Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رقمنة ماسبيرو... مهمة الـ800 ألف ساعة

يعيد هذا المشروع الحياة أرشيف هائل من المواد الفنية والإعلامية والنادرة والجدول الزمني وأجهزة التشغيل وتوثيق الحقوق أبرز العوائق

يهدف المشروع إلى بناء قاعدة بيانات عملاقة لمواد إذاعية قديمة للغاية (رويترز)

ملخص

استبشر المهتمون بالأرشيف الفني خيراً بعد تدشين مشروع رقمنة تراث ماسبيرو، تلك الخطوة التي تأخرت كثيراً والمهمة لحفظ الأرشيف الفني والإعلامي الأكبر في العالم العربي بل توثيق الذاكرة الوطنية، تواجهها تحديات متوقعة، فهل ستكون هناك قدرة على لملمة الأرشيف المتبعثر هنا وهناك، وماذا عن التحديات التقنية لترميم تلك المكتبة العملاقة، وهل الجدول الزمني المفترض ألا يتخطى عامين يوائم هذه النوعية من المعالجات المعقدة؟

بعد مئة عام بالتمام والكمال من انطلاق بث الإذاعة المصرية 1926، ظهر مشروع رقمنة تراث ماسبيرو للنور، إذ بدأ العمل فعلياً على تحويل الأرشيف الهائل المملوك للإذاعة والتلفزيون المصري إلى صيغة رقمية، ويعيد هذا المشروع الحياة إلى 800 ألف ساعة من المواد الفنية والإعلامية والنادرة.

وعلى رغم أن كثراً يرون أن القائمين على هذا العمل يسابقون الزمن حرفياً، نظراً إلى أن عرض تلك المواد يحتاج إلى أجهزة عتيقة غالبيتها إما متهالكة أو تعمل بصعوبة، ويصفون تلك الخطوة بالمتأخرة كثيراً، فعلى ما يبدو أن تقنيات الذكاء الاصطناعي والتطور التكنولوجي الهائل، الذي حدث في هذا القطاع خلال الأعوام الأخيرة، قد يُسهم في عملية الإنقاذ، ويمنح هذه الكنوز التي توثق تاريخ الإذاعة والتلفزيون الأقدم والأكثر غزارة في الإنتاج في المنطقة العربية عمراً جديداً بعدما كانت على حافة التلف أو فقدان الكثير من جودتها على أفضل تقدير.

قبل 10 أعوام بالفعل كان قد بدأ بث قناة "ماسبيرو زمان" التي تعرض جزءاً مهماً من الأرشيف الدرامي والغنائي والبرامجي أيضاً، إذ جرت حينها رقمنة آلاف المواد، ونقلها إلى صيغة تتوافق مع متطلبات تكنولوجيا العصر، لكن من حيث الكم فإن مكتبة "ماسبيرو زمان" تظل صغيرة للغاية أمام المليون شريط المزمع أرشفتها وترميمها ليكون أحد أهم روافد الأصول الثقافية للدولة المصرية، وكل ذلك يجري بتوجيهات رئاسية واهتمام من كبار مسؤولي الهيئات الإعلامية بمصر، أبرزهم أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يتضمن المشروع الذي يهدف إلى بناء قاعدة بيانات عملاقة مواد إذاعية قديمة للغاية، وأخرى مرئية منذ انطلاق بث التلفزيون المصري مطلع ستينيات القرن الماضي، وينفذ بشراكات مع أكثر من مؤسسة تكنولوجية بهدف حماية التراث للأجيال القادمة، ليكون متاحاً بصيغة تسهّل عملية حفظه واسترجاعه بطريقة آمنة. مع ذلك توجد تحديات هائلة لا تتعلق فقط بالكم الضخم للأعمال المتنوعة المفترض أن تجري أرشفتها وفق جدول زمني لا يتخطى العامين، إنما بتصنيفها وبالبحث عن أجهزة تشغيلها الموائمة، وكذلك مدى مواءمتها للعرض من الأساس وفقاً لحالتها، أما الأكثر جدلية فيتعلق بحقوق الملكية والبث والعرض، ومن ثمّ الأرشفة.

رقمنة الحقوق والتعاقدات.. مشروع مواز

ماسبيرو جهة إنتاج وجهة عرض في الوقت نفسه، لكن بطبيعة الحال فإن مكتبته تمتلئ بمواد أخرى لا تنطبق عليها معايير الملكية الحصرية بصورة دقيقة. هنا يشير المهندس رامي المليجي، مدير عام التصميم والبرمجة بالهيئة الوطنية للإعلام، إلى أن المقصود هنا هو كل ما يستحق الأرشفة مما أنتجه وقدمه ماسبيرو وصوت القاهرة وقطاع الإنتاج، مثل المواد التمثيلية والخطابات السياسية المهمة وزيارات الرؤساء والبرامج النادرة ومباريات كرة بعينها.

وبمزيد من التوضيح يضيف المليجي، "نتحدث عن إعادة هيكلة أو تغيير صيغة الحفظ للمواد المسجلة على الشرائط التقليدية أي تقريباً حتى تسعينيات القرن الماضي، فبعد ذلك جرى استحداث طرق أخرى أكثر تطوراً، والجانب الأكبر من تلك الأعمال هي من إنتاج التلفزيون، وإذا كانت هناك أعمال تشترك فيها أكثر من جهة فهي نادرة للغاية، وبالطبع نحن لا نتحدث عن برامج الهواء أو التغطيات الحديثة فهذا المشروع لا يشملها".

لكن في ظل تنامي الحديث عن حقوق الأداء العلني، والبحث عن أصول وتعاقدات الفنانين والكبار، وهل تشمل التنازلات الحقوق الرقمية أم لا، يجب الحديث عن تلك النقطة وضمان أنها لن تعوق أي خطوة من المشروع، كذلك ماذا سيحدث في حال وجود مواد في مكتبة التلفزيون، لكنها مبيعة أو تشترك فيها جهات مالكة أخرى. يرى مدير عام التصميم والبرمجة، بالهيئة الوطنية للإعلام، المهندس رامي المليجي، أنه إلى جانب هذا المشروع العظيم في حفظ التراث بصورة رقمية، "يوجد أيضاً مشروع توثيق الحقوق".

 

ويتابع، "مواضيع مثل حقوق البث الرقمي وحقوق الإنتاج شائكة للغاية، لذا لدينا حرص على توثيق العقود، ورقمنتها وتوضيح ما يقع في الحق العام، وما هي حقوق ماسبيرو، لضبط فوضى هذا المجال، توجد مواد تخص ماسبيرو على سبيل المثال متاحة للعرض في منصات أخرى بطرق غير مشروعة، ولهذا من الضروري ضبط الأوضاع هنا". ويشدد المليجي على أنه في حال وجود مواد تشترك في حقوقها جهات أخرى فهي "مرقمنة بطبيعة الحال، وهي خارج المشروع"، لافتاً إلى أنه من متابعته للمواد التي يجري العمل عليها فهناك مفاجآت فنية وإعلامية هائلة بينها برنامج من تقديم سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، وآخر تقدمه كوكب الشرق أم كلثوم، إضافة إلى السيرة الذاتية لموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب بصوته.

الذكاء الاصطناعي في خدمة الذاكرة الوطنية

هذه الذاكرة الفنية والإعلامية التي تعد ذاكرة مجتمع ووطن جرى جمعها على مدى عصور متنوعة، لذا فإن مستوى جودتها سيكون شديد التباين، ولهذا فإن عمليات الأرشفة ستمر بمراحل شديدة التعقيد، ويحاول الدكتور محمد مغربي، متخصص الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، شرحها بأسلوب مبسّط، إذ يصف أولاً هذا المشروع بأنه "عملاق وغير عادي، على مستوى الضخامة، والفنيات والتقنيات، فهو أكبر بكثير من مجرد تحويل شريط تقليدي إلى صيغة رقمية".

ويوضح بدقة أبرز العمليات التي ستخضع لها تلك المواد بالقول "أولاً لدينا أكثر من صيغة تقنية للمواد الموجودة وهذه (فورمات) بحاجة إلى أجهزة بلاي باك تضاف لكل شريط، وهنا يأتي أول تحد، وهو متعلق بصعوبة الحصول على تلك الأجهزة النادرة نظراً إلى قدمها، لكن في حال الحصول عليها نصل إلى مرحلة المعالجة، فبعض الشرائط قد تكون فاسدة كلياً أو جزئياً بفعل الرطوبة على سبيل المثال وبعد معالجتها يجري عمل مسار لنقل الصوت والصورة من الشريط للنظام الرقمي من طريق مجموعة أجهزة محددة بينها أجهزة تثبيت الإشارة، والنقل حيث يجب أن يتم مع الحفاظ على أقصى درجة دقة وجودة ممكنة".

ويستكمل مغربي شرح أرشفة ذلك التراث بأنه "في ما بعد يتم حفظها في نسخة عالية الجودة غير مضغوطة، وليس مجرد صيغة بسيطة، وكل شريط يجب توثيقه بالتواريخ والضيوف والمضيفين وحقوق الملكية والمدة، أما آخر خطوة فتعد الأسهل في ظل تطور أنظمة وتطبيقات الترميم، حيث نأتي إلى مرحلة تحسين الجودة بإزالة الخدوش والاهتزازات والتشويش والضوضاء، وتصحيح الألوان، وغالبيتها تجري من طريق أنظمة الذكاء الاصطناعي، ثم بعد ذلك تخزينها على نظام البيتابايت لا التيرابايت، وأن تحفظ بأكثر من نسخة بطبيعة الحال".

 

بالحديث عن 800 ألف ساعة هي المستهدفة بالأرشفة، فإن الخطوة البديهية أولاً أن تجري مشاهدة وعرض تلك المواد في توقيتها الأصلي دون تسريع، أي إن الخطوة المبدئية تماماً تحتاج إلى 800 ألف ساعة مشاهدة في الأقل، وهذا يعني أن وتيرة العمل ستجري بصورة متوازية ومن طريق أكثر من طاقم وفريق لملاحقة الوقت والاقتراب من الجدول الزمني المتوقع وهو 24 شهراً، ويشدد متخصص الذكاء الاصطناعي والبرمجيات المهندس محمد مغربي أن هذا التشغيل ينبغي أولاً أن يكون على "الأجهزة الأصلية، وبالطبع في الزمن الأصلي"، لافتاً إلى أنه قد تواجهه أعطال طارئة أو تلف قد يؤخر وتيرة العمل، ويشير إلى أن الوقت الذي تستغرقه العملية برمتها قد يصل إلى عامين ونصف العام أو ثلاثة أعوام، لكن في حال وجود أي عقبات غير متوقعة فقد يتجاوز الأعوام الأربعة.

فيما يعتقد المهندس رامي المليجي أنه في حال إنجاز المشروع خلال عامين فستكون هذه أسرع عملية أرشفة رقمية حدثت في التاريخ، فالرقم المتعارف عليه هو رقمنة 180 ألف ساعة في العام، لكن في هذه الحالة سيصل الرقم إلى 400 ألف ساعة في العام، ويشدد مدير عام التصميم والبرمجة، بالهيئة الوطنية للإعلام على أن كل شريط يمر بسبع مراحل، من معالجة وحل مشكلات تقنية ووضع الأرقام الكودية، وكل ذلك بجودة عالية، والأهم أن جميع المراحل تتم داخل مبنى الإذاعة والتلفزيون المصري، ولن تنقل أي أصول إلى مقرات خارجية.

روافد الأرشيف ومصيره

على نحو مختلف، يبدو وكأنّ هناك أرشيفاً موازياً يرتبط بصورة أو أخرى بقنوات التلفزيون المصري، في الأقل لأنه عرض على شاشاتها منذ عقود، فالأرشيف الكبير الذي يملكه ورثة المخرج والمنتج البارز جميل المغازي على سبيل المثال وعرض جزء منه عبر منصات التواصل الاجتماعي يعتقد كثر أنه يخص ماسبيرو، لكن نجل الراحل، المخرج جميل جميل المغازي يوضح أن الأسرة تمتلك أكثر من 700 ساعة بصورة حصرية، وهي تخص حلقات برامجية من إنتاج الراحل جميل المغازي، وتمثل كنوزاً نادرة أيضاً وبينها مثلاً 17 ساعة للأديب الكبير توفيق الحكيم.

 

يقول المغازي الابن "هذه المواد أنتجها والدي من ماله الخاص، ونحن نحاول بيعها الآن لجهة تهتم بها وتقدرها بصورة جيدة، ولهذا توقفنا عن عرضها عبر مواقع التواصل الاجتماعي دون مقابل، فقد نشرنا فقط لمحات ومقتطفات بسيطة بينما لا يزال لدينا نوادر هائلة، بالطبع تلقينا عروضاً كثيرة وغالبيتها من جهات غير مصرية، وسوف نرى ما المناسب فنحن نسعى أيضاً إلى بيعها لجهة تضعها في صيغ رقمية وبأسلوب تكنولوجي يضمن تحسين جودتها وعدم تلفها".

يعلق رامي المليجي، مدير عام التصميم والبرمجة بالهيئة الوطنية للإعلام، بصورة عامة على تعدد روافد الأرشيف، لافتاً إلى أنه سوف يجري الفصل في كل حالة بصورة منفردة، وبالطبع سيتم الالتزام بالقوانين المحددة للملكية الفكرية، ويختتم كلامه بالقول "بعد الانتهاء من هذا المشروع الوطني العملاق سيحفظ في مبنى الوثائق بالعاصمة الإدارية الجديدة، وهناك مشروع آخر سيترتب على تلك المكتبة الضخمة، وهو دراسة كيفية استثمار هذا التاريخ، سواء من طريق منصة عرض رقمي خاصة مدفوعة، أو أي طريقة أخرى تدر عائداً، وبالطبع سيتاح للجهات الحكومية بما فيها قنوات التلفزيون المصري مجاناً".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات