ملخص
في كل حفلة زفاف أو احتفال أياً كان نوعه، ما إن تنطلق نغمات إحدى أغاني الدبكة حتى تصطف مجموعات من الراقصين في وسط الساحة بحماسة لا يعرفها إلا من يعيشها
يشكل الرقص الفولكلوري جزءاً أساسياً من ثقافات الشعوب، وهي تعكس هويتها أيضاً. في لبنان، تعتبر الدبكة الرقصة الفولكلورية الأساسية، لكنها تتخطى كونها مجرد رقصة عادية لما لها من دلالات ومعان تعبر عن فرح ووحدة وقوة وترابط كبير بين الراقصين، إضافة إلى كونها تشكل جزءاً من التراث العريق. في العصر الحديث، يبدو أن جوانب عدة وتفاصيل من التراث اللبناني قد فقدت، فهل استطاع الشعب اللبناني الحفاظ على هذا الجزء الأساس من تراثه وهويته؟ أو ما إذا كان قد تخلى عنها جيلاً بعد جيل؟
في الدبكة وحدة وعنفوان
في كل حفلة زفاف أو احتفال أياً كان نوعه، ما إن تنطلق نغمات إحدى أغاني الدبكة حتى تصطف مجموعات من الراقصين في وسط الساحة بحماسة لا يعرفها إلا من يعيشها. يرقصون جميعاً يداً بيد مستعيدين بذلك رقصة الأجداد بما فيها من فرح وعنفوان، وإن لم تكن بينهم أية معرفة سابقة. أما فرق الزفة لرقص الدبكة التي تزين بعروضها حفلات الزفاف والمهرجانات فلا تعد ولا تحصى في لبنان، وهي تلقى رواجاً وتشكل عنصر جذب في كل حفلة توجد فيها. فمن قد لا تجذبه هذه الرقصة ويشعر بالحماسة والاندفاع نحو خطواتها؟ لكن هذا لا يعني حكماً أن الأجيال الجديدة حافظت على الرقصة الفولكلورية، وإن كانت انتقلت إلى الساحات والمسارح والمهرجانات والمناسبات الوطنية. وحتى إذا كانت الدبكة لا تزال حاضرة كرمز أساس للوحدة والتراث الحي، لا يمكن إلا أن نتساءل ما إذا كان الجيل الجديد يتمسك بأصول الدبكة التراثية، خصوصاً أنه يبدو أنها تحولت إلى فن استعراضي في كثير من الأحيان، ولكل من الدول التي ارتبطت بها الدبكة ميزات خاصة بها، كما أن لكل منطقة في لبنان رقصة دبكة عرفت بها، وإن كانت تعبر كلها عن التراث الوطني.
من بداياتها، تميزت الدبكة بأنواعها المتعددة بدءاً من الدبكة "الشمالية" التي تعتبر من أكثر الأنواع انتشاراً، ويقودها شخص يعرف بـ"الراس"، وهي تبدأ بحركات قوية وسريعة. أما دبكة "الدلعونا" الشهيرة فترتبط بأغاني "الدلعونا" وتتميز بخطواتها المرنة والجميلة، في وقت تتميز دبكة "الهوارة" بإيقاعها الحماسي وكلماتها الخاصة التي تعبر عن الفرح. وتعتبر الدبكة "البعلبكية" تلك التي تشتهر بقوتها وصلابتها، ومنها "الزينو"، أكثر أنواع الدبكة التي حافظت على التراث.
وكما يبدو واضحاً، ثمة اندفاع ملاحظ نحو رقصة الدبكة في مختلف الفئات العمرية، كما يظهر في المناسبات والحفلات والمهرجانات.
هذا ما يؤكده أيضاً مدرب الرقصة ومؤسس أكاديمية "زوربا" لتعليم الدبكة محمد زين، مشيراً إلى أن فكرة الانطلاق بتعليم الدبكة أتت لأن الدبكة تعني له كثيراً كثقافة وطريقة تعبيرعن النفس للشعب اللبناني والشعوب العربية، وإن كان متخصصاً في مجال بعيد كل البعد من الرقص، وقد بدأ شغفه في هذا المجال في "الجامعة الأميركية" في بيروت مع نادي الدبكة الخاص بها، الذي نشأ من فكرة تعليم الرقص الفولكلوري اللبناني، تماماً كما أن ثمة نوادي لتعليم الرقص اللاتيني وغيره من الرقصات.
"أضاف زين في تعليم رقصة الدبكة، لاحظنا أنها انتقلت من مرحلة إلى أخرى مختلفة تماماً بوجود منصة يوتيوب، قبلها كانت الدبكة عبارة عن فولكلور مع الفنانين الكبار ومع فرقة كركلا الراقصة، أما بوجود يوتيوب، فأصبح هناك مزيد من الاندفاع نحوها كرقصة اجتماعية يمكن اعتمادها بصورة عادية في الحفلات والأعراس، وهي لا تقتصر على المسارح فحسب. هي رقصة جامعة بين الناس يندفعون لتعلم خطواتها، وليس من الضروري فهم الدبكة التراثية التي نقلت في المسارح لتحقيق ذلك، لذلك حرصنا على تعليم الدبكة الشمالية التي تعتبر إلى جانب البداوي الأكثر انتشاراً في البلاد".
بعد تخرجه من الجامعة، أنشأ زين منصة "دبكة بعلبكية" على منصات التواصل الاجتماعي لينشر فيها فيديوهات تنقل أصول الدبكة، ومنها الدبكة "البعلبكية" وكبارها، ويحاول تفسير كل ما يتعلق بها من تفاصيل، بمختلف أنواعها، مع معلومات هدفها الحفاظ على هذا الإرث الثقافي، وينشر فيه كل ما يتعلق بتراثنا والحفاظ عليه نظراً إلى الشغف الذي لديه في هذا المجال.
تلك المرحلة شهدت إقبالاً كثيفاً من الناس، وبدأ متابعوه يطالبونه تلقائياً بتعلم الدبكة، فأنشأ الأكاديمية لتعليم الدبكة. ما يبدو لافتاً إلى أن الفئات العمرية الأكثر اندفاعاً في الأكاديمية لتعلم الدبكة هي في متوسط العمر، أي بين عمر 40 و50 سنة، فيرغبون في تعلمها أخيراً كونهم لم يتمكنوا من تعلم خطواتها في سن مبكرة وبقي ذلك هاجساً لهم. في الوقت نفسه، هناك اندفاع من راقصين يودون تعلم رقصة الدبكة وخطواتها، وهم في سن مبكرة، ولكنهم بمعدلات أقل، كما أن هذا الشغف لتعلم رقصة الدبكة برز بين المغتربين الذين يشكلون فئة كبيرة ممن يعشقون تعلم الدبكة. وهم يتعلمونها عن بعد (أونلاين)، ومنهم من غادروا لبنان من عقود، إلا أنهم يشعرون بالانجذاب إليها لأنها تشكل جزءاً من جذورهم وهويتهم. فالاندفاع واضح لدى الناس لتعلم الدبكة، وهذا ما اعتبره زين مرتبطاً إلى حد كبير بمنصتي "تك توك" و"يوتيوب" لاعتبارهما قربتا الدبكة من الناس، بعد أن كانت تتركز بصورة أساسية في المسارح، "لذلك أصبح الناس يزدادون انجذاباً وقد زادت الرقصة جمالاً في عيونهم"، مشدداً على أهمية أن يتعلم كل مواطن لبناني رقصة الدبكة تماماً، كما يتقن أي مواطن في العالم رقصة بلاده الفولكلورية.
الدبكة بعيداً من الفولكلور
لكن على رغم هذا التمسك بالدبكة، يبدو أن من يحضرون لتعلم خطوات الرقصة لا يرغبون في تعلمها كفولكلور، لأنهم يعتبرون أنهم قد لا يستفيدون منها في هذا الإطار. لذلك هم يتعلمون خطوات الدبكة التي يمكن رقصها في أي مكان، وهي نفسها يمكن القيام بها في فلسطين والأردن أو في أي مكان آخر، وهي الرقصة "الشمالية"، "فهناك نوعان أساسيان من الدبكة هما دبكة الدلعونا أو الشمالية أو الدقة الواحدة، وهي الدبكة السريعة أو الدبكة البداوية أو الدقتين. أيضاً، هناك أربعة أنواع أخرى من الدبكة لها صلة بمدينة بعلبك، لكن في العالم العربي عموماً ما لا يقل عن 35 نوعاً من الدبكة. مع الإشارة إلى أنه قد تكون هناك أنماط أساسية من الدبكة وثمة مناطق لها أسلوبها الخاص في الرقص، مما يجعلها تحمل اسمها، لكنها تبقى مشتركة بصورة عامة بين مناطق عديدة كنمط، وحتى بين دول. على سبيل المثال، الدبكة البداوية هي التي يزيد فيها التمايل إلى الأمام والخلف، إلا أن الأسلوب البعلبكي يجعلها تعرف بالدبكة البعلبكية، وإن كان أهل سوريا مثلاً لهم النمط نفسه. فقد تكون نفسها في دول ومناطق عدة من حيث المبدأ، ولو اعتمدت كل دولة أو كل منطقة اسماً مختلفاً أو عرضاً مختلفاً في تقديمها في إطار مختلف".
"باختصار يشعر اليوم الناس بالاندفاع لتعلم الدبكة لجمالها كما رأوها على منصات التواصل الاجتماعية، مما أعادهم للتراث حتى رغبوا في العودة إليه"، بحسب زين متابعاً "هذا إضافة إلى أنهم يرونها في حفلات الزفاف، ويرغبون في تعلم خطواتها لما يشعرونه من حماسة، وهذا ما لم يكن موجوداً قبل سنوات".
أيضاً على رغم هذا الرواج الذي تحققه الدبكة اليوم، لا يمكن التحدث عن مدارس أو أكاديميات تعطي شهادات في الدبكة كما بالنسبة إلى أنواع أخرى من الرقص، وإن بدأت تظهر مدراس عديدة تعلم الدبكة في البلاد نظراً إلى الإقبال الكثيف على تعلم خطواتها، "إذ تبقى الدبكة إرثاً ثقافياً استطاع أن يحافظ عليه، أو في الأقل على جزء منه، عمالقة مثل الرحابنة (الأخوان رحباني)، وزكي ناصيف، ونصري شمس الدين، ومن بعدها كركلا وغيرهم. أما في ما عدا ذلك فثمة أنواع من الدبكة في مناطق معينة زالت تماماً ودخلت طي النسيان، وفقدت تماماً. ولتعلم أصولها في الفولكلور اللبناني لا بد من التوجه إلى أساتذة الدبكة الذين يعرفون بشيوخ الدبكة، لكن يبدو أن ذاك الشغف الذي نشهده لرقصة الدبكة قد يختلف بحسب المناطق، فيزيد في قرى وبلدات لا يزال أهلها أكثر تمسكاً بالتراث جيلاً بعد جيل"، هذا ما أكده مدرب الرقص في "فرقة برجا (بلدة في جبل لبنان) للفنون الشعبية" محمد برو، معبراً عن عشقه لرقص الدبكة على رغم كونه رجل قانون، وأشار إلى أن في "فرقة برجا" راقصين تتراوح أعمارهم بين سبع سنوات و30 سنة، "وهي تضم أكثر من 60 راقص دبكة، إضافة إلى 120 هم من المتدربين الذين ليسوا بعد في جهوزية تامة للصعود على المسرح، مع الإشارة إلى أن الفرقة تأسست منذ أكثر من 26 عاماً".
يبدو الشغف واضحاً في حديث برو ناقلاً أن هذه المشاعر هي نفسها لدى جميع الراقصين في المنطقة، إضافة إلى أن المواهب في هذا المجال موجودة في كل لبنان "تطورت الدبكة مع مرور الوقت، لكنها تبقى جزءاً من تراثنا ولا بد من التمسك به. فلو نظرنا إلى هذه الرقصة قديماً لوجدناها رائعة بتفاصيلها، لكن لا يمكن أن ننكر أنها شهدت تحولات كبرى عديدة أسهمت في ظهور التغييرات فيها".
تابع برو "سجل التحول الأول في رقص الدبكة في مهرجانات بعلبك مع الدبكة البعلبكية التي تتسم بالرجولة، ولها أصول معينة لم تخسر شيئاً منها يوماً. وأتى الثنائي مروان ووديعة جرار ليطورا الفولكلور اللبناني وفي رقصة الدبكة مستندين إلى الفولكلور الروسي والرقصات الأوروبية. بعدها، أتى مسرح الرحابنة ولم تعد عندها فرقة الدبكة مقسومة إلى قسمين تقف وراء المطرب، بل أصبحت عبارة عن تشكيلات عدة. كما لعب فهد العبدالله في تطوير الدبكة أكثر وأصبحت الدبكة تتبع الأغنية، أما التحول الثالث في الدبكة فسجل مع رقص الباليه جاز الذي كان له الأثر أيضاً، خصوصاً مع ما أدخله فيها عبدالحليم كركلا من خطوات مستجدة فريدة، في وقت ينهي اللوحات التي يقدمها بالدبكة البعلبكية ودبكة العرجا".
في مرحلة لاحقة، حصل تحول كبير في الدبكة التي تجمع بين الدبكة والرقص الأجنبي، مما طرح إشكالية ما بين التمسك بالدبكة التراثية ومواكبة تطورات العصر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من جهة أخرى، أدى ظهور فرق الزفة على نطاق واسع في لبنان إلى انتقال الدبكة إلى مكان آخر، فمع ظهور فرق الزفة نزلت الدبكة بين الناس على الأرض، بعد أن كانت حاضرة على المسارح. في تلك المرحلة، اتخذت الأمور منحى تجارياً، وفق برو، "وفقد الشغف الذي كان موجوداً وأصبح الهدف من الزفة والدبكة دعوة الناس إلى الرقص، وخسرت الدبكة جزءاً من هويتها. على رغم ذلك، بقي للدبكة اللبنانية جاذبية خاصة في ساحات الرقص في مختلف المناسبات والحفلات، وما أن تنطلق أغاني الدبكة، حيث ينزل الجميع إلى ساحة الرقص للمشاركة فيها نظراً إلى كل ما تحمله من معان وحنين، فالجميع يصطفون لرقص الدبكة، سواء من كان يعرف خطواتها أم لا، وهي حالة لا تزال موجودة في المجتمع، مما يسهم في حفظ هذا الجزء الأساس من التراث جيلاً بعد جيل، على رغم كل ما حصل من تطوير وتحولات. في الوقت نفسه، بقي لكل من أنواع الدبكة جمهورها، وصولاً إلى تلك التي أدخل إليها شيء من النغمات الغربية".
وبحسب برو أيضاً "تعتبر الدبكة البعلبكية أكثر أنواع الدبكة التي حافظت على التراث والفولكلور، علماً أنها أتت من الجزيرة العربية وتتميز بكون الراقصين يقفون كتفاً على كتف ويعتمدون على الخطوات نفسها. لكن على رغم ما تتسم به من جمالية، لا تعتبر مناسبة للمسرح. في المقابل، تكون رقصة برجا حاضرة في الاحتفالات وفي زفة العرس وفي حفلات الحنة وغيرها، ولا تزال حاضرة في هذه العادات والتقاليد دوماً".
وأشار أيضاً إلى أن فرقة "برجا" حققت حلم رقصات كان الجميع يشاهدونها مع فيروز وصباح، وأعادت الحنين لأغانيهما من خلال اختيار الأغاني والخطوات، "في تدريبي على الرقص، عدت لستينيات القرن الماضي، وإلى ما أدخله الثنائي مروان ووديعة جرار على رقصة الدبكة بمزيج بين رقصة الدبكة الخاصة بنا والرقص الفولكلوري الروسي والأوروبي، فأحرص على تطوير الرقصات بتطعيمها بخطوات أوروبية. كما أحاول أن أحكي قصة من خلال الرقصة في الدبكة ما لم يكن موجوداً في التراث وفي أصول الدبكة، كما أن الرقصات التي أدرب عليها سهلة وتتسم بخطوات بدهية ليس فيها تعقيد ولا تتطلب الإتقان، وهي معتمدة من عام 2000 لليوم".
في كل الحالات، للدبكة معانيها ودلالاتها التي كانت ولا تزال راسخة في الأذهان. ففيها ارتباط بالأرض، على رغم ما تم تطويره فيه، وتجذب الجميع من صغار وكبار لتعلم خطواتها لما يرافقها من حماسة ولما لها من أثر نفسي محوره الحنين إلى التراث وإلى الجذور.