ملخص
قد تكون ظاهرة "إدمان الراحة" من أكثر عوارض هذا العصر، إذ يمتد تأثيرها في الجسد والنفس. وتثبت الأبحاث أن الدماغ يتعامل مع بذل المجهود كخسارة مالية يجب تجنبها، ولكن نتائج الخمول المفرط قد تكون كارثية كما في ظاهرة "الهيكيكوموري" اليابانية، إلى جانب التدهور السريع للكتلة العضلية وصحة الحصين المسعف للذاكرة نتيجة الجلوس الطويل، ويأخذ اقتصاد الراحة الرقمي حصته كالعادة. فما الذي يحدث إذا استوطننا الخمول وكيف نتجنب عوارض الراحة المفرطة؟
عادات الخمول تعيد تشكيل أدمغتنا وتدفع أجسادنا نحو الفناء الخفي... إنه ذلك التردد اليومي الذي يراودنا عندما نريد أن نقوم بأمر ما يحتاج إلى جهد كامشي أو الرياضة أو زيارة معينة، وتنظر إلينا الأريكة المريحة فاتحة أحضانها وتغمز إلينا بأن نختارها، وغالباً ما تربح الرهان، فنلقي بأجسادنا المترددة بين أحضانها بحجة الحاجة إلى الراحة.
استراتيجية الكسل
ففي مكان ما بين "سأمشي غداً" ولكن "الكنبة أقرب"، ولدت واحدة من أخطر العادات التي لا تشبه الإدمانات التقليدية بشيء. فلا رائحة لها ولا لون ولا جرعة مناسبة ولا تاجر (Dealer) يبيعها تحت جنح الظلام، لكنها إدمانية بصورة غير متوقعة، إنها الراحة. تتكرر حججها وتتوسع فتبتلع كل ما حولها من مجهود، حتى تتحول من استراحة مشروعة إلى أسلوب حياة كامل يبتعد فيه الجسد عن الحركة، والعقل عن الناس.
هذا الإدمان لا يشبه إدمان القهوة أو الكحول أو التدخين، أو حتى استخدام الهاتف، إذ لا أحد يشعر بالذنب وهو يمارسه، بل على العكس، قد يكون هو الإدمان الوحيد الذي يصفق له اجتماعياً. فعبارات مثل "خذ راحتك"، و"لا تُرهق نفسك" تردد دوماً، وتكون صحيحة تماماً عندما تقال لمن أنهك نفسه، لكنها تتحول إلى غطاء مريح بصورة مبالغ فيها لمن لم يعد يتذكر متى كانت آخر مرة بذل فيها جهداً حقيقياً من أجل شيء ما.
وجاء العلم الذي كثيراً ما درس إدمان المخدرات والكحول والشاشات، ليكتشف أن "تفادي الجهد" بحد ذاته له بصمة عصبية واضحة في الدماغ، وأن الراحة المفرطة ليست غياب فعل، لقد باتت فعلاً بحد ذاته، وقراراً يتخذه الدماغ مراراً وتكراراً، ويعاد برمجته في كل مرة نختار فيها الكنبة بدلاً من الباب.
بذل الجهد كفقدان المال
وفي تجربة أجراها فريق من جامعة إيموري الأميركية عام 2020، بعنوان "كيف يقرر العقل القيام بمجهود" (How the Brain Decides to Make an Effort)، اكتشف الباحثون أن هناك إشارتين متعاكستين تتصارعان داخل منطقة في الدماغ. هذا الصراع الصامت داخل الدماغ يمثل معركة بين الكسل والإنجاز.
فقرار النهوض مثلاً لإنجاز مهمة جسدية، مهما بدا بسيطاً، مسألة "رغبة" أو "كسل" كما اعتدنا تصنيفه أخلاقياً، لكن التجربة وجدت أنه حصيلة معركة عصبية حقيقية تدور في صمت داخل منطقة "الجسم المخطط البطني" Ventral Striatum، حيث تتقاطع إشارتان متعاكستان لتحسماً، خلال أجزاء من الثانية، ما إذا كنا سننهض أم سنبقى في مكاننا.
الطرف الأول في هذه المعركة هو إشارة "التفعيل" (Activation)، ويمكن تسميتها بالتحفيز أو الدافعية، وهي الإشارة المشجعة التي تتولى مهمة تقييم المكافأة المتوقعة من الفعل، أكان نجاحاً أم صحة أم فائدة مادية، فتفرز الدوبامين لتوليد الحماس الكافي للتحرك.
أما الطرف الثاني، فهو إشارة "خصم المجهود" (Effort Discounting)، الكابح الصامت، الذي ينظر إلى كل مجهود مطلوب باعتباره كلفة أو سعراً يجب دفعه، فيعمل على تقليل جاذبية المكافأة كلما ازداد حجم التعب المتوقع للوصول إليها.
ويحسم المخطط الباطني هذا الصراع عبر معادلة تقييمية آنية كأنه آلة حاسبة، خلاصتها أن القيمة الصافية للقرار تساوي قيمة المكافأة مطروحاً منها كلفة المجهود. فحين تكون المكافأة عالية والمجهود يسيراً، تحسم إشارة التفعيل المعركة لمصلحة الحركة الفورية. أما حين ترتفع كلفة المجهود، فإن إشارة الخصم تنتصر بهدوء، فتخفض قيمة الهدف في نظرنا من دون أن نشعر. والأخطر أن العقل، في أسلوبه لتجنب الشعور بالذنب، يبادر فوراً إلى اختلاق منطق تبريري يبدو عقلانياً تماماً في اللحظة نفسها، كإمكان التأجيل، أو غياب الحاجة الملحة، ليمنحنا غطاءً منطقياً وحجة مقبولة للبقاء في مكاننا وعدم النهوض.
يسمي العلماء هذه الظاهرة بعبارة "خصم الجهد" (Effort Discounting)، وقد وثقها الباحث ماثيو بوتفينيك وزملاؤه منذ عام 2009 حين أثبتوا أن الدماغ البشري يتعامل مع بذل مجهود تماماً كما يتعامل مع فقدان المال. بمعنى أنه كلفة نفسية حقيقية يحاول تجنبها بأي ثمن. والأخطر أن دراسة إسبانية أجراها الباحث خافيير برناسير وزملاؤه عام 2016 على أشخاص يعيشون نمط حياة خامل، وجدت أن هؤلاء تحديداً يبالغون في تقدير كلفة أي مجهود جسدي بصورة غير متناسبة مع المجهود الفعلي، أي إن الخمول لا ينتج فقط عن قلة الدافع، إنه يصل ليعيد تشكيل الطريقة التي يقيم بها الدماغ الجهد من الأساس. فكلما استرحت أكثر، بدا لك أي تحرك قادم أثقل مما هو عليه فعلاً.
هذا "الخصم" لا يتوقف عند حدود الجسد، إذ وجدت دراسة أجريت عام 2023 بعنوان "أخذ طريقة المقاومة الأقل الآن، لكن ليس لاحقاً" (Taking the path of least resistance now, but not later)، أن البشر يخصمون قيمة أي مكافأة تتطلب مجهوداً ذهنياً، وليس فقط جسدياً، ويزداد هذا الخصم كلما اقترب موعد بذل الجهد. فعلى سبيل المثال نحن عادة أكثر استعداداً لقبول مهمة شاقة الشهر المقبل مما نحن مستعدون لقبولها غداً، على رغم أنها المهمة نفسها بالضبط. لأن الدماغ ببساطة يكذب علينا في شأن المستقبل ليريحنا في الحاضر، وهي خدعة تفسر جزءاً كبيراً من كل قوائم الغد التي نكتبها منذ سنوات.
الراحة حتى الموت
قد تتجلى هذه الراحة بصورة ظاهرة في اليابان تسمى "هيكيكوموري" (Hikikomori)، أي الانسحاب الاجتماعي الكامل. وبدأت الظاهرة تتشكل مطلع تسعينيات القرن الماضي إثر أزمة اقتصادية دفعت فئة من الشباب إلى الانزواء داخل بيوتهم، ثم تفاقمت خلال عقد واحد فقط حتى باتت اليوم تصنف كأزمة صحة عامة.
ووفق تقارير تناولتها وسائل إعلامية يابانية ودولية، هناك أكثر من مليون شخص في اليابان اختاروا عدم مغادرة منازلهم لأكثر من ستة أشهر متواصلة، بينهم نحو 541 ألف شخص تراوح أعمارهم ما بين 15 و39 سنة، أي في عز ما يفترض أن يكون أكثر سنوات العمر حيوية ونشاطاً. وبعضهم لم يخطُ خارج غرفته منذ 30 عاماً.
وكرس الدكتور تاكاهيرو كاتو، الباحث في "جامعة فوكوأوكا" مسيرته لدراسة هذه الظاهرة بعدما عايشها بنفسه في شبابه، فوثق حال رجل في الخمسينيات انعزل تماماً عن العالم لثلاثة عقود متتالية. وأحد الأمثلة الأكثر إيلاماً التي تناولها تقرير على "بي بي سي" عام 2015 عن شاب يدعى يوتو أونيشي، لم يغادر غرفته لنحو ثلاث سنوات بعد إخفاقه في انتخابات قيادة صفه الدراسي، هذه الحادثة الصغيرة في ميزان الحياة، تحولت إلى جدار سميك بينه وبين العالم. وفي حالة أخرى وثقها تقرير تلفزيوني ياباني بعنوان "هيكيكوموري... مشكلة الـ 80 - 50" (The 80-50 Problem Hikikomori)، رفضت أم في السبعينيات من عمرها عرض المساعدة الطبية لابنها الذي لم يغادر غرفته منذ أكثر من 15 سنة، مكتفية بالقول "كل شيء سيكون على ما يرام قريباً". والمرعب إنه حين يتوفى أحد هؤلاء المنعزلين داخل شقته، قد يمر عام كامل قبل أن يكتشف أحد الأمر، مما أدى إلى ظهور مهنة كاملة في اليابان متخصصة بتنظيف شقق من ماتوا وحدهم من دون أن يلاحظ أحد غيابهم، بكلفة تقارب 4000 يورو (نحو 4580 دولاراً أميركي) للتنظيف الواحد، وتعرف هذه الظاهرة في اليابان باسم "كودوكوشي" (Kodokushi) أي الموت المجهول أو الوحيد، وقد تحدثت وسائل إعلام عالمية مثل "ذا غارديان" و"نيويورك تايمز" عنها... فالراحة حين تتضخم من دون رادع، تقتل الرغبة بالحركة كما أنها تمحو الشخص من سجل الأحياء قبل أن يعلن موته رسمياً.
والأرقام العلمية لا تقل قسوة عن القصص، فقد أظهرت مراجعة نشرت في مجلة " الطب النفسي وعلوم الأعصاب السريرية" (Psychiatry and Clinical Neurosciences) عام 2022 بعنوان "هيكيكوموري: الانسحاب الاجتماعي عامل خطر للإصابة بالاكتئاب" (Hikikomori: Social withdrawal a risk factor for depression) أن الأشخاص الذين يعيشون هذا الانسحاب الاجتماعي معرضون لخطر الإصابة باضطرابات المزاج بمعدل يزيد ست مرات عن غيرهم، وباحتمال أعلى بمقدار 1.85 مرة للتفكير بالانتحار. والأخطر أن الظاهرة اليابانية هذه تشهد أنماطاً متكررة ولم تعد حكراً على اليابان. إذ تناولت دراسة حديثة بعنوان "اندماج ظاهرة هيكيكوموري في المملكة المتحدة: دراسة على طلاب الجامعات" (Merging Hikikomori in the UK: A study on university students)، انتشار سلوكيات مشابهة بين طلاب الجامعات في بريطانيا تحت مسمى "الهيكيكوموري الناشئ"، فيما رصدت دراسة أخرى عام 2024 بعنوان "الهيكيكوموري في الشرق الأوسط: دور الألعاب الإشكالية، استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والشعور بالوحدة" (Hikikomori in the Middle East: The role of problematic gaming, social media use, and loneliness) نشرت في مجلة PLOS One، نمطاً مشابهاً بدأ يظهر في دول عربية، مرتبطاً بالألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي. ووجدت دراسة نشرت عام 2023 على عينة عشوائية من البالغين، أن مجرد "قضاء الوقت بمفردهم" رفع احتمال الانزلاق نحو نمط الهيكيكوموري بما يقارب 15 مرة، وهذا رقم يكفي وحده لإعادة التفكير في كل مساء هادئ نقضيه من دون أي تواصل بشري حقيقي.
الجسد الذي يصدأ
هذا الخمول الذي يرتدي الجسد لا يمكن احتواؤه وتغير نمطه بمجرد قرار سريع، أو تغيير النمط بأسابيع قليلة. ففي مراجعة منهجية شاملة نشرت في "جورنال أوف أبلايد سيكولوجي" (Journal of Applied Physiology) جمعت بيانات 318 شخصاً سليماً خضعوا لفترات راحة في الفراش تراوحت ما بين 5 أيام و4 أشهر، وخلصت إلى أن فقدان القوة العضلية يبدأ فعلياً خلال الأيام الخمسة الأولى فحسب، بمعدل يفوق حتى معدل ضمور العضلة نفسها، حتى لو كان شكل العضلة وحجمها الخارجي يبدوان كأنهما لم يتغيرا بعد. وذهبت دراسة هولندية نشرت في مجلة "ديابيتس" (Diabetes) عام 2016، أبعد من ذلك حيث اعتبرت أن أسبوعاً واحداً فقط من الراحة التامة في الفراش كاف لإحداث ضمور عضلي ملحوظ ومقاومة كاملة للأنسولين في الجسم، إذ يبدأ الجسد عملياً بالتصرف كأنه مصاب بمرض استقلابي أو اضطراب التمثيل الغذائي، لمجرد أنه توقف عن الحركة لسبعة أيام. وتابعت دراسة أخرى في جامعة كوبنهاغن بعنوان "تأثير 56 يوماً من الراحة في السرير على حجم العضلات ووظيفتها" (Effect of 56 days of bed rest on muscle size and muscle function)، رجالاً خضعوا لثمانية أسابيع من الراحة الكاملة، فوجدت أن قوة عضلات الفخذ لديهم تراجعت بنسبة تقارب 47 في المئة، مقابل فقدان أقل نسبياً في حجم العضلة ذاتها، أي إن القوة تختفي أسرع بكثير مما يختفي الشكل الخارجي للجسد، وهو ما يفسر لماذا يشعر كثر بالإرهاق والضعف قبل أن تظهر عليهم أي علامة مرئية للخمول.
وإذا انتقلنا من العضلات إلى الدماغ، فالصورة لا تتحسن، إذ إن دراسة يابانية أجريت على 213 من كبار السن ونشرت عام 2016 تحت عنوان "ضمور الحصين واضطراب الذاكرة المرتبط بالخمول البدني" (Hippocampal atrophy and memory dysfunction associated with physical inactivity)، وجدت علاقة مباشرة بين قلة النشاط البدني وضمور الحصين (Hippocampus)، المنطقة المسؤولة عن الذاكرة. وتابعت مراجعة أشمل نشرت عام 2025 في مجلة "مرض ألزهايمر والخرف" (Alzheimer's & Dementia) كبار السن لسبع سنوات، ووجدت أن الجلوس لفترات طويلة يرتبط بضمور أسرع في الحصين وتراجع أوضح في القدرة على تسمية الأشياء وسرعة معالجة المعلومات، حتى لدى أشخاص يمارسون الرياضة بانتظام في أوقات أخرى من يومهم. فالجلوس الطويل لا يلغى أثره بساعة رياضة، وهو يترك بصمته الخاصة المستقلة، تماماً كما لا تلغي وجبة صحية واحدة أثر أسبوع كامل من الوجبات السريعة.
لماذا يصبح الخروج أصعب كل يوم؟
نلاحظ عادة أن هذا الكسل إذا صح التعبير يجر كسلاً. والدماغ الذي يتجنب الجهد الحقيقي كالرياضة أو اللقاء الاجتماعي أو مشروع جديد، ليس بالضرورة دماغاً خاملاً بالكامل. إنه غالباً دماغ نشط جداً، ولكن في الاتجاه الخطأ. ويشير مقال علمي نشر في مجلة "عالم الدماغ" (Brain World) إلى أن التعرض للتجارب الجديدة يرفع مستويات الدوبامين في الدماغ بصورة طبيعية، وأن عصرنا الرقمي يوفر فيضاً هائلاً من الأخبار الجديدة سهلة المنال عبر الشاشة بمقطع فيديو تلو الآخر، وإشعار تلو الآخر، من دون الحاجة إلى أي مجهود جسدي أو اجتماعي حقيقي. فيصبح الدماغ مدمناً على جرعات صغيرة من الإثارة الرخيصة أو غير ذات الفائدة، بينما يزداد نفوره من أي إثارة تتطلب النهوض عن الكرسي أو السرير أو طرق باب أحدهم. وتؤكد أبحاث حديثة في علم الأعصاب، مثل دراسة بعنوان "الخلايا العصبية الدوبامينية تعالج احتمالية المكافأة وعدم اليقين" (Dopamine neurons process reward probability and uncertainty) أن خلايا دوبامينية معينة في الدماغ تستجيب تحديداً للمثيرات الجديدة بغض النظر عن قيمتها الفعلية، وهو ما يفسر لماذا يمكن لـ20 دقيقة من التمرير (scrolling) على الهاتف أن تمنحنا إشباعاً زائفاً يجعلنا نؤجل كل مجهود آخر أكثر جدوى.
وتشير أبحاث حول "منطقة الراحة" النفسية إلى أن تجنب المواقف غير المألوفة يبقي منطقة اللوزة الدماغية (Amygdala) وهي مركز الخوف والإنذار في الدماغ في حال تأهب دائم تجاه أي جديد، في حين أن إخضاع النفس لجرعات متكررة ومدروسة من عدم الراحة يقلل تدريجاً من فرط تفاعل هذه المنطقة، ويمنح نفوذاً أكبر لقشرة الدماغ الأمامية المسؤولة عن اتخاذ القرار العقلاني. فالراحة المفرطة لا تريح اللوزة الدماغية كما نتخيل، والأسوأ أنها تبقيها حبيسة يقظة دائمة تجاه كل ما هو خارج المألوف، فيبدو العالم مع الوقت مكاناً أكثر تهديداً مما هو عليه فعلاً لأننا توقفنا عن اختباره. وهذه ربما أكثر السخريات مرارة في كل الموضوع، حيث الراحة التي نلجأ إليها هرباً من القلق، هي نفسها التي تجعل القلق أكثر تجذراً مع الوقت.
حين تختار البقاء في مكانك
قبل أن نحمل الدماغ وحده مسؤولية كل هذا الخمول، لا بد من التساؤل عمن يستفيد مادياً من بقائنا في مكاننا. فالاقتصاد الرقمي المعاصر بني، بأكمله تقريباً، على تقليص المسافة بين الرغبة والحصول عليها إلى أقرب ما يكون من الصفر. فالطعام يصل من دون خطوة واحدة نحو المطبخ، والتسوق لا يحتاج الذهاب إلى السوق، والترفيه لا ينتهي من دون أن نفكر حتى بفتح باب المنزل. ومن ناحية علم الأعصاب فإن كل تطبيق توصيل ناجح هو بمثابة قناة مباشرة إلى دائرة "خصم الجهد" في دماغك، مصممة خصيصاً لتجعل كلفة عدم التحرك أقل نفسياً من كلفة التحرك.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويقدم الخطاب التسويقي نفسه غالباً بلغة العناية بالذات والاستحقاق، بمعنى أنت تستحق، ودلل نفسك... وهذا الخطاب هدفه تحويل قرار استهلاكي إلى فعل تحرري، بينما هو في جوهره استثمار في إبقائك عميلاً دائماً من حيث تجلس. وهناك فرق وحيد أن عميل صناعة الراحة الذي يدفع من جيبه، يدفع أيضاً من عضلاته ودماغه وشبكة علاقاته الاجتماعية، وهذه الفاتورة لا ترسل بالبريد الإلكتروني السريع، لكنها تصل بعد سنوات، حين نكتشف فجأة أن صعود درج من طابقين بات يتطلب مجهوداً يستحق التوقف والتقاط الأنفاس.
مسار إدمان الراحة
من اللافت أن الأبحاث لا تتحدث عن الجميع بالطريقة نفسها، إذ وجدت دراسة أجريت على مفارقة الحاجة إلى التفكير Need for Cognition أن الأشخاص الأقل ميلاً لبذل مجهود ذهني هم الأكثر عرضة للوقوع في فخ "خصم الجهد"، بينما الذين يستمتعون فعلياً بالتفكير المعقد يقاومون هذا الفخ بصورة أفضل، بغض النظر من قرب أو بعد موعد بذل المجهود. وهذا يعني أن إدمان الراحة ليس قدراً موحداً، وهو مسار يتشكل تدريجاً حسب العادات التي نغذيها يومياً. ففي كل مرة نختار فيها الطريق الأسهل على رغم قدرتنا على غيره، ندرب الدماغ على تفضيل هذا الخيار في المرة المقبلة، حتى يصبح "الأسهل" هو الخيار الافتراضي الوحيد المتاح أمام وعينا.
هل من طريق عودة؟
الخبر الجيد هو أن وسط كل هذه الإحصاءات القاتمة، كل الدراسات المذكورة أعلاه تتفق على نقطة واحدة، أن التأثيرات على رغم سرعتها قابلة للانعكاس. فالدراسات نفسها التي أظهرت ضموراً عضلياً خلال خمسة أيام من الراحة، أظهرت أيضاً أن مجهوداً بسيطاً قبل فترة الخمول مثل تمرين مقاومة واحد فحسب، بحسب دراسة حديثة بعنوان "التمارين المقاومة المسبقة تقلل من ضمور العضلات أثناء الراحة اللاحقة في السرير أو الخمول" (Prior resistance exercise attenuates muscle atrophy during subsequent bed rest/disuse) أجريت على كبار السن، كاف لتخفيف حدة الضمور بصورة ملحوظة. وحتى في حالات "هيكيكوموري" الأكثر تطرفاً، تشير التقارير إلى أن بعض المنعزلين تمكنوا من العودة التدريجية إلى الحياة الاجتماعية، بدءاً من خطوة رمزية واحدة، مثل محادثة عبر الإنترنت، ثم مكالمة، ثم لقاء وجهاً لوجه. وأظهرت الدراسات حول "منطقة الراحة" أن التعرض المتكرر والمتدرج لمواقف غير مألوفة كاف وحده لإعادة تشكيل استجابة اللوزة الدماغية ولا يحتاج الأمر إلى سنوات.
ولكن السؤال الأكثر إلحاحاً هو كم من "الراحة" التي نبررها لأنفسنا يومياً بحجة التعب هي بالفعل استراحة مشروعة وغير ضارة، وكم منها حلقة أولى في سلسلة يعيد فيها الدماغ بصمت وبلا استئذان تعريف ما هو ممكن وما هو متعب أكثر من اللازم؟
ربما لا تحتاج المسألة إلى قرار درامي بمغادرة الراحة أو الكنبة إلى الأبد، لكن فقط إلى تذكر أن كل شرفة تطل على العالم، ومهما كانت الإطلالة متعبة أحياناً، تستحق أن نقف عليها بين الحين والآخر، قبل أن ننسى كالمنعزلين في تلك الغرف البعيدة، كيف يبدو الباب من الخارج.