Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مرفأ بيروت... ضجيج التعافي لا يحجب ركام الكارثة

نحمل الكاميرا ونجول بعد ستة أعوام على أكبر انفجار غبر نووي في التاريخ

ملخص

بعد ستة أعوام على انفجار مرفأ بيروت، عادت الحاويات والسفن، لكن الإعمار لم يكتمل. وبين أرقام تشغيلية قياسية وخطة لرفع القدرة إلى 3 ملايين حاوية، يحذر متخصصون من أن استعادة الدور الإقليمي تبقى رهينة إصلاح الحوكمة وجذب الاستثمارات وربط المرفأ بشبكات النقل.

عاد ضجيج الرافعات إلى مرفأ بيروت، عادت السفن والحاويات، وبدأت الأرقام ترتفع من جديد، لكن المكان الذي هزّ انفجاره لبنان في الرابع من أغسطس (آب) 2020 لا يستطيع أن يتصرف كأن الكارثة أصبحت وراءه.

فالركام لا يزال في بعض ساحاته، والإهراءات الجريحة تقف شاهدة، والتحقيق لم يقل كلمته الأخيرة، فيما تنتظر عائلات الضحايا عدالة تأخرت طويلاً.

يحاول المرفأ اليوم أن يخرج من صورة الضحية إلى دور البوابة. تتحدث إدارته عن أرقام تشغيلية هي الأعلى منذ الأزمة المالية، وعن منظومة أمنية جديدة وخطة لرفع قدرته إلى 3 ملايين حاوية سنوياً. لكن المرافئ لا تستعيد مكانتها بالنوايا والأرقام وحدها. فالأعوام التي خسرها مرفأ بيروت كانت أعوام توسع لمنافسيه، من بورسعيد في مصر ومرسين في تركيا إلى العقبة في الأردن، حيث تقدمت الرقمنة وشبكات السكك الحديد والممرات التجارية، بينما بقي لبنان غارقاً في أزماته.

السؤال لم يعد ما إذا كان مرفأ بيروت قادراً على العمل، لقد أثبت أنه يستطيع، السؤال هو ما إذا كانت الدولة قادرة على منحه الحوكمة والاستثمارات وشبكات النقل التي يحتاج إليها كي يستعيد دوره. وبين ذاكرة انفجار لم تُقفل وخريطة إقليمية لا تنتظر المتأخرين، يخوض المرفأ سباقاً مع الزمن لاستعادة موقع كان يوماً من أبرز أدوار لبنان في المنطقة.

آثار الانفجار لا تزال حاضرة

نحمل الكاميرا ونجول في المرفأ بعد ستة أعوام على أكبر انفجار غبر نووي في التاريخ. هناك نرصد التناقض في أقوى صوره. حاويات تعمل كخلية نحل وعلى بعد أمتار سيارات مدمرة عصف بها الانفجار ولا تزال شاهدة على اليوم الأسود في تاريخ بيروت.

في السياق، يؤكد المدير العام لمرفأ بيروت مروان النفي، في حديث خاص لـ"اندبندنت عربية"، أن "آثار انفجار الرابع من أغسطس لا تزال حاضرة داخل المرفأ"، مشيراً إلى أن "الإدارة تعمل على إزالة الركام والسيارات المتضررة وتحرير الساحات، بالتوازي مع إعادة تأهيل المنشآت وتطوير العمل المرفئي".

ولا تقتصر آثار الكارثة على الأضرار المادية، إذ يقول النفي إن "ذكرى الانفجار لا تزال حاضرة في وجدان العاملين، بعدما فقدت إدارة المرفأ وإدارة الإهراءات والأجهزة الأمنية عدداً من أفرادها وزملائها". وعلى رغم هذا الإرث الثقيل، يرى أن "المرفأ يعبر اليوم إلى مرحلة جديدة من التأهيل على مستويات مختلفة، مع استعادة عدد من الأنشطة وتوسيع القدرات التشغيلية".

أرقام تشغيلية مرتفعة

وبحسب النفي، "سجل مرفأ بيروت خلال الأشهر الماضية أرقاماً تشغيلية تجاوز بعضها المستويات المسجلة قبل عام 2022. وتعامل المرفأ في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مع نحو 90 ألف حاوية، مسجلاً أعلى نشاط شهري منذ ما قبل الأزمة المالية عام 2019، وحقق رقماً قياسياً بلغ 12 ألفاً و800 حاوية في يوم واحد".

ويقول النفي "نطمح إلى إنهاء العام بتجاوز عتبة المليون حاوية"، مؤكداً أن "معظم الأنشطة عادت إلى طبيعتها، باستثناء محطة الركاب التي تخضع لإعادة التأهيل تمهيداً لإعادة فتحها أمام المسافرين والسفن السياحية".

منظومة أمنية جديدة

في موازاة استعادة النشاط، تسعى إدارة المرفأ إلى إظهار تحول في مقاربة الأمن والسلامة بعد الكارثة. ويعلن النفي أن "المرفأ استعاد شهادة المدونة الدولية لأمن السفن والمرافق المرفئية ’ISPS‘ مدة خمسة أعوام، بعد استيفاء المتطلبات المرتبطة بها. واستحدث منظومة أمنية تشمل مراقبة المعابر والأرصفة والأنشطة داخل المرفأ، إلى جانب تعيين ضباط متخصصين في الأمن والسلامة".

وبرز اختبار لهذه الإجراءات أخيراً عندما اندلع حريق على متن باخرة في عرض البحر. وبحسب النفي "أُدخلت السفينة إلى المرفأ وفُرغت حاوياتها وأُخمد الحريق من دون إصابات أو أضرار إضافية في الحاويات المجاورة"، ويرى أن "هذه الحادثة أظهرت قدرة فرق المرفأ على التعامل مع الحالات الطارئة وفق معايير أكثر تشدداً مما كان معمولاً به سابقاً".

استعادة الموقع اللوجستي

يعتقد النفي أن "مرفأ بيروت يستعيد تدريجاً موقعه الاقتصادي واللوجستي، بعدما استفادت مرافئ أخرى من الفراغ الذي خلفه تراجع دوره خلال الأعوام الماضية"، مشيراً إلى أن "المرفأ أُنشئ قبل نحو 137 عاماً لخدمة لبنان ومحيطه، لا سيما سوريا والعراق والأردن"، معتبراً أن موقعه الجغرافي وقربه من العواصم العربية يمنحانه ميزة قادرة على إعادة وضعه في قلب حركة التجارة الإقليمية.

لكن العودة إلى هذا الدور تجري ضمن خريطة إمداد مختلفة، بعدما أعادت الحروب والتوترات الإقليمية رسم مسارات السفن والنقل البحري.

ويقول النفي إن "مرفأ بيروت بقي خلال الحرب في لبنان على أهبة الاستعداد، وتمكن من تأمين القسم الأكبر من حاجات السوق اللبنانية، في وقت باتت الدول والشركات تتجنب الاعتماد على ممر لوجستي واحد، وتبحث عن مسارات بديلة لضمان استمرار تدفق البضائع"، ويضيف أن "الإدارة تعمل على ضمان حضور بيروت ضمن مختلف الممرات والخطط اللوجستية الجديدة"، قائلاً "هدفنا أن يبقى مرفأ بيروت عنصراً محورياً وأساساً في جميع خيارات النقل والإمداد التي توضع للمنطقة".

خطة لـ3 ملايين حاوية

ضمن هذا التوجه، وضعت الإدارة خططاً لتطوير القدرة الاستيعابية لمحطة الحاويات وتوسيع نشاط المرفأ، بما يعيده إلى مصاف الموانئ الكبرى في حوض البحر المتوسط.

وبحسب النفي، بدأت "بعض المشاريع تنفذ على الأرض، وتشمل زيادة قدرة محطة الحاويات وتحسين تجهيزاتها، إضافة إلى تطوير حركة البضائع العامة والنقل بواسطة السفن المخصصة للمركبات المعروفة باسم ’رورو‘، ويتمثل الهدف في رفع القدرة التشغيلية لمحطة الحاويات إلى نحو 3 ملايين حاوية سنوياً، بما يسمح للمرفأ بتلبية حاجات لبنان واستعادة دوره في خدمة أسواق المنطقة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في رسالته إلى أهالي ضحايا الانفجار، يقول مدير المرفأ إن "الإدارة تتعامل مع المرفأ وذاكرة الرابع من أغسطس بوصفهما أمانة واحدة". ويرى أن "أفضل وفاء للضحايا يكون بإعادة إعمار المرفأ واستعادة دوره، بالتوازي مع تطبيق إجراءات تحول دون تكرار مأساة مماثلة"، لافتاً إلى أن "العاملين يحيون في المرفأ الذكرى سنوياً، فيما يستمر العمل على مدى الساعة، وفاءً للضحايا والزملاء الذين فقدوا حياتهم".

تعافٍ لا يتجاوز 60 في المئة

في مقابل القراءة المتفائلة لإدارة المرفأ، يقدم الباحث المالي والاقتصادي الدكتور بلال علامة تقييماً أكثر تحفظاً لمسار التعافي.

ويرى علامة أن "مرفأ بيروت عاد إلى العمل بعد ستة أعوام على الانفجار، بالتوازي مع محاولات لتوسيع مجالات نشاطه، لكنه لم يستعد دوره بالكامل في الاقتصاد اللبناني، ولم يتجاوز، بحسب تقديره، نحو 60 في المئة من قدرته التشغيلية والدور الذي كان يؤديه قبل عام 2020"، مشيراً إلى أن "المرفأ كان يستحوذ على نحو 70 في المئة من واردات لبنان ويتعامل مع قرابة مليوني حاوية سنوياً، قبل أن ينخفض العدد إلى نحو مليون حاوية. وكان يشكل مصدراً أساساً لإيرادات الخزينة ومرفق عبور باتجاه سوريا والعراق والأردن، فيما يرتبط جزء أساس من الرسوم الجمركية المقدرة في الموازنة بنحو 885 مليون دولار بحركة المرافئ، وفي مقدمها مرفأ بيروت".

إعادة تشغيل من دون إعمار كامل

يوضح علامة أن "الأرصفة الأساسية ومحطة الحاويات أعيد تشغيلها بصورة شبه كاملة، وعاد مرفأ بيروت إلى عدد من خطوط النقل البحري العالمية الكبرى، وارتفعت إيراداته التشغيلية مقارنة بالعام الذي تلت الانفجار. لكن هذا التعافي التشغيلي لم يترافق، وفق قوله، مع إعادة إعمار كاملة للبنى الأساسية التي دمرتها الكارثة، فصوامع القمح لم تُبنَ من جديد، ولم توضع خطة متكاملة لتطوير شبكة النقل المحيطة بالمرفأ، ولم تطور الأرصفة وفق المشاريع السابقة التي كانت تتضمن إضافة أرصفة جديدة ذات أعماق أكبر".

ويرى علامة أن "غياب هذه المشاريع، إلى جانب شح الاستثمارات الأجنبية، حال دون استعادة المرفأ الدور الذي كان يؤديه قبل عام 2020"، لافتاً إلى أن "الطروحات السابقة تحدثت عن الحاجة إلى مستثمر دولي كبير يتولى تطوير المرفأ، لكن شركة ’CMA CGM‘ كانت الجهة الوحيدة التي أبدت اهتماماً جدياً، مما يطرح تساؤلات حول محدودية المنافسة وغياب اهتمام شركات عالمية أخرى".

كيف تطورت الإيرادات؟

بحسب تقديرات علامة، "كانت إيرادات مرفأ بيروت تُقدّر قبل الانفجار بنحو 200 مليون دولار سنوياً، قبل أن تتراجع عام 2020 إلى ما بين 60 و70 مليون دولار، ثم ترتفع إلى نحو 150 مليون دولار عام 2023".

ويقول علامة إن "جزءاً من هذه الأموال استخدم في إعادة ترتيب أوضاع المرفأ وإصلاح بعض منشآته، لكن مشروع إعادة الإعمار والتطوير لم يُستكمل بصورة كاملة"، واصفاً النمو في الإيرادات بأنه "متواضع من عام إلى آخر، إذ لم تعد إلى مستوى 200 مليون دولار، على رغم زيادة الرسوم وإجراء تعديلات تشغيلية وتركيب أجهزة مسح ضوئي وغيرها من الإجراءات".

أزمة وطنية تتجاوز حدود المرفأ

بالنسبة إلى علامة، "لا يمكن فصل تعافي المرفأ عن الوضع الاقتصادي والمالي العام في لبنان، فاستعادة دوره التجاري تتطلب تعافياً اقتصادياً واستثمارياً على المستوى الوطني، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل استمرار أزمة النظام المالي والمصرفي والضريبي، فالقطاع المصرفي لا يزال يعاني اختلالات جوهرية، ولم تعالج مشكلات النظام الضريبي، فيما لم يُنجز التحقيق في انفجار المرفأ لتحديد المسؤوليات والجهات التي تتحمل الخسائر. ولا تزال شركات تأمين تمتنع عن دفع بعض التعويضات المترتبة عليها، في انتظار صدور التقرير النهائي المتعلق بالانفجار، مما يعرقل التعويض وإعادة الإعمار".

خسائر بمليارات الدولارات

ويشدد علامة على أن "خسائر المرفأ لا يمكن فصلها أيضاً عن الانهيار الاقتصادي والمالي الذي سبق الانفجار، وما رافقه من حجز للودائع وتراجع في تمويل القطاع الخاص وإقفال شركات أو مغادرتها لبنان". وبحسب الأرقام التي يستند إليها "تقدر الأضرار المباشرة الناجمة عن الانفجار بنحو 4 مليارات دولار، فيما بلغت الخسائر الاقتصادية نحو 5 مليارات دولار، وتراوحت الكلفة الإجمالية للأثر الاقتصادي ما بين 7 و9 مليارات دولار. وطاولت الأضرار الأرصفة والمستودعات والبنى التحتية اللوجستية، تزامناً مع تعطل سلاسل الإمداد وارتفاع كلفة الشحن والنقل. ودفع هذا الواقع بعض الشركات إلى استخدام مرافئ طرابلس وصيدا وصور، فيما لجأت أخرى إلى موانئ تركيا وقبرص واليونان باعتبارها خيارات أسهل أو أقل كلفة وأكثر ضماناً".

سباق إقليمي متسارع

خلال الأعوام التي انشغل فيها مرفأ بيروت بتداعيات الانفجار، شهدت موانئ الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط توسعاً كبيراً.

ويشير علامة إلى "تطوير موانئ بورسعيد والإسكندرية والمرافئ المرتبطة بقناة السويس في مصر، إضافة إلى مرفأ مرسين في تركيا وميناء العقبة في الأردن. واستثمرت هذه الموانئ في الرقمنة وتسريع الإجراءات وربط المنشآت البحرية بالسكك الحديد وشبكات النقل البري، مما عزز قدرتها التنافسية. وتعمل السعودية على تطوير ممرات وخطوط نقل متكاملة تربط شبكاتها البرية بمنشآت ومرافئ قادرة على استقبال البضائع وإعادة نقلها إلى دول أخرى". ويزيد هذا التحول، بحسب علامة "صعوبة استعادة مرفأ بيروت موقعه الإقليمي بمجرد رفع قدرته التشغيلية، إذ بات مطالباً بمنافسة منظومات لوجستية متكاملة، لا مرافئ منفردة فحسب".

هل يعود إلى سابق عهده؟

يرى علامة أن "استعادة مكانة مرفأ بيروت تتطلب إصلاحاً جذرياً في الحوكمة والإدارة، إلى جانب تحديث القوانين والسياسات المالية والضريبية المرتبطة بعمله. ويحتاج المرفأ إلى الربط بشبكات النقل البري والسكك الحديد والممرات التجارية الإقليمية والدولية، ضمن رؤية تتجاوز معالجة الأضرار المباشرة إلى إعادة تعريف دوره في اقتصاد لبنان والمنطقة". ومن دون هذه الخطوات، يعتبر علامة أن "عودة المرفأ إلى دوره السابق تبقى شبه مستحيلة".

وهكذا، يبدو مرفأ بيروت اليوم واقفاً بين صورتين، مرفق يعمل ويسجل أرقاماً متقدمة ويضع خططاً لتوسيع قدرته، ومؤسسة لا تزال تحمل آثار انفجار لم تُحسم مسؤولياته ولم تكتمل عملية إعادة الإعمار بعده. وبين ذاكرة الكارثة وطموح استعادة الدور، يبقى السؤال الأوسع متعلقاً بقدرة لبنان نفسه على توفير البيئة السياسية والاقتصادية التي تسمح للمرفأ بأن يتحول مجدداً من بوابة للواردات إلى مركز إقليمي للتجارة والنقل.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير