ملخص
يستأنف الكاتب التونسي محمد عيسى المؤدب مسيرته القصصية والروائية من حيث انتهى، فيمضي إلى تجربة جديدة في روايته الصادرة حديثاً (2025) عن "دار ميسكلياني – تونس" بعنوان "الجندي المجهول"، ومن المعلوم أن الكاتب التونسي فاز بـ "الجائزة الوطنية لأدب الشباب" في تونس عن روايته "الجبل في مدينة الهوارية"، وله كثير من الإصدارات مثل "عرس النار" و"جهاد ناعم" وغيرهما.
في حكاية رواية "الجندي المجهول" منذ الصفحة الأولى أن امرأة شابة تدعى نائلة المليكي أتت زائرة قبر "الجندي المجهول" على مقربة من بيت العجوز ثامر عبداللطيف فوجدها تبكي، ولما سألها عن حالها أجابته بأنها تحتاج إلى منزل يؤويها ويستر ضعفها وانقطاع رزقها، فلم يرد لها طلباً، وقال لها إن لها مكاناً في منزله في غرفة ابنته الوحيدة التي قتلت على يد مسلحين متشددين بعد موت زوجته.
وعلى هذا فإن اللقاء بين الشخصيات الذي يجري تباعا، ولا سيما في الفصل الأول من الرواية، يتبدى لاحقاً على أنه لقاء بين الرواة تجمعهم المصادفة والخشية من إزالة نصب "الجندي المجهول"، وكان لكل منهم حكايته التي تتقاطع مع حكاية المضيف ثامر عبداللطيف، وبهذا راح يتسع مدى الحكايات ويستعر خيط السرد، حيناً بمعونة مخطوطات تعود لتونس القديمة، وحينا آخر بالعودة لمخطوطات تنتمي لتاريخ الاستعمار الإسباني لتونس، وفيها انتهاك لأبسط القيم التي يحتفي بها العربي ولا يحيا من دونها، عنيت شرفه وكرامته وعرضه.
الفصول والليالي
تنقسم الرواية بحسب منظور الكاتب فصولاً ستة، والفصل الخامس فيها ينقسم دون سائر الأقسام إلى ست ليال متتالية، على أن يتولى الفصل السادس مهمة الختام، ولو تتبعنا مجريات الفصول الخمسة الأوائل لوجدناها توفر الإطار العام (المكاني والزماني) للمضي في سرد الحكايات المتصلة، بل المتقاطعة مع حكاية نصب الجندي المجهول، على أن وظيفة هذه الفصول المشار إليها بعلامات مطبعية غير متناسبة مع وظيفتها، عنيت الأرقام العربية بالحرف 12 (12345)، هي التعريف بشخوص الرواة الذين يظهرون واحداً بعد آخر.
في مستهل الرواية تظهر شخصية ثامر عبداللطيف وفي جعبته حكايته الأساس التي تلخص بكونه عجوزاً فقد امراته، ثم قتلت ابنته على يد متطرفين عند الحدود التونسية - الجزائرية، ولا يملك في الدنيا سوى مكتبة قضى العمر لتجميعها، ومع ذلك أبدى استعداداً لاستقبال الناس ترويحاً عن نفسه وتخفيفاً من وحشته، وبناء على هذا الاستعداد النفسي تأتي وفادة المرأة الشابة نائلة المليكي التي وقفت باكية على عتبة نصب الجندي المجهول، وشاكية للشيخ ثامر بؤس حالها بعد طرد زوجها لها من المنزل وتجريدها من أسباب عيشها، وحاجتها إلى مأوى يقيها شرور الدنيا، والشيق في الأمر أن نائلة هذه تحمل في جعبتها حكايا وتدرك خباياً ماثلة في مخطوطات ستنكشف تباعاً بعد أن تتوطد صلتها بالمضيف ثامر عبداللطيف.
ولم تلبث شخصية ثالثة أن خرجت إلى الوجود وهي السيدة أم الخير التي استخلصها ثامر عبداللطيف من مأوى العجزة بمدينة منوبة لتقيم عنده شريكة في المنزل، ومساهمة في خدمة النازلين فيه بعد أن أعياها إهمال أبنائها لها وموت زوجها، وللصدف الجميلة كانت هذه السيدة تملك بدورها موهبة الغناء وتؤدي مقاطع من أغان تونسية وجدانية معروفة لمغنين مشهورين، كلما شعرت أن المقام يستدعي ذلك، على غرار ما هو حاصل في حكايات "ألف ليلة وليلة"، إذ يواكب الشعر حالات الشخصيات المهيمنة.
بيت السعادة
وعند اكتمال صوغ الشخصيات تبدأ مرحلة تالية وهي مرحلة التصرف بحكاية "الجندي المجهول" كما وردت في المخطوطات النفيسة التي وقعت بين أيدي هؤلاء الشخصيات الذين اتضح من متن الرواية والليالي الست، المكونة للفصل الخامس، أنهم جميعا هواة كتب ومجمعون لها، في الأقل، وأن محبة الكتب وجمعها والتداول بأخبارها وحكاياتها، هي ما شكل المناخ الثقافي الذي شاءه الكاتب إطاراً عاماً للمرويات التي تقاطعت مع حكاية "الجندي المجهول".
أما ما أراده الكاتب من جعل أم الخير، طبعاً بالاتفاق مع المضيف ثامر عبداللطيف، تسمي المنزل حيث تقيم بـ "بيت السعادة"، فهو الإيحاء بأن المجريات سيحكمها من الآن فصاعداً إفصاح كل شخصية عن مخزونها الحكائي جلباً للراحة النفسية، على مبدأ الـ "كاتارسيس" أو التطهر الأرسطي، ففي الليلة الأولى تأمر أم الخير المضيف ثامر عبداللطيف بإطفاء التلفاز وتباشر غناء قصيدة محلية للشيخ العفريت، "الأيام كيف الريح في البريمه/غربي وشرقي ما يدومش ديمهْ".
ومن ثم تتولى نائلة المليكي رواية كيف أن والدها كان جامعاً للكتب، وكيف أنه أثث رفوف قشلة العطارين، وأنه كان يعمد إلى ترميم المخطوطات القديمة باعتبارها إرثاً حضارياً بل وإنسانياً ينبغي العناية به، وأن امرأة من التابعية الروسية تدعى زوبرلين أنفذت إليه بمخطوطة "الجندي المجهول" وكانت في حال زرية فأحسن ترميمها، ولمحاسن الصدف أن والد ثامر عبداللطيف ويدعى مصطفى، كان بدوره محباً للكتب النفيسة والمخطوطات، ومثله أيضاً كان يهوى ترميم المخطوطات، وقد شغف الفتى، أي ثامر عبداللطيف، بالكتب وحكاياتها، ولا سيما حكاية "الجندي المجهول" الذي دافع عن "شرف نساء حومة باب البنات فقتل العشرات من السبينيور شر قتلة"، على ما تقول الرواية. (ص:91)
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي ختام الليلة الأولى دعاه أحدهم وهو السي يحي إلى إعادة كتابة تلك الحكاية "على قاعدة صحيحة"، وفي الليلتين الثانية والثالثة ستتولى الراوية أو الحكواتية الثانية نائلة المليكي سرد حكايتها الخاصة المتفرعة عن الحكاية الأصل، بعد أن تمهد لها المغنية أم الخير بأغنية من خزين المغنية التونسية حبيبة مسيكة أو مارغريت مسيكة اليهودية الأصل بعنوان "نقطع التنهيده"، والتي ماتت شهيدة الحب: "نقطع التنهيدة من وسط قلبي، آه يا داي/ نقطع التنهيدة داري حذا دارو قلت بعيده".
ومفاد الحكاية الرديفة أن نائلة كانت قد التقت شاباً في مكتبة أبيها يبحث عن أحد الكتب النفيسة ("تقويم المسالك...") فوقعت في حبه، وتطورت الأمور بين الحبيبين حتى الزواج، ولكن نبيلاً هذا لعلة فيه لم يستطع أن يؤدي واجبه الزوجي كاملاً، فأعجزه أمر عن العلاقة الجنسية المطلوبة، وعندئذ انفتح باب التساؤلات على مصراعيه لدى نائلة وأخذت تشكك في علاقات نبيل بالوزير الذي وظفه لديه، ولكن الشكوك بالوقيعة لم تقف عند عجز نبيل الجنسي، علماً أن الكاتب المؤدب يأنف من استخدام التعابير الدالة على الفعل الجنسي، ويترك تأويل الأمر للقارئ، وإنما تعداها إلى تدبير سهرات للوزير في منزله الزوجي، تكون امرأته نائلة بطلتها والمرغوبة الوحيدة فيها.
الحكاية بصوت ثامر
وعلى هذا النحو من انفتاح عمليات التأويل للحكاية الأصلية "الجندي المجهول"، والذي مهّد له الكاتب بتكوين مناخ مناسب للحكي وشخصيات مؤهلة له، عشاق للكتب والمخطوطات، وسعاة إلى الحفاظ على التراث المكتوب الحي، الحامل قيم الوطنية والشرف، ينهض ثامر عبداللطيف برواية صيغته، بل حكايته الخاصة التي اقتبس بعض مفاصلها من المخطوطة الأصلية، وهذا مضمونها:
"في غابر الأزمان زحف الإسبان على حاضرة تونس لإعانة السلطان الحسن الحفصي على طرد العثمانيين من البلاد، وما كانوا يرتدون عن انتهاك حرمات الناس، فكان ثمة فتاة على قدر من الجمال باهر اسمها صفية، وهي وحيدة لسبعة أخوة، لمحها جندي إسباني كان يجول بصحبة زميله في حي باب البنات، فأراد أن يخطفها، عندئذ حصل عراك بين الجندي وعشيق صفية المدعو قاسم فتمكن الأخير منه، فما كان من الجندي الآخر إلا أن هجم على قاسم فردته صفية بصدرها وقُتلت على الفور، وعندئذ حصلت معركة مهولة بين رجال باب البنات وإخوة صفية السبعة وبين الجنود الإسبان، قتل على إثرها الأخوة الستة ولم يبق سوى خير الدين الذي بقي يقاتل الإسبان وهو مقطوع الرأس، إلى أن اندحر الإسبان عن سوق السكاجين، وعندئذ "تهاوى خير الدين أرضاً بلا حراك ثم سالت منه دماء غزيرة". (ص:144)
لا جدال في أن محمد عيسى المؤدب متأثر بـ "ألف ليلة وليلة" باعتبارها جزءاً من التراث الأدبي العربي والعالمي في آن، ولو شاء أن يجعل روايته ليالي عدة لأمكنه ذلك، ولكنه ارتضى أن يوقع حكايته في قالب هجين بين العربي الأصيل والغربي المعمول به، وكذا استخدامه للتاريخ التونسي الوسيط والمعاصر في آن، وإدخاله عنصر الغناء المحلي التونسي من أجل الإضاءة على مسألة التراث الحامل في طياته قيماً عزيزة، ومآثر وطنية ينبغي الاحتفاء بها، وبالكتاب "نعمَ الجليس والعدة، ونعمَ النشرة والنزهة" على قول الجاحظ.