Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تطوير "ماسبيرو"... يحتاج انقلابا شاملا وليس عملية تجميل

اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري صرحٌ عملاق يقلِّب الذكريات ويستنفر الجميع

ريادة ماسبيرو الإعلامية تأثرت كثيراً منذ ما يزيد على ثلاثة عقود (رويترز)

معركة تطوير وتحديث وتطهير وتدعيم "ماسبيرو" (مبنى اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري) تدور رحاها على مدار تسع سنوات بالتمام والكمال، وهي لا تتعلق كثيراً بالمحتوى، بقدر ما تتعلق بالرؤى والهياكل البيروقراطية والأنظمة السياسية والقدرات الإدارية والمفاهيم المدركة لواقع لم يعد في الإمكان تجاهله أو تجاوزه.

تجاوز المبنى العتيق سن البلوغ، ففي يوليو (تموز) هذا العام، يطفئ "ماسبيرو" شمعته الـ60. المبنى المستدير بملحقاته علمٌ من أعلام القاهرة، وكان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وجه ببدء تشييده في أغسطس (آب) عام 1959، وفي 21 يوليو من العام التالي، بدأ الإرسال بآيات من القرآن، ثم وقائع افتتاح مجلس الأمة وخطاب "الزعيم" ونشيد "وطني الأكبر".

على قيد الحياة
أكبر إنجاز حققه هذا المبنى الضخم، الذي يحمل اسم عالم المصريات الفرنسي جاستين كاميل تشارلز ماسبيرو (1846-1916) تكريماً له على عشقه لمصر، هو أنه باق على قيد الحياة، رغم الكم المذهل من الأحداث والحوادث والتغيرات والتقلبات والاستقطابات والحِراكات التي هبت ولا تزال على مصر على مدار ستة عقود مضت.

وقد مضت أيام كان فيها "ماسبيرو" معتداً بنفسه باعتباره الأكبر والأوحد والأكثر تأثيراً، كما ولى زمن انتظار نشرة التاسعة مساءً لمعرفة ما يحدث في مصر والعالم، ودبر عهد الريادة المرتكزة على اقتصار المعلومات على المصادر الرسمية، ويمكن القول إن عصر السموات المفتوحة كان بمثابة بداية تقهقر للمبنى وإنذار خطر لسكانه باحتمال الانقراض، وتفاقمت الخطورة بدخول العالم عصر الشبكة العنكبوتية ومنصاتها الاجتماعية، والتي تمضي قدماً في حل محل الشاشة الفضية معلوماتياً وترفيهياً وريادياً.

تأثير الفضائيات
ريادة "ماسبيرو" تأثرت كثيراً على مدار ما يزيد على ثلاثة عقود، ففي عام 2008، أجرى موقع "بي بي سي" العربي مناقشة إلكترونية حول الأثر الذي خلفته الفضائيات العربية في حياة المواطنين العرب، وعلى الرغم من اتساع الآراء وتراوحها بين الإشادة بأثر الفضائيات الإيجابي وفتحها باب المعلومات على مصراعيه، والتنوع غير المسبوق في كم ونوعية المواد المقدمة من جهة، وبين التنديد بالآثار الأخلاقية السلبية الناجمة عن حرية بث الأفلام والبرامج التي تحوي قيماً وصوراً غير مناسبة للعادات والتقاليد العربية من جهة أخرى،  فإن الغالبية اتفقت على أن الفضائيات العربية أثرت على حياتها، كما اتفقت الغالبية أيضاً على أن هذا التأثير لم يصب في مصلحة القنوات المحلية التي انصرف عنها أغلب من استطاع الانصراف.

في العام نفسه، أجرى موقع "مصراوي" المصري الخبري استطلاعاً للرأي يرتكز على سؤال هو "هل لا تزال تشاهد التلفزيون المصري؟"، أجاب عنه 64 في المئة من الزوار بـ"لا"، في حين قال 17 في المئة إنهم يشاهدون برامج بعينها في أوقاتٍ محددة، وقال 15 في المئة إنهم يشاهدونه بين الحين والآخر، بينما قال نحو ثلاثة في المئة إنهم يشاهدون برامجه بانتظام.

وقتها جرى تحليل النتيجة في ضوء نوعية المحتوى الذي يقدمه هذا التلفزيون العريق بكل قنواته. صحيح أن المحتوى خضع لعمليات جراحية متتالية، سواء لتحسين مستوى الأداء أو تجميل الشكل الخارجي، لكن تحديث الفكر والمنهج اللذين يتحكمان في هذا الصرح العملاق كان يحتاج انقلاباً شاملاً وليس عمليات تجميل محدودة.

جمود المحتوى
محدودية التجميل مع جمود المحتوى مضافة إليهما أحداث جسام على مدار تسع سنوات جعلت من المبنى العتيق شوكة في حلق الدولة وشعب المبنى والمجتمع المصري باختلاف مكوناته، فعقب اندلاع أحداث يناير (كانون الثاني) 2011، وفي غمرة الأدرينالين الثوري، تعالت أصوات مطالبة بغلق المبنى أو محاكمة القائمين عليه أو تحويل نشاطه إلى مهنة أخرى.

الأدرينالين الثوري تعامل مع تغطيات التلفزيون المصري للأحداث باعتبارها "خيانة عظمى"، ففي الساعات الأولى التي تلت تفجر الأحداث، تعاملت القنوات الرسمية مع الحدث رافعة شعار "العمل كالمعتاد"، فسارت البرامج وفق مسارها المعتاد، فهذه مذيعة تسأل ضيفتها عن سبل القضاء على بقع البشرة وإعادة الرونق إلى الوجه، وهذا فيلم وثائقي عن رياضة الغوص في سيناء، وتلك مذيعة تحاور ضيفها حول الجاليات المسلمة في أوروبا، أما "الشيف أسامة" فيشرح طريقة عمل كعكة الكريم كرامل، وحتى الشريط الخبري، لم يحتو إلا على الأخبار الرياضية ودرجات حرارة الجو والأحداث الساخنة في تونس، وكذلك في الجزائر، وبعدها الأردن، أما ما يحدث على مرمى حجر من مبنى ماسبيرو في ميدان التحرير وفي أماكن أخرى، فظل غائباً عن الشريط لأيام عدة.

تعتيم وتجاهل
وفي ظل هذا التعتيم والتجاهل لما يحدث، أمعن المشاهد المصري في تحوله الذي بدأه قبل سنوات إلى القنوات الإخبارية العربية وكذلك القنوات المصرية الخاصة، ويومها، قال أحد المقربين من نظام الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، معترفاً إن "تغطية القنوات الرسمية للأحداث صفر".

"صفر" القنوات الرسمية في تغطية الأحداثة دفع بفلول المواطنين المتبقين أمام شاشاته إلى الارتماء في أحضان "الجزيرة"، وهي التي تلقفتهم فاتحة ذراعيها وشريطها الخبري وكتيبتها المجندة لتوجيه الأحداث، وهو ما تنبه له الكثيرون في حينها! وللمرة الأولى يستقبل المصريون قراراً ذا طبيعة قمعية وينطوي على قدر هائل من تكبيل حرية التعبير بترحيب، وذلك بعد أسابيع قليلة من الأحداث، فقد أصدر وزير الإعلام الأسبق أنس الفقي، الذي أبقى عليه التشكيل الحكومي الجديد في منصبه في عام 2011، قراراً بوقف بث قناة الجزيرة وإغلاق مكتبها في القاهرة.

القاهرة شاهد
وتقف القاهرة شاهدة على ما جرى لماسبيرو وما أجراه في حياة المصريين، وبحسب شهادتها، فقد توقع كثيرون أن يخضع المبنى لعمليات إعادة هيكلة كاملة ضمن طموحات إعادة هيكلة النظام في مصر بعد تخلي الرئيس الأسبق مبارك عن الحكم.

عبارة "إعادة الهيكلة" ترددت آلاف المرات على مدار السنوات التسع الماضية، وبين مقترحات بأن تعاد صياغة منظومة العمل على غرار "بي بي سي" ومطالبات بالخصخصة وأخرى بالمزج بين القطاعين العام والخاص ورابعة باستدعاء جميع أبناء وبنات ماسبيرو ممن هجروه للعمل إما في قنوات مصرية خاصة أو عربية وأثبتوا نجاحاً وقدرة على مواكبة التطورات الحادثة في مجال الإعلام وغيرها، وقف أغلب المقترحات محلك سر.

وحتى التقييم الكلي للإعلام المصري، والذي صدر في دراسة وافية في يناير عام 2013 تحت عنوان "تطوير قطاع الإعلام في مصر استناداً إلى مؤشرات تطوير قطاع الإعلام الخاصة بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة"، والذي أوصى بتحويل اتحاد الإذاعة والتليفزيون المصري إلى هيئة بثٍ إعلامي موجه للخدمة العامة تتسم بطابع الاستقلالية، على أن يتم تخويل صلاحيات واضحة لها وتمكينها من تقديم خدمات البث الإعلامي بما يضمن الإدارة الرشيدة داخلها وبما يدعم استقلالية السياسة ويخدم الصالح العام، مع توفير آليات الحماية الفعالة، وتوفير التمويل الكافي لتمكينها من الاضطلاع بالصلاحيات المخولة لها، ظل حبراً على ورق.

شعب المبنى
لكن أوراقاً أخرى تحررت وتحركت في هذه السنوات الحرجة، فشعب المبنى من مذيعين وفنيين وإداريين وعمال والذين بلغ عددهم في عام 2011 نحو 40 ألفاً لطالما اعتُبِر أحد أكبر عوائق التطوير والتعديل.

هذا الجيش الجرار من "الموظفين" المتراكمين عبر عقود العمل بالمحسوبية والقوى العاملة والتعيين من أجل ضمان تأمينات ومعاشات من دون الحاجة إليهم تحول على مدار السنوات إلى حِمل ثقيل يصعب التخلص منه لأسباب إنسانية واجتماعية، كما يستحيل الاحتفاظ به لأسباب اقتصادية وإعلامية.

وعبر خطط بطيئة حيناً وحريصة حيناً على مدار سنوات ما بعد أحداث يناير 2011، وصل عدد العاملين 34700 موظف، يُتوقع أن يبلغ عشرة آلاف منهم السن القانونية للتقاعد مع حلول عام 2022.

شبح التسريح ورهاب "قطع عيش الغلابة" وفزاعة "أهل ماسبيرو أولى بلحم ثورهم" ثالوث ظل مهيمناً ومنذراً وموجهاً لمحاولات التطوير والتعديل واللحاق بركب الإعلام المرئي. عشرات الوقفات الاحتجاجية نظمها جيش ماسبيرو من العاملين على مدار السنوات الماضية، جميعها لا يتعلق من قريب أو بعيد بما آل إليه محتوى ما يقدمه من "ماسبيرو" من جمود ورتابة وإصرار على التعامل مع الألفية الثالثة من منظور الألفية الثانية.

المطالب فئوية بامتياز، والمقترحات لا تأخذ ما طرأ على الإعلام المرئي من تطورات كبرى بعين الاعتبار أو الاعتراف، والمعارضات على محاولات التطوير التي جرت على استحياء لا تتمحور إلا حول الاستعانة بمذيعين ومذيعات ليسوا من أبناء المبنى.

محاولة تطوير
وفي عام 2018، استيقظ المصريون على إعلانات مهيبة في شوارع القاهرة والمدن الكبرى الرئيسة تنبئ بأن تحولاً جللاً وتغييراً كبيراً يوشك أن يحدث في ماسبيرو، صور مذيعين ومذيعات أغلبهم من خارج الدار، ممثلون ولاعبو كرة قدم معتزلون و"شيفات" طهي تصدروا الإعلانات المنبئة بعشرات البرامج الجديدة على متن القنوات المصرية الرسمية. وقد نجم عن هذه الطلعة عمليات شد وجذب، وتلسين وتلميح حول من اقتحم عقر دار من، ومن يستحوذ على فرص من؟! جبهتا الحرب تلخصت في فريق المذيعين والمذيعات المعينين في ماسبيرو في مقابل القادمين الجُدد من غير أبناء المبنى.

وقد ذكرت هذه الحرب المصريين بما جرى قبل نحو 15 عاماً مع بزوغ نجم القنوات الفضائية الخاصة، والسجالات والاحتقانات التي دارت رحاها بين من جلسوا على مقاعد المذيعين باعتبارهم مذيعين تلفزيونيين اختصاصهم التقديم التلفزيوني وعملهم قراءة الأسئلة المكتوبة أمامهم بعد سرد مقدمة الحلقة المعدة سلفاً، والقادمين من غرف التحرير والعمل الصحافي المكتوب الميداني والذين اعتبروا أنفسهم في مكانة أعلى وذوي ميزات أفضل لأنهم صانعو الخبر وراسمو السياسة الصحافية ومحددو سير توجيه الرأي العام.

محاولة التجديد باستقدام كل ما هو جديد من خارج المبنى في عام 2018 لم تتوج بنجاح، فرائحة الزمن العتيق، وآثار عدم التجديد، وأمارات فشل خطط الهيكلة والهندمة ظلت تطارد الجميع، وأعتى المعارضين تمثل في مذيعي ومذيعات ماسبيرو.

إحباط وأسى
أحد المذيعين المخضرمين والذي قدم برنامجاً يومياً على مدار عقدين كاملين، كان يتوقع أن يكون اسمه على رأس المرشحين لتقديم برنامج يومي جديد ينافس على شاشات ماسبيرو، لكنه فوجئ بأسماء "زملاء وزميلات" إما من خارج المبنى أو هجروه إلى القنوات الخاصة حيث تألقوا واشتهروا. نبرات الأسى والإحباط  ظلت السمة الرئيسة لهم، وتبلورت المعضلة فيما يلي، القائمون على أمر التطوير لا يرون في أبناء المكان من يمتلك القدرة أو المعرفة لمنافسة القنوات العربية والعالمية، إذ يعتقدون أن عقود التيبس والتحجر أتت على الأخضر البشري واليابس الفني، وفي المقابل، فإن أبناء وبنات المكان على يقين بأنهم الأقدر والأولى والأفضل.

ولأسباب غير معلنة، تبخرت هذه الطلعة الإصلاحية في الهواء، وعاد ماسبيرو أدراجه إلى محتواه الطارد للمشاهدة والغارق في الرتابة والمفرط في الإصرار على أن التلفزيون الرسمي هو الريادة ولو كره الكارهون.

من جهة أخرى، فإن القائمين على أمر التطوير مالوا إما إلى سبل معالجة أعباء ماسبيرو الاقتصادية أو محاولة إحيائه سريعاً باستقدام عناصر "جاهزة" من الخارج، ولم يطرق أحد سبل النهوض الحقيقية بما تقدمه قنوات التلفزيون المصري، أو تدريب مذيعيه ومعديه ومخرجيه ومنتجيه على التقنيات والأساليب الحديثة.

معاودة الكرة
ومر عامان قبل أن تحين معاودة الكرة ومحاولة إعادة إحياء ماسبيرو هذه الأيام. حرب ضروس تدور رحاها على أثير العنكبوت وحلقات التواصل الفعلية، وهذه المرة تداخلت وتشابكت وعقدت عوامل عدة في عملية التطوير الموعودة، فبينما مصر غارقة في جدل أغنيات "المهرجانات" وما تكشفه من تدن في الذوق وتدهور في الثقافة واضمحلال للفن، وجدل آخر مواز بين المثقفين والمتنورين حول ما إذا كان الحل هو منعها وحجبها ومصادرة أصواتها أو احتضانها وتوجيهها وتصحيح مسارها بعد تطهيرها، إذ بانطلاقة ماسبيرو الجديدة تخرج إلى النور في أولى انطلاقاتها مقدمة للملايين نجم المناطق العشوائية وأيقونة سائقي "التوك توك" ورائد أفلام البلطجة وأمير المهرجانات "الفنان" محمد رمضان.

المتابعون والمنتظرون والمستنفرون والغاضبون والآملون وجدوا أنفسهم في مواجهة عاصفة متعددة الملامح، فالتطوير الجديد جاء يحمل شعار "إحنا التلفزيون المصري"! المثير أن الوجوه المرددة للشعار في الإعلانات الترويجية للتجديد ليس من بينها ابن أو ابنة واحدة للمكان، وهو ما أوغر صدور مئات المذيعين والمذيعات من أبناء ماسبيرو ممن باتوا يعانون إحباطاً مضاعفاً وضغينة مفهومة غضباً منطقياً.

إحنا التلفزيون المصري
وتتوالى تدوينات وتغريدات المذيعين والمذيعات من أبناء وبنات "ماسبيرو" عاكسة كماً مذهلاً من الغضب من دون حول والإحباط من دون قوة، البعض يعلن رفضاً تاماً لشعار "إحنا التلفزيون المصري" ولو من باب تحليل الـ"دي إن إيه"، إذ إن القادمين الجدد لا يعرفون شيئاً عن كواليس العمل في ماسبيرو، وآخرون يتساءلون إن كانوا أصبحوا مثل "خيل الحكومة" وقد حان وقت إعدامهم بعد ما انتفت الحاجة لوجودهم، وفريق ثالث يسهب في سرد تفاصيل الذكريات في هذا المبنى العتيق من تناول "فول وفلافل" أيام الحظر وفي ساعات الاشتباكات، ودخول المبنى في عز الأحداث ورغم الخطورة، وحماية أركانه على مدار أشهر الاعتصامات والاحتجاجات والتطويقات والتي كان بعضها يهدف إلى اقتحام المبنى ووقف البث، وفريق رابع نشط على صفحات مثل "ماسبيرو الأصل" ليدعم حق أبناء وبنات ماسبيرو الأصيل في مبناهم وحمل مهمة التطوير على عواتقهم.

وزاد من تعقيد الوضع وتعميق الجدل قرار استضافة محمد رمضان في أول أيام التطوير وأولى حلقات الـ"توك شو" المسائي الرئيس، والذي يقدمه الكاتب الصحافي المتحول إلى التقديم التلفزيوني في قنوات فضائيات مصرية خاصة، وائل الإبراشي.

تلميحات وإشارات عدة تموج بها مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تنويهات إلى ضلوع جهات رسمية مصرية لا تنتمي للإعلام في ملف التطوير، وأن الفوضى الإعلامية العارمة التي عاشتها مصر خلال سنوات ما بعد يناير 2011 حيث جعلت مواقع التواصل الاجتماعي مصادر أصلية للأخبار وموارد أصيلة لتوجيه الرأي العام، ما برر بعضاً من تخبط وقليلاً من تشتت لحين ضبط الدفة!

غضب شعبي
المثير أن أعداداً غفيرة من المصريين انتفضت غاضبة ومعلنة رفضها استضافة محمد رمضان في هذا التوقيت الذي بدأت مصر تتنبه فيه إلى مغبة الثقافة العشوائية والفنون المفتقدة للقواعد المتسللة إلى البنيان الاجتماعي.

كثيرون دشنوا حملات وأسسوا مجموعات هدفها مقاطعة البرنامج، والمقاطعة أو الامتناع عن المشاهدة يكشف عن فئة متنامية من المصريين بدأت تجاهر بمعارضتها للتوسع في العشوائية واعتناق "الترند" مذهباً على حساب النوعية والاحتكام إلى بعض من المنطق في وزن الأمور مع الرغبة في إصلاح ما فسد من ذوق وفن وثقافة على مدار عقود.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عقود تميز التلفزيون الرسمي المصري وهيمنة "ماسبيرو" على رأس شاشات العالم العربي تداعب الطموحات والأماني، وما الإقبال الشعبي العارم على قناة "ماسبيرو زمان" التي تعرض تراث ماسبيرو وذكرياته وثروته الدرامية والوثائقية والدينية والترفيهية إلا مثال على تمني عودة الأيام الخوالي.

ولأن أمير الشعراء أحمد شوقي كان مصيباً بقوله أن "ما نيل المطالب بالتمني لكن تؤخذ الدنيا غلاباً"، فإن الجميع يختلف هذه الأيام على تعريف "غلاباً"، فريق يرى أن الغلاب يأتي بالتطوير اعتماداً على أبناء المبنى وبناته، وفريق يرى أن المكانة لا تستعاد إلا بالاستعانة بمن هم في الخارج حيث القدرات غير التقليدية والملكات المواكبة للعصر، وثالث يعتبر التطوير في العقد الثالث من الألفية الثالثة لا يتحقق إلا من بوابة "الترند"، حيث استضافة الأكثر إثارة للجدل لتحقيق أعلى نسب المشاهدة، بغض النظر عما تخلفه من آثار وتتركه من ندبات، وفريق يتابع ويشاهد ويراقب ويستعد إما لضم محاولة التطوير الحالية لما سبقها من محاولات أو لتدوينها باعتبارها البداية لاستعادة عصر ماسبيرو الذهبي بأياد لم تمر من بوابة "ماسبيرو".

وليس أمام الجميع سوى انتظار ما ستسفر عنه محاولة التطوير، مع الأخذ في الاعتبار أن مقاعد المشاهدين تحوي مذيعين محبطين من أبناء المبنى يتعرضون لتأليب آلام التهميش، وتوجهات سيادية تدعم التغيير السريع، وتنظيرات شعبية تأمل في التحسين، وتشاؤمات تنظيرية فيما يختص بملاحقات "الترند" و"شاهد قبل الحذف"، وتفاؤلات القائمين على الأمر في أن يحدث الله بعد كل هذا الشد الجذب أمراً.