل اقتصادي صرف، ولا بمجرد رد فعل ظرفي، بل هو تعبير عن أزمة ثقة متعددة الأبعاد، فالشاب الذي يخاطر بحياته لا يعبر فقط عن رغبته في تحسين دخله، وإنما يبعث برسالة مفادها بأنه لم يعد يرى في محيطه الحالي فرصاً كافية لتحقيق مشروع حياة كريم. لذلك، فإن الانتخابات التشريعية المقبلة لن تستعيد ثقة هذه الفئة بمجرد تنظيمها، وإنما بقدرتها على إنتاج نخب وبرامج وسياسات عمومية تستجيب فعلاً لانتظارات الشباب في مجالات التشغيل والتعليم والسكن والعدالة الاجتماعية"، مشيراً إلى أن "ثقة الشاب الذي حاول الهجرة بالعملية الانتخابية لن تبنى على الخطاب السياسي وحده، بل على التجربة المتراكمة".

ويشدد الباحث في علم الاجتماع محمد حبيب على أن "التحدي الحقيقي أمام الانتخابات المقبلة ليس فقط تحقيق نسبة مشاركة مرتفعة، بل استعادة الثقة باعتبارها رأس المال الأساس لأي نظام ديمقراطي، فالمواطن لا يصوت لأنه يطلب منه ذلك، وإنما لأنه يعتقد أن صوته قادر على التأثير في السياسات العامة، وكلما اتسعت الفجوة بين هذا الاعتقاد والواقع، ازدادت احتمالات العزوف أو البحث عن بدائل خارج الحدود، ومن هنا، فإن معالجة ظاهرة ’الهروب الكبير‘ لا تبدأ عند الأسلاك الشائكة لسبتة، بل تبدأ بإصلاحات اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية تعيد للشباب الإحساس بأن المستقبل يمكن أن يبنى داخل الوطن".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات