الرقص الشعبي... اليمنيون يحكون تاريخهم بالأجساد

أشهرها البرع والركلة والزفنة والعسكرية... ولكل واحدة ميزاتها وخصائصها

تنتشر في أنحاء اليمن ألوان شتى من الرقص الشعبي، إذ تشكل هذه النوعية من الفنون عامل ارتباط مباشر في مناسبات الأفراح والمناسبات الاجتماعية والاحتفالات الوطنية لكن اللون الفلكلوري تحديداً يعد الأكثر حيوية وجماهيرية.

ويرى الإعلامي والمهتم بشؤون التراث الشعبي محسن القرنعة، أنه "بالعودة إلى جذور الرقصات الشعبية ومجمل حركاتها الخفيفة والبطيئة، سنجد أن أغلبها مكمل لتطور المواويل القديمة التي كان يرددها رعاة الجمال، التي تعبِّر عن الصلة بين الرعاة والماشية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف في حديثه لـ"اندبندنت عربية"، أنه "مع تطور العمل وعلاقاته المختلفة، اختلفت مفاهيم وقيم التراث، بما في ذلك الرقصات الشعبية، سواء على صعيد الحرب وانتصاراتها، أو الرقصات ذات الطابع الفروسي، فمع تطور الزراعة والأعمال الأخرى تغيرت الأهازيج والمواويل، حتى اكتسبت مبررات الحركة والهزات المختلفة الملبية لصدى المواويل الراقصة أثناء العمل".

ويؤكد أنه "على الرغم من أن الكثير من الفنون التراثية اندثر في اليمن، فإن الرقص الشعبي لا يزال يسجل حضوره بقوة بين الناس وبطريقة تلقائية، رغم غياب الاهتمام الرسمي به"، لافتاً إلى أن "اليمن يزخر بكم كبير من الرقصات الشعبية تختلف من منطقة إلى أخرى، ولكل رقصة ميزاتها وخصائصها من حيث الأداء والإيقاعات والعادات والتقاليد السائدة في المنطقة التي تُمارس فيها، وأشهرها  البرع والركلة والحناء ونجيم الصباح والزفنة والعسكرية والهندية والشرح".

 

 

رقصة الشرح

وبحسب القرنعة "تُعد (الشرح) أكثر الرقصات انتشاراً في محافظات عدن ولحج وأبْيَن وشبوة، مع وجود اختلاف بسيط في الأداء من منطقة إلى أخرى، لكنه لا يؤثر في الملامح القديمة المشتركة للرقصة، ولا يُغيِّر من طابعها العام"، موضحاً أن "الاختلاف يكمن في نوعية الآلات المستخدمة مع الرقص، أو في حركة الراقصين من حركة مستقيمة إلى دائرية، ويؤدي هذه الرقصة راقصان فقط وسط المدارة (حلبة) ذهاباً وإياباً، بينما يقف الآخرون في صفين متوازيين، وينظمون صوت الإيقاع بحركة أرجلهم على الأرض".

استنتاج ومقارنة

وعلى الرغم من أن الرقص الشعبي حافظ على بقائه كفنٍ تراثي أصيل، فإن الكاتب في مجال التراث، علي المحمدي، يأسف لعدم وجود أي أبحاث علمية تهتم بهذا الفن.

وعن  تاريخ نشأة الرقصات الشعبية، يقول "لا يمكن الوصول إلى نقطة زمنية محددة في التاريخ لنشوء هذا الفن، إلا عبر الاجتهاد بالاستنتاج والمقارنة من خلال التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي".

يتابع مؤلف كتاب "الرقصات الشعبية"، أنه "من خلال سنوات دراستي وعملي وممارستي للفنون الشعبية في بلادنا، تمكنت من استخلاص كم كبير من موروثنا الشعبي المهدور الذي لم يجد من يدوّنه، حيث عملت على تأليف كتابي الذي يعتبر الأول من نوعه في اليمن، وأرصد فيه الرقصات الشعبية في مختلف المناطق".

 

 

رقصة البْرَع... كر وفر

وتظل "البْرَع" واحدة من أشهر الرقصات التي يتميز بها اليمن، وتُؤدي جماعياً وتقتصر على الذكور وتحاكي في تنقلاتها المبارزات القتالية والتكتيك الحربي ومهارات الاصطفاف والانقضاض والكر والفر.

ولرقصة "البْرع الصنّعَاني"، كما يقول المحمدي، دلالات ومعان لم تقتصر على كونها رقصة شعبية تُؤدى في مناسبات سعيدة فقط، فقد كانت قديماً تُستخدم كوسيلة لتوصيل خبر أو حدث ما، من خلال آلة الطاسة (إناء)، وهي هنا بمثابة أسلوب نداء لتحتشد جموع الناس ويجري إعلامهم بخبر ما، مع قرع سريع متتابع على الطاسة".

ويسهب في شرح رقصة البرع "هي رقصة تشتهر بها كثير من مناطق اليمن، ولا تقتصر على مدينة صنعاء، بل توجد في محافظات عِدة أبرزها المحويت وحجة المهرة وتعز والضالع ويافع، وإن كان المسمى واحد (البرع) فإن الطابع والمضمون يكون مغايراً بعض الشيء في الحركة أثناء تأدية الرقصة من محافظة إلى أخرى، حيث تظهر خصوصية هذه الرقصة في كل منطقة حسب العادات والتقاليد المتبعة"، ويوضح أن "هذه الرقصة عموماً تتكون من أربعة إيقاعات تصاعدية، حيث يختلف فيها المسمى الموسيقي للأوزان والحركات الإيقاعية من مدينة إلى أخرى".
ويمضي المحمدي في شرح آلية هذه الرقصة بقوله "تبدأ بقرع الطاسة وهي إناء نحاسي مغطى بالجلد يُصدر نغمات رنانة وقوية، يتجمع على إثرها الراقصون بزيهم الشعبي وتلتمع الخناجر في أياديهم بأضواء الشمس، ويتسارع الإيقاع من حين إلى آخر، بينما يبدأ عدد الراقصين في التناقص إلى أن يصل إلى راقصين اثنين في طور يُسمى (الهوشلية)، يخيل للمشاهد فيه أن أحدهما سيجرح الآخر من شدة التقارب وسرعة الإيقاع، وفي يد كل منهما (الجنبية) وهي الخنجر اليمني المعروف".

 رقصات حضرموت

ومن شمال اليمن إلى جنوبه، وتحديداً محافظة حضرموت التي تتميز بغزارة الرقص الشعبي فيها، وعشق سكان المدينة لهذا الفن.

يقول المهتم بشؤون التراث الشعبي، طارق باحشوان، إن "الرقصات الشعبية الحضرمية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالغناء، وهي خاصية تتميز بها فنون هذه المنطقة".
أما عن العوامل التي ساعدت في خلق وتشكل هذه الثروة العظيمة من فنون الرقص والغناء معا، فيقول "يرجع ذلك إلى ازدهار الحياة التجارية تاريخياً وانتعاشها، وإنشاء العديد من الموانيء ومحطات القوافل التجارية، واتساع مساحة حضرموت الجغرافية، ما جعلها تستقي هذه الثروة الفنية من منابع متعددة، وبتعدد الروافد تنوعت الأغاني والرقصات الشعبية وشكلت مزيجاً رائعاً، كما أن التوزيع الجغرافي للمدينة الذي يحتوي على شريط ساحلي ووديان ومرتفعات وأرياف، أدى إلى تعدد ألوان الغناء والرقص، بالإضافة إلى هجرة الحضارمة إلى بلدان عديدة أتاحت لهم الاطلاع على تراث الشعوب الأخرى، ونقل ما هو مستحدث منها إلى بلادهم، وتعدد الحرف التي يمارسها أبناء حضرموت والتي تعتبر المصدر الرئيس لخلق الحركة الإيقاعية والمصاحبة للألحان، وما الألحان والرقصات إلا تعبير حركي وصوتي للحرفة، كما أن التركيب الطبقي والاجتماعي للسكان أسهم في خلق ألحان ورقصات خاصة لكل طبقة في المجتمع".
ويلفت الباحث إلى أن "الرقصات الشعبية في حضرموت تنقسم إلى ثلاثة أنواع  حسب التقسيم التضاريسي للمحافظة، وهي رقصات الساحل، مثل الهبيش والعدة، ورقصات الوادي مثل الزربادي والقنيص، ورقصات الصحراء مثل شرح المناهيل".

 

 

رقصة الهبيش
تمارس هذه الرقصة في معظم مدن وقرى الشريط الساحلي لحضرموت، ولهذا سميت أيضاً بـ"الرقص الساحلي"، لأنها لا تؤدى إلا في المدن والقرى الساحلية، وهي من الرقصات المختلطة التي تعتبر فيها بنات البادية المشاركات مصدر إبداع وإلهام للشعراء، ومنهم الشاعر والملحن حسين المحضار.
وتعتمد الرقصة على الغناء الجماعي والأشعار الغزلية ولا تصاحبها أي آلات موسيقية، وتسبقها مساجلات شعرية ارتجالية على ألحان عذبة يتنافس فيها فطاحل الشعراء أثناء تجمع الأهالي في ساحة الرقص، وفي مناسبات مختلفة كالأعراس والمهرجانات الشعبية التي كانت تقام آنذاك، التي تسمى "زيارات الأولياء" وغيرها من المناسبات، حيث يصطف مؤدو الرقصة في صفين متقابلين ينشدون اللحن المختار بالاعتماد على حركة الأرجل والأكف وتتناوب الفتيات للدخول إلى حلبة الرقص، ويرقصون في شكل دائري حتى فجر اليوم التالي.


رقصة الزربادي
وتعرف هذه الرقصة أيضاً بـ"الريض" لاستطالة وامتداد إيقاعاتها، وتُؤدى في ساحل ووادي حضرموت، ويقدمها الرجال والنساء كلٌّ بمعزل عن الآخر، وتستخدم فيها وحدة إيقاعية مكونة من الهاجر وعدد ثلاثة مراويس، وهي أدوات الطبل، وتتجاوب فيما بينها بشكل منفرد متعدد الضربات بمرافقة آلة الناي (القصبة)، وغالباً ما تكون ألحانها من أغاني "الدان" القديمة أو من ألحان الإنشاد الصوفي.
وتعد الرقصة خاصة بالطبقة العليا في المجتمع كالسادة (الأشراف) والشيوخ، وتؤدى دائماً في مناسبات الزواج.
وتقام الرقصة عادة في الساحات العامة، أو في أفنية المنازل، خصوصاً أن معظم المنازل هناك محاطة بأسوار، حيث تبدأ الرقصة بالعزف على الناي، ثم يعقب ذلك الغناء، ويجلس الناس حول الفرقة تاركين مساحة للراقصين، أما الراقصون فلا يزيد عددهم على اثنين وأحياناً أربعة، لكنهم في الأصل اثنان ويرقصان في اتجاه الفرقة العازفة، بحيث يدخلان إلى الحلبة في شكل حلزوني مع القفز إلى الأعلى والانحناء على الركبتين في تناغم جسدي متوافق يجسد مهارة المؤدين، وتقسّم الرقصة إلى مقطعين، يُسمى الأول مدخلاً وهو أكثر رتابة في حركته وإيقاعاته، ويُسمى الآخر مخرجاً ويغير ميزانه الإيقاعي إلى أكثر سرعة من سابقه.
وتعتبر الزربادي من أجمل الرقصات وأكثرها شهرة في المجتمع الحضرمي، خصوصا مدنها الرئيسة مثل تريم وسيئون والحوطة والشحر والغيل، وهي من الرقصات التي تمثل المجتمع الحضرمي الراقي المتمدن، وامتدت حدودها إلى سلطنة عُمان وخصوصاً منطقة ظفار، وتُؤدى بنفس الشكل وخصوصاً المدخل وتسمى بـ"شرح الرجال"، وأصبحت هذه الرقصة الأرستقراطية سفيرة حضرموت في إندونيسيا وماليزيا.

المزيد من فنون وأضواء