ملخص
حكومات الظل، أو الحكومات "المنتظرة" (الوصول للحكم)، كثيرة. إنها الحكومات المشكلة من قبل المعارضة، التي تنتظر بفارغ الصبر الوصول إلى السلطة. ومعها، أحزاب المعارضة، وعيونها دائماً وأبداً على كرسي الحكم، ووزارته، ومؤسساته. والكل يتخذ من البرامج والوعود من جهة، وانتقاد أداء الحاكم والحكومة من جهة أخرى السبيل للوصول إلى الحكم.
يصعد "المحافظون" إلى الحكم بعد فشل "العمال" في تحقيق الآمال والتعامل مع التحديات، لكن ما هي إلا أشهر قليلة، ويكتشف الناخب البريطاني أن وعود ما قبل الصعود شيء و10 دوانينغ ستريت شيء آخر تماماً.
يعود "الديمقراطيون" إلى البيت الأبيض بعد غياب. صدم "الجمهوريون" قاعدة الناخبين بعد أربع سنوات من محاولات تحقيق الوعود الانتخابية دون جدوى، لكن أربع سنوات إضافية أسفرت عن نتيجة شبه متطابقة.
وصلت جماعة الإخوان المسلمين إلى حكم البلاد بعد عقود من المحاولة والانتظار. قوائم الوعود، وشعارات الحلول، ومانيفستو الجماعة تبددت في الهواء في أقل من عام، حتى إن جانباً معتبراً ممن انتخبوهم من المصريين، انقلبوا عليهم، وطالبوا بإسقاط حكمهم.
حكومات الظل، أو الحكومات "المنتظرة" (الوصول للحكم)، كثيرة. إنها الحكومات المشكلة من قبل المعارضة، التي تنتظر بفارغ الصبر الوصول إلى السلطة. ومعها، أحزاب المعارضة، وعيونها دائماً وأبداً على كرسي الحكم، ووزارته، ومؤسساته. والكل يتخذ من البرامج والوعود من جهة، وانتقاد أداء الحاكم والحكومة من جهة أخرى السبيل للوصول إلى الحكم.
أما ماذا يحدث بعد تحقيق الهدف؟ فهذا أمر آخر، وإلا لما ظلت دول تتأرجح بين اليمين واليسار، وبين الحزب الحاكم والحزب المعارض، تتخلص من هذا، وتتبنى ذاك، ثم تعود إلى هذا مجدداً، وشعوبها تشعر أن لا هذا حقق المرجو، أو ذاك أوفى بوعده.
جزء معتبر من الوقت الذي تمضيه الحكومة في "الظل" أو في "الانتظار"، والجهد الذي تبذله الأحزاب المعارضة قبل أن تصبح "الغالبية"، يخصص لشرح وتحليل وتفنيد الأسباب التي تحول بينها وبين تحقيق آمال الناخبين، وتفعيل الحقوق، وتوزيع الثروات، وإصلاح الأوضاع، وعادة لا تخرج عن كونها تفتقر السلطة القانونية، وعدم امتلاكها الموارد اللازمة، والخطوة التي تفصل بينها وبين الوصول إلى السلطة. وعلى رغم ذلك، ما إن تمتلك السلطة القانونية، وتتمكن من الموارد اللازمة، وتنجز الخطوة التي تفصل بينها وبين السلطة، تفاجأ وتفاجئ الجميع بأنها تتشابه ومرآة السيارات الجانبية.
أبعاد الصورة ليست حقيقية
أبعاد الصورة ليست حقيقية، حسبما يفيد تحذير المرآة الجانبية. تبدو السيارات أبعد وأصغر، لكنها في واقع الأمر أقرب وأصغر، تماماً كمشكلات الحكم وعراقيل الإدارة وتحديات تحويل الوعود والبرامج الانتخابية إلى خطط عمل قابلة للتنفيذ.
وعلى رغم أن ورقة "المعارضة السياسية في بوتسوانا: سياسات الفصائل والتشرذم" في "معهد غانا للإدارة والسياسات العامة" تشرح أسباب إخفاق المعارضة في بوتسوانا، فإن الأسباب تشرح عديداً من أسباب الإخفاق، أو في الأقل ضعف الأداء، في دول عدة.
تقول إن أحزاب المعارضة غالباً تفشل بعد وصولها إلى السلطة، لأنها تعاني في الانتقال من كونها منصة احتجاج انتخابية إلى غالبية أو منصة حاكمة، وهو ما يؤدي إلى انقسامات داخلية، ومقاومة من مؤسسات الدولة، وتفاقم الإحباط الشعبي الناجم عن توقعات غير مُلباة، ووعود غير مفعلة.
وعلى رغم الإرث التاريخي وتراكم الخبرات والمعارف لعديد من أحزاب المعارضة وحكومات الظل، فإن حل المشكلات افتراضياً، وإيجاد الحلول ورقياً، ورفع سقف الطموح شعبياً تختلف تماماً عن الحلول على أرض الواقع، والتعامل مع السقف الشعبي وجهاً لوجه، من القصر الحاكم إلى الشارع، والعكس.
انتقال حكومة الظل أو الحزب المعارض من الشارع، ومن بين صفوف الجماهير إلى قصر الحكم أمر كفيل بإحداث صدمة كبرى، حتى لأعتى حكومات الظل خبرة وأطول أحزاب المعارضة تاريخاً. خبرة الظل وتاريخ المعارضة يختلفان عن الخبرة التنفيذية، وقيود وقواعد الواقع. والكوادر البارعة في النشاط السياسي الموازي، والخطابة العاطفية المدغدغة للمشاعر، والمتحررة من التقيد بالدستور والقانون وأسرار الدولة العليا لا تبرع بالضرورة حين تجد نفسها مسؤولة سياسياً، وغير قادرة على الخطابة العاطفية، فقط الواقعية مع تعلم حيل وسبل تجميل الواقع الأليم وتخفيف وقع الأولويات غير الشعبية بالضرورة.
هذه الفجوات تؤدي إلى ظهور أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية غير محسوبة، وحدوث أخطاء فنية في الإدارة والسياسة وسبل وتوقيت اتخاذ القرارات، ويتفاقم الأثر حين تعتمد الحكومة المنتقلة من الظل إلى الحكم على أسلوب "التجربة والخطأ" مراراً حتى تصل إلى غاية "التجربة والصواب"، إن وصلت.
علماء السياسة كثيراً ما يتحدثون عن "فترة شهر العسل" التي تجمع الحزب المعارض بعد أن يصبح حاكماً، وقاعدة الناخبين التي أتت به إلى الحكم، وهي الفترة التي تشير الإحصاءات إلى قصرها.
في كتابه "النظام السياسي والتفسخ: من الثورة الصناعية إلى عولمة الديمقراطية"، يشير المفكر وأستاذ العلوم السياسية فرانسيس فوكوياما إلى أن المرحلة الأصعب في الانتقال السياسي من المعارضة إلى الحكم تكمن في القدرة على تقديم الخدمات الأساسية والسلع الرئيسة بنجاح، مشيراً إلى أن العملية الديمقراطية تشمل ثلاث خطوات: الأولى تحريك المجتمع من أجل إطاحة النظام القائم، والثانية إقامة انتخابات حرة، والثالثة القدرة على تقديم الخدمات العامة. ويقول إن الخطوة الأولى عادة تنجح، إلا أن الثانية والثالثة بالغتا الصعوبة، وذلك بسبب نقص خبرة الأحزاب السياسية في التنظيم والإدارة.
في الوقت نفسه، ترتفع توقعات الجمهور بشكل كبير حين يتولى حزب معارض أو حكومة ظل السلطة، وعادة تلجأ الجهة الحاكمة الجديدة إلى نهج "التجربة والخطأ"، وكلما طال هذا النهج قصر "شهر العسل".
إحباط وغضب
واقع الحال، حتى في الدول التي تزهو بديمقراطيتها وتعدديتها، وأحزابها السياسية المعارضة التي تطمح للوصول إلى السلطة عبر الانتخابات، يصاب الكثيرون من الناخبين بالإحباط والغضب بعد خسارة الحكومة القائمة، وفوز المعارضة. غالب الأسباب تتعلق بطبيعة صبر الناخب القصيرة، التي تصور له أن التغيير سيحدث بعد ساعات أو أيام، وهو ما لا يحدث، وهو ما يدفع الأحلام والطموحات المحلقة إلى الارتطام بأرض الواقع.
أرض الواقع تشير أيضاً إلى أن الانتقال من مهام المعارضة والانتقاد والبحث عن الأشواك في الورود إلى مهام الحكم والإدارة وإصدار القرارات وضبط الميزانيات وترتيب الأولويات أمر بالغ الصعوبة، وكثيراً ما ينجم عنه إما فشل ذريع، وإما بقاء الوضع على ما هو عليه.
ولا يخلو الأمر على رغم فداحته من مفارقات طريفة. المعارضة بشكل عام وضعية مثيرة. ترسم هالة من الجاذبية حولها. تفجر طوفاناً من الإغراء في كل ما تتفوه به. وحتى منظومات المعارضة التي بلغ من العمر أرذله، تظل تزهو بسمات المراهقة والشباب، حيث المغامرة منهجها، وتحدي السلطة عقيدتها، وكسر المألوف والثورة على المتوقع، سر بقائها. الوجوه المعارضة، بمن فيها من كسرت حاجز الـ70 والـ80 تظل تقدم للجماهير حلم البدائل الكثيرة، وفرص الحلول التي لا يقترب منها النظام القائم والحكومة "الحالية"، لكن ما أن تصبح "الحالية" سابقة، و"الظل" أو "المنتظرة" أو "المعارضة" حالية، يختلف الأمر كثيراً أو قليلاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حرية تقديم الوعود واتخاذ العهود مكفولة للمعارضة. وطالما مقاعدها على يسار رئيس البرلمان، فلا حرج عليها أو كابت لحرياتها أو مدقق وراء صدقيتها أو واقعيتها. وطالما موازنة الدولة بين يديها على قوائم "إكسيل" تضع التعليم والصحة والضمان الاجتماعي والتوظيف على رأس بنود الإنفاق، والتسليح ونثريات الرئيس ومكافآت الوزراء في ذيلها.
وما إن تنتقل إلى يمين رئيس البرلمان، حتى يفاجأ المنتقلون بواقع مختلفة، وتجد قوائم "إكسيل" المعارضة نفسها في مواجهة قاسية مع واقع إنفاق، وأولويات، وسياسات، وإدارة، وقوانين، وتوازنات، ومواءمات مختلف.
الهوة بين وعود الحملات الانتخابية الوردية وقيود الحكم الحقيقية سحيقة، وقليلون فقط من ينجحون في اجتيازها صانعين فروقاً حقيقية، تحقق طموح الناخب، وتقترب من برنامج الانتخاب، من دون الإخلال بقواعد الدولة وكيانها وأصولها ووحدة أراضيها ومبدأ المواطنة وسيادة القانون. وكل ما عدا ذلك، فهي تأرجحات بين حزب حاكم يأتي من اليمين، يعقبه آخر قادماً من اليسار، وهلم جرا.