ملخص
استراتيجية الدفاع الوطني في أميركا لعام 2026 دعت لتعبئة وطنية شاملة تضاهي عمليات القرن الماضي التي دفعت أميركا للنصر في الحربين العالميتين والحرب الباردة التي تلتها
التدابير التي تتخذها الجيوش عسكرياً والسلطات سياسياً عند الشروع بحرب أو لإيقاف حرب تسمى "إعلان التعبئة" أو "الاستنفار". وفي الحروب التقليدية قديماً كانت التعبئة الحربية مُقتصرة على تجهيز الجيوش للمعارك في زمن الحرب فقط، وهذا النوع من التعبئة يسمى التعبئة العملياتية. لكن هذا المفهوم تَغيّر كثيراً في الحروب المعاصرة والحديثة التي تعتمد أكثر على التقنيات وعلى استغلال جميع موارد الدولة، وبذلك تحوّلنا إلى مفهوم التعبئة الاستراتيجية، وهي التعبئة الدائمة للحروب. ومع هذا التغيير الكبير في المفهوم أصبحت حروب هذا العصر ومنذ انتهاء الحرب الباردة في عام 1991 مجرد عمليات عسكرية قصيرة ومتكررة، إذ تخلّت دول كثيرة عن متلازمة تحقيق الانتصارات الواضحة، كونها أصبحت مكلفة للغاية بشرياً واقتصادياً.
وفي الجيش الأميركي تحديداً وبعد الحرب العالمية الثانية توسعت التعبئة الحربية لتمارس على نطاق أوسع ومن خلال مفهوم الاستعداد الاستراتيجي لوزارة الدفاع، استناداً إلى حالة الاقتصاد والصناعة العسكرية والقوى العاملة، إضافة إلى الإرادة السياسية. وتأتي التعبئة الحربية عادة بعد حروب طاحنة ومستمرة لأعوام، إذ تجد الدول نفسها أمام مشكلة نقص الموارد البشرية نظراً لاستمرار الصراع العسكري، ونتيجة للمعارك الدموية التي دارت رحاها على جبهات القتال وأسفرت عن مقتل وجرح مئات آلاف الجنود وإخراجهم من المواجهة.
في الحالة الأميركية
في حالة الولايات المتحدة الأميركية التي كشف رئيسها دونالد ترمب حديثاً عن التحضير لعملية عسكرية كبيرة، فإنه لا بد أولاً من معرفة التدابير التي تتخذها جيوشه عسكرياً، وسلطاته سياسياً، عند إعلان التعبئة او الاستنفار، وذلك للتأكد من قدرة القوات المسلحة على إدارة وحسم الصراع. وسواء كان ذلك في أميركا أو روسيا أو في غيرها من الدول فإنه قُبيل شن أو ربما درء حرب، لا بد من القيام بالتعبئة المناسبة استعداداً للقتال.
ووفق مصادر عدة أبرزها الموسوعة العلمية الأوروبية وتقارير وبحوث نُشرت حديثاً في مواقع علمية، فإن التعبئة الحربية الأميركية تنقسم إلى نوعين رئيسين: الأول، وهو القديم ويعرف باسم التعبئة العَملياتية، والثاني هو الحديث، ويعرف بالتعبئة الاستراتيجية. وبينما تَفتح التعبئة العملياتية قنوات القوّة العسكرية القائمة بالفعل وتحافظ على تَدفقها، فإن التعبئة الاستراتيجية توسع تلك القنوات وتخلق قنوات جديدة كلياً للقوة العسكرية.
تعبئة وطنية شاملة
في أميركا تطوّر مفهوم التعبئة الحربية أكثر من مرة بعد تجربة مريرة للولايات المتحدة في هذا المجال منذ نشأتها وحتى الآن. وأخيراً ورد في استراتيجية الدفاع الوطني في أميركا لعام 2026 الدعوة إلى "تعبئة وطنية شاملة"، على أن "تُضاهي عمليات الإحياء المماثلة في القرن الماضي التي دفعت أميركا في نهاية المَطاف إلى النصر في الحربين العالميتين والحرب الباردة التي تلتها". وفي وقتنا الراهن أصبحت جاهزية التعبئة عنصراً حاسماً في القوة العسكرية الأميركية خصوصاً، وفي جميع الدول عموماً. فقدرة الدولة على تحويل مواردها الاقتصادية والبشرية والصناعية والسياسية إلى قوة قتالية بسرعة وبحجم كبيرين باتت العامل الحاسم الذي يُحدد قدرة الدول على خوض حرب طويلة أو ردعها قبل أن تبدأ.
تحديات التعبئة في أميركا
وفي هذا السياق، أوضح تقرير بحثي من 17 صفحة تحت عنوان "مُتطلبات التعبئة للحرب"، ونُشرت نسخة منه على موقع Scribd في الأول من أبريل (نيسان) 2026، وهو للباحث العسكري تيد هاريسون أن "الولايات المتحدة لا تزال تملك حتى وقتنا الراهن نقاط قوة كبيرة في هذا المجال، لكنها تواجه أيضاً قيوداً خطيرة قد تعرقل قدرتها على التعبئة في حرب واسعة النطاق ضد خصم كبير مثل الصين".
يُذكر أن موقع Scribd الذي نشر هذا التقرير هو موقع يضم أكثر من 300 مليون وثيقة قام برفعها مستخدمون من مختلف أنحاء العالم. ويمكن من خلال الموقع قراءة ملفات PDF وكُتب ومقالات وأبحاث في التاريخ والتكنولوجيا والعلوم.
تعريف التعبئة الحديثة
التعبئة الحديثة باختصار هي: قدرة الدولة على تحويل الموارد الوطنية إلى قوة عسكرية بسرعة وعلى نطاق واسع. وتستند جاهزية التعبئة الحديثة إلى أربعة أسس رئيسة وهي: القوة الاقتصادية وقدرة القوى العاملة والقدرة الصناعية والإرادة السياسية. إذ تحتفظ الولايات المتحدة بمزايا كبيرة في كل من هذه المجالات، ولكنها تواجه أيضاً قيوداً خطيرة منها: الضغوط المالية وضغوط الديون المتزايدة ومحدودية العُمق الصناعي والتعقيد التكنولوجي المتسارع والبيئة السياسية المتصدعة.
لذلك "لم يعد السؤال الأساسي في السياسة الأميركية اليوم هو ما إذا كانت التعبئة مهمة، بل إذا ما كانت الولايات المتحدة قادرة على التعبئة بطريقة موثوقة وبسرعة ونطاق كافيين لردع العدو، وإذا لزم الأمر، تحقيق النصر في حرب واسعة النطاق وطويلة الأمد"، في حروب مثل حرب إيران وحروب الاستنزاف التي تخوضها في الشرق الأوسط. من جهة ثانية، لفت تقرير تود هاريسون إلى أنه في زمن السلم "يميل التخطيط العسكري الأميركي إلى إغفال مجال الدفاع الوطني"، مؤكداً أن التجارب المريرة الحديثة في حروب الاستنزاف واسعة النطاق في أوكرانيا والشرق الأوسط، أعادت تركيز الاهتمام على هذه الفكرة.
فكرة تسريح الجيوش
منذ نشأتها وحتى يومنا هذا، ساد نوعان من التعبئة في الولايات المتحدة الأميركية، الأول هو: التعبئة العملياتية. وهي تركّز على التعبئة داخل الجيش، وتُوصف بأنها نوع موقت من التعبئة، وتقوم على فكرة تسريح الجيش في وقت السلم. ونُفّذ هذا الإجراء في أميركا لفترة زمنية طويلة إبّان الحربين العالميتين، وحروب الولايات المتحدة الأميركية الداخلية والخارجية حتى حقبة الاستقلال. ويمكن القول إن العمل بهذا النوع من التعبئة استمر أميركياً حتى حقبة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي والتي يؤرخ لها أميركياً حتى عام 1991. إذ استند هذا النوع من التعبئة إلى ثلاثة عوامل رئيسة هي: الجاهزية العملياتية والجاهزية الهيكلية وجاهزية التحديث للجيش الأميركي. أما النوع الثاني فهو التعبئة الحديثة أو ما يعرف بالتعبئة الاستراتيجية. وفيها أضيف بُعد رابع للتعبئة وهو "الاستعداد الاستراتيجي لوزارة الدفاع الأميركية"، والذي يقوم بدوره على استعداد موَسّع وشبه دائم للحروب، بناء على قوة اقتصاد الدولة ونمو قوتها العاملة، وتطوير صناعاتها الحربية إلى جانب التمتع بالإرادة السياسية. وبناء على هذه الاستراتيجية خاضت أميركا معظم إن لم يكن جميع حروبها منذ عام 1991 وحتى عام 2022.
بين النوعين
يشير تيد هاريسون إلى أن نوع التعبئة الذي يُناقشه في هذه الدراسة ليس قُدرة الجيش على تفعيل القوّات ونشرها ودعمها في عمليات الطوارئ، أو ما يُوصف بصورة أفضل بالتعبئة العَملياتية، بل إن الاستعداد للتعبئة كما هو مُوَضّح هنا، يتعلق بالتعبئة الاستراتيجية التي تعني القدرة على زيادة الإنفاق الدفاعي وتجنيد الأفراد وإنتاج الأسلحة بسرعة. فبينما تفتح التعبئة العملياتية قنوات القوة العسكرية القائمة بالفعل وتحافظ على تدفقها، فإن على التعبئة الاستراتيجية توسيع تلك القنوات وخلق قنوات جديدة كلياً للقوة العسكرية. ويشير تقرير هاريسون إلى أنه من المهم ملاحظة كون "جاهزية التعبئة لا تدعم فقط نمو الجيش، بل إن هذا النوع من الجاهزية يُحدّد أيضاً كيفية نمو الجيش من خلال أنواع القوات التي يمكن بناؤها والسرعة في تحقيق ذلك".
استراتيجية الدفاع الوطني في أميركا 2026
تدعو استراتيجية الدفاع الوطني في أميركا لعام 2026 إلى "تعبئة وطنية شاملة". وبينما ركّزت الاستراتيجيات السابقة بصورة أكبر على جاهزية القوات المُتاحة وقدرتها على القتال، إضافة إلى تفوق هذه القوّات التكنولوجي الذي يعني جاهزية التحديث، فإن الاستراتيجية الجديدة لأميركا "تستحضر أنواعاً أخرى من الجاهزية التي غالباً ما جرى تجاهلها في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فعلى مدى 175 عاماً الأولى من تاريخها وقعت أميركا في مأزق حربي خطير، إذ اتبع الجيش الأميركي نمطاً متوقعاً من التعبئة عند الانتقال من حالة الحرب إلى السلام. فقامت الولايات المتحدة بتسريح جيشها بصورة مستمرة وشاملة. وتكرر حدوث ذلك بعد كل صراع كبير، وتحديداً منذ حرب الاستقلال الأميركية وهي الحرب التي خاضتها المستعمرات الأميركية الـ13 ضد بريطانيا بين 1775 و1783 وانتهت بقيام الولايات المتحدة الأميركية كدولة مستقلة، وحتى الحرب الكورية التي كانت صراعاً بين الكوريتين الشمالية الجنوبية من 1950 إلى 1953، وتحوّلت سريعاً إلى حرب دولية شاركت فيها الولايات المتحدة والصين والاتحاد السوفياتي، وانتهت من دون نصر حاسم.
وكان على الجيش الأميركي طوال تلك الحقبة إعادة بناء نفسه بسرعة شديدة انطلاقاً من وضع قوة "سِلمي" محدود للغاية إلى حالة الحرب بصورة مفاجئة، وحدث ذلك كلما نشب صراع جديد". وعلى رغم اعتماد الجيش الأميركي بصورة كبيرة على جاهزية التعبئة، إلا أنه غالباً ما وجد أن قدرته على التعبئة غير كافية أثناء خوض تلك الصراعات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أمثلة من التاريخ
وصف باحثون عسكريون فكرة تسريح الجيش الأميركي في العقود الأولى من عمره بأنها كانت فكرة كارثية ومثيرة للدهشة، خصوصاً عند النظر إليها بأثر رجعي. وعلى سبيل المثال في عام 1783، كتب الجنرال جورج واشنطن إلى لجنة من الكونغرس خطة للتسريح وإنشاء قوة عسكرية في زمن السلم. وبينما بَلَغَ عدد الجيش الأميركي في ذروة قوته خلال الحرب 48000 رجل، مدعوماً بقوة احتياط أكبر بكثير، طلب واشنطن في نهاية الحرب قوة قوامها 2631 جندياً نظامياً فقط. وإدراكا منه أن الكونغرس سيتوقع تخفيضات أكبر، أضاف قائلاً: "من الأفضل تقليص قوتنا في ما بعد، تدريجياً، بدلاً من زيادتها بعد أي ظرف مؤسف".
وفي ذلك الوقت ناقش الكونغرس هذه المسألة، وفي يونيو (حزيران) 1784، أذن الكونغرس بتجنيد 80 جندياً فقط في الجيش، على أن يتمركز 25 منهم في حصن غرب بنسلفانيا و55 في ويست بوينت على طول نهر هدسون في نيويورك.
حرب 1812
بعد عام 1785 قام الكونغرس بإخراج ما تبقى من سفن البحرية الأميركية من الخدمة، إذ بيعت آخر سفينة وهي الفرقاطة "يو أس أس ألاينس"، في مزاد علني. بدورها، كانت حرب 1812 صراعاً بين الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفائها، واستمرت من 18 يونيو 1812 إلى 17 فبراير (شباط) 1815. وتُعد هذه الحرب أول اختبار رئيس للأمة الأميركية من حيث جاهزية التعبئة. فعندما بدأت الحرب، كان لدى الجيش أقل من 7000 جندي في صفوفه، لكن وبعد هذه الحرب وعلى سبيل المثال عندما سقطت فرنسا في يد ألمانيا في يونيو 1940، لم يكن لدى سلاح الجو التابع للجيش الأميركي إلا ما يقارب عُشر الطائرات التي كانت تمتلكها ألمانيا، ولم تكن لديه دبابات ثقيلة، بل إن الجيش لم يكن قادراً على تجهيز أفراده لهذه المعركة، مما اضطر قواته إلى التدرب بالعصي بدلاً من البنادق في بعض الحالات.