Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تحولات البحر الأحمر تعيد رسم خريطة الإمدادات

أمن الملاحة المستدام يقوم على حماية العبور واحترام السيادة والقانون الدولي

وجود مسار بري بديل عن هرمز لا يلغي أهمية باب المندب (رويترز)

ملخص

وتظهر التداعيات بصورة أكثر وضوحاً في بيانات قناة السويس المصرية، فقد سجلت القناة في عام 2023 إيرادات بلغت 10.250 مليار دولار، قبل أن تتراجع في عام 2024 إلى 3.991 مليار دولار. 

في عالم تتشابك فيه المصالح الاقتصادية وتتسارع حركة التجارة والطاقة، لم تعد الممرات البحرية والمضايق الدولية مجرد مواقع جغرافية على الخرائط، بل أصبحت شرايين استراتيجية للاقتصاد العالمي. فوفقاً للأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد"، يُنقل أكثر من 80 في المئة من حجم التجارة العالمية للسلع بحراً، مما يجعل أمن الملاحة واستقرار طرق النقل البحري جزءاً أساساً من استقرار الاقتصاد الدولي وسلاسل الإمداد.

ومن بين هذه الممرات يبرز البحر الأحمر وباب المندب، باعتبارهما حلقة وصل بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط. ولذلك فإن أي اضطراب في هذه المنطقة لا يظل محصوراً في نطاقه الجغرافي، بل يمكن أن ينعكس على كلفة النقل والتأمين والطاقة ومدة الرحلات، وصولاً إلى الأسواق والمستهلكين في مناطق بعيدة من منطقة الأزمة.

وفي هذا السياق، أعلنت السعودية في 30 يوليو (تموز) الماضي عن خطة لتأسيس تحالف دفاعي بحري متعدد الجنسيات لتعزيز أمن الملاحة وطرق الطاقة والتجارة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.

إطار مؤسسي 

وشارك في اجتماع الرياض ممثلون عن 43 دولة والاتحاد الأوروبي، فيما أعلنت 14 دولة دعمها المبادرة، على أن تتولى السعودية قيادة التحالف واستضافة مقره.

ووفق ما نقلته وكالة "رويترز"، فإن المشروع لا يمثل قوة بحرية موحدة بدأت عملياتها بالفعل، وإنما هو إطار تأسيسي لتطوير التعاون البحري متعدد الأطراف.

وتكتسب الخطوة السعودية أهميتها من طبيعة باب المندب نفسه، ووفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية EIA، بلغ متوسط تدفقات النفط الخام والمنتجات النفطية عبر باب المندب نحو 4.2 مليون برميل يومياً خلال النصف الأول من عام 2025، بينما بلغ متوسط التدفقات عبر قناة السويس وخط أنابيب "سوميد" نحو 4.9 مليون برميل يومياً خلال الفترة نفسها. وتوضح هذه الأرقام أن أمن الممرات البحرية يرتبط بصورة مباشرة بأمن تجارة الطاقة العالمية.

ولا يتوقف أثر اضطراب الملاحة عند السفن التي تتعرض للخطر، إذ يكفي ارتفاع مستوى الأخطار لدفع شركات الشحن إلى استخدام طرق بديلة. وقد أظهرت بيانات "الأونكتاد" حجم هذا التحول، ففي مايو (أيار) 2025 كانت حمولة السفن العابرة لقناة السويس أقل بنحو 70 في المئة من مستويات عام 2023، بينما أدى تحويل السفن إلى طرق أطول حول رأس الرجاء الصالح إلى ارتفاع المسافات البحرية الإجمالية، المقاسة بالطن-ميل، بنسبة 5.9 في المئة خلال عام 2024.

وتظهر التداعيات بصورة أكثر وضوحاً في بيانات قناة السويس المصرية، فقد سجلت القناة في عام 2023 إيرادات بلغت 10.250 مليار دولار، قبل أن تتراجع في عام 2024 إلى 3.991 مليار دولار. 

مسار الإمدادات 

وانخفض عدد السفن العابرة من 26434 سفينة في 2023 إلى 13213 سفينة في 2024، فيما تراجعت الحمولات الصافية من نحو 1.568 مليار طن إلى 525 مليون طن. وهذه الأرقام توضح كيف يمكن لاضطراب الملاحة في البحر الأحمر أن يمتد تأثيره إلى ممر تجاري يقع شمال باب المندب بمئات الكيلومترات.

وتتصل هذه المعادلة بصورة مباشرة بالمصالح السعودية، فالرياض تمتلك خط أنابيب الشرق-الغرب الذي تبلغ طاقته الاسمية نحو 5 ملايين برميل يومياً، مع إمكانية رفعها موقتاً إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً، وهو ما يوفر مساراً لنقل النفط من شرق البلاد إلى ساحل البحر الأحمر بعيداً من مضيق هرمز. 

وفق EIA، بلغت نسبة صادرات النفط الخام السعودية المنقولة بحراً، التي بدأت رحلتها من ميناء ينبع على البحر الأحمر 18 في المئة في الربع الثاني من عام 2024، وهي أعلى نسبة في البيانات التي أوردتها الوكالة.

غير أن وجود مسار بري بديل عن هرمز لا يلغي أهمية باب المندب، فالنفط الذي يصل إلى الساحل الغربي للبلاد يحتاج إلى ممر بحري آمن للوصول إلى الأسواق الخارجية.

هنا يتضح أن أمن البحر الأحمر أصبح جزءاً من استراتيجية أوسع لأمن الطاقة وتنويع طرق التصدير.

وتزداد أهمية هذه المسألة عند النظر إلى باب المندب ومضيق هرمز باعتبارهما نقطتي اختناق متصلتين ضمن منظومة التجارة والطاقة. فهرمز يمثل أحد أهم طرق نقل النفط والغاز من الخليج، بينما يربط باب المندب المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس.

وأي اضطراب متزامن في الممرين يمكن أن يزيد تكاليف النقل والتأمين ويضغط على سلاسل الإمداد، خصوصاً في الاقتصادات التي تعتمد بصورة كبيرة على واردات الطاقة والسلع.

وفي الوقت ذاته، لا تبدأ المبادرة السعودية من فراغ، فقد أطلق الاتحاد الأوروبي في 19 فبراير (شباط) 2024 عملية EUNAVFOR ASPIDES لحماية السفن التجارية ودعم حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفق الاتحاد الأوروبي، دعمت العملية مرور أكثر من 1960 سفينة تجارية وقدمت حماية لأكثر من 650 سفينة، قبل أن يمدد مجلس الاتحاد الأوروبي مهمتها في 23 فبراير الماضي حتى فبراير 2027.

المبادرة السعودية 

وبذلك يتمثل الجديد في المبادرة السعودية في محاولة بناء إطار أمني بحري تقوده دول المنطقة وتستضيفه الرياض، إلى جانب المشاركة الدولية القائمة بالفعل. وتكتسب مشاركة مصر أهمية خاصة نظراً إلى ارتباط اقتصادها بحركة الملاحة في قناة السويس، بينما تضيف مشاركة دول عربية وآسيوية وأفريقية أخرى بعداً أوسع إلى مفهوم الأمن البحري الجماعي.

غير أن حماية الملاحة لا يمكن أن تنفصل عن القانون الدولي، فوفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، يضمن نظام المرور العابر في المضايق المستخدمة للملاحة الدولية حق السفن والطائرات في العبور وفق الشروط المنصوص عليها في الاتفاقية، مع احترام حقوق الدول الساحلية.

ولذلك فإن بناء أمن بحري مستدام يتطلب الجمع بين حماية حرية الملاحة واحترام السيادة والقانون الدولي.

وفي النهاية، تكشف التطورات في البحر الأحمر وباب المندب أن أمن الملاحة لم يعد قضية عسكرية منفصلة عن الاقتصاد، بل أصبح جزءاً من أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية. فالتحالف الذي أعلنت السعودية عن خطته في 30 يوليو الماضي يمثل خطوة تأسيسية نحو تعاون بحري إقليمي ودولي أوسع، لكن أهميته الحقيقية ستتحدد بقدرته على تحويل التعاون السياسي إلى آليات فعالة تعيد الاستقرار والثقة إلى هذا الطريق الحيوي.

الممرات البحرية ليست مجرد خطوط زرقاء على الخرائط، إنها بنية تحتية للاقتصاد العالمي. وكلما كانت أكثر أمناً واستقراراً، أصبحت التجارة أكثر انسياباً، والطاقة أكثر قابلية للتدفق، والأسواق أكثر قدرة على التنبؤ.

ومن هنا، فإن حماية البحر الأحمر وباب المندب ليست مسؤولية دولة واحدة، وإنما قضية دولية تتطلب تعاوناً منظماً، واحتراماً للقانون الدولي، وتوازناً بين متطلبات الأمن وضرورات الدبلوماسية.

اقرأ المزيد

المزيد من البترول والغاز