Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أزمة البنزين في إيران... عجز يهدد برفع الأسعار وتقليص الحصص

تجد حكومة مسعود بزشكيان نفسها أمام معادلة معقدة

تداول مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تظهر طوابير طويلة من الشاحنات والمركبات الثقيلة بانتظار الحصول على الديزل في مدن إيرانية مختلفة (أ ف ب)

ملخص

تزداد أزمة البنزين تعقيداً في وقت لا يعني توقف الهجمات الأميركية انتهاء الحرب. فقد قال الرئيس دونالد ترمب، أول من أمس، إن الولايات المتحدة تجري مفاوضات عميقة للغاية مع النظام الإيراني، لكنه حذر من أنه في حال فشل هذه المفاوضات فإن واشنطن مستعدة لاستئناف عمل عسكري قوي، مؤكداً أن الوقت المتاح للتوصل إلى اتفاق محدود وأن المفاوضات ينبغي أن تفضي إلى نتائج سريعة.

تكشف تقارير حديثة عن تفاقم أزمة نقص البنزين والديزل في إيران، بما يشير إلى أن أزمة الوقود تجاوزت مرحلة التحذير، لتتحول إلى أحد أبرز التحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجه النظام الإيراني. ويتزامن ذلك مع استمرار تهديدات دونالد ترمب وارتفاع احتمالات تجدد الحرب، في وقت باتت مؤشرات الأزمة واضحة من خلال تصريحات المسؤولين، وتأكيد قرب رفع أسعار الوقود بصورة كبيرة، إلى جانب تنامي مخاوف المواطنين.

ونقل موقع "أكسيوس" عن مسؤولين أميركيين أن التقييمات الاستخباراتية في واشنطن تشير إلى أن ضغوط العقوبات والحصار الاقتصادي المفروض على جنوب إيران قد تلحق بالنظام الإيراني أضراراً تفوق تلك الناجمة عن الضربات العسكرية. ووفقاً للتقرير، أصبح نقص البنزين في إيران، على رغم امتلاكها احتياطات هائلة من النفط والغاز، أحد أبرز مؤشرات تعمق الأزمة الاقتصادية.

أضاف المسؤولون الأميركيون لـ"أكسيوس" أن المشكلات الاقتصادية وشح الموارد المالية والاضطرابات في تأمين الوقود، أضعفت قدرة النظام على إدارة الأوضاع الداخلية وتمويل نفقاته العسكرية. وتشير التقييمات الاستخباراتية الأميركية إلى أن النظام الإيراني بات في حاجة إلى استعادة موارده المالية وتخفيف الضغوط الاقتصادية أكثر من حاجته إلى وقف الهجمات العسكرية.

وجاء هذا التقرير تزامناً مع تحذير المتحدث باسم اتحاد مصدري المنتجات النفطية والغاز والبتروكيماويات حميد حسيني، أول من أمس الإثنين، من "نقص حاد في البنزين" داخل إيران، معلناً أن البلاد تواجه حالياً عجزاً يومياً يناهز 20 مليون ليتر من البنزين. وأوضح حسيني أن الطاقة الإنتاجية اليومية للمصافي الإيرانية تبلغ نحو 110 ملايين ليتر، في حين يصل الاستهلاك اليومي إلى نحو 130 مليون ليتر. وأضاف أن هذه الفجوة كانت تعالج سابقاً عبر المخزونات أو الاستيراد، إلا أن الحرب والحصار المفروض على موانئ الجنوب ونقص العملات الأجنبية والقيود الإقليمية والهجمات على المصافي الروسية، جعلت استيراد البنزين من الخارج "شبه مستحيل". وأكد أيضاً أن شركات البتروكيماويات لا تستطيع تقديم حل مستدام لهذه الأزمة، كما أن الحكومة لا تمتلك الموارد المالية الكافية لمواصلة استيراد البنزين على نطاق واسع. وتابع أن سحب بطاقات الوقود، وتقييد استخدام بطاقات محطات التعبئة، وإعادة طرح فكرة رفع الأسعار، كلها مؤشرات إلى أن الحكومة تسعى إلى تحميل المستهلكين جزءاً من الكلفة الباهظة لتأمين الوقود.

غير أن هذه الأزمة ليست نتيجة للحربين الأخيرتين فحسب، إذ أسهمت عوامل متراكمة من بينها الفساد وتقادم المصافي وتراجع نمو الطاقة الإنتاجية مقارنة بارتفاع الاستهلاك، وإهمال الحكومات المتعاقبة خلال العقود الماضية تحديث البنية التحتية وانتشار المركبات المحلية مرتفعة الاستهلاك، وتهالك أسطول النقل وتهريب الوقود وضعف تطوير شبكة النقل العام، في تعميق أزمة البنزين في إيران. أما الحرب والقيود المفروضة على الاستيراد فقد دفعتا أزمة قديمة إلى مرحلة أصبح من الصعب على الحكومة الاستمرار في إخفائها.

في السياق ذاته، تداول مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تظهر طوابير طويلة من الشاحنات والمركبات الثقيلة بانتظار الحصول على الديزل في مدن إيرانية مختلفة. ولا تقتصر تداعيات نقص الديزل على توقف حركة الشاحنات، بل تمتد إلى زيادة فترات الانتظار وتراجع عدد الرحلات وارتفاع كلفة النقل، مما سينعكس في نهاية المطاف على أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية والمنتجات الصناعية، ليتحمل المستهلك النهائي مرة أخرى عبء هذه الزيادات.

في المقابل، أفاد مستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي بظهور طوابير أمام عدد من محطات الوقود في طهران. وقد دفعت المخاوف من استئناف الهجمات الأميركية واحتمال اضطراب الإمدادات والإشاعات المتداولة في شأن رفع مفاجئ لأسعار البنزين كثيراً من السائقين إلى ملء خزانات سياراتهم وتخزين الوقود، ومن شأن هذا الارتفاع المفاجئ في الطلب أن يزيد الضغط على شبكة التوزيع ويفاقم أزمة النقص القائمة.

من جانبها، أعلنت المتحدثة باسم حكومة مسعود بزشكيان، فاطمة مهاجراني، السبت الماضي أن تعديل أسعار البنزين أو إعادة العمل بنظام الحصص أصبح أمراً مؤكداً وحتمياً، وقالت إن الحكومة مضطرة إلى اعتماد آليات جديدة لإدارة الاستهلاك بهدف إعادة التوازن إلى سوق البنزين، وهو المصطلح الذي تستخدمه السلطات الإيرانية بدلاً من الإقرار بوجود نقص في البنزين والمياه والكهرباء، لكنها لم تحدد موعد تطبيق زيادة الأسعار أو القيود الجديدة، ولا الآلية التي ستنفذ من خلالها.

وكان الرئيس التنفيذي للشركة الوطنية الإيرانية لتكرير وتوزيع المشتقات النفطية محمد صادق عظيمي فر، قد حذر في وقت سابق من أنه في حال استمرار القيود على الإنتاج والاستيراد، فقد تضطر الحكومة إلى اتخاذ قرارات جديدة من أجل الحفاظ على استقرار إمدادات الوقود.

وأثارت هذه التصريحات تكهنات متزايدة في شأن رفع سعر الشريحة الثالثة من البنزين من 5000 تومان (نحو 0.03 دولار) إلى 10000 تومان (نحو0.07 دولار) لليتر، أو تقليص الحصص المدعومة. وحتى الآن، لم تعلن الحكومة تفاصيل القرار النهائي، إلا أن مسؤوليها يسعون بوضوح إلى تهيئة الرأي العام لزيادة الأسعار أو فرض قيود أوسع على استهلاك الوقود.

وسبق أن كشف نائبان في البرلمان الإيراني وعدد من وسائل الإعلام الرسمية عن إصرار منظمة التخطيط والموازنة على مضاعفة سعر الشريحة الثالثة من البنزين. ووفقاً لهذا المقترح، يُرجح الإبقاء على الحصة المدعومة البالغة 60 ليتراً بسعر 1500 تومان (نحو 0.01 دولار) لليتر، و70 ليتراً إضافية بسعر 3000 تومان (نحو 0.02 دولار) لليتر، فيما سيُباع البنزين الذي يتجاوز هذه الحصص بسعر 10000 تومان (نحو 0.07 دولار) لليتر.

ومع ذلك، أظهرت تجربة تطبيق الشريحة الثالثة بسعر 5000 تومان (نحو 0.03 دولار) أن رفع الأسعار وحده لا يؤدي إلى خفض ملموس في الاستهلاك. فكثر من الإيرانيين لا يملكون خياراً آخر للتنقل اليومي سوى استخدام سياراتهم الخاصة، بسبب محدودية شبكات المترو والحافلات ووسائل النقل العام أو تقادمها داخل أجزاء واسعة من البلاد، كما أن السيارات المحلية لا تزال تستهلك الوقود بمعدلات تفوق نظيراتها العالمية القياسية بعدة أضعاف.

وعادة ما يقارن المسؤولون في النظام الإيراني انخفاض أسعار البنزين في إيران بأسعار الوقود داخل أوروبا، لكنهم يتجاهلون الفارق الكبير في مستويات الدخل. فالعامل الإيراني الذي يتقاضى راتباً شهرياً يبلغ 20 مليون تومان (نحو 133 دولاراً) لا يتجاوز دخله، وفقاً لسعر الصرف الحالي، نحو 93 يورو (105.85 دولار)، بينما يزيد الحد الأدنى للأجور في كثير من الدول الأوروبية على 1500 يورو (1.707 دولار) إلى 2000 يورو (2.279 دولار) شهرياً. ويتمتع سكان أوروبا، إلى جانب دخولهم الأعلى، بإمكانية استخدام سيارات منخفضة الاستهلاك، وشبكات واسعة من القطارات والترام والمترو والحافلات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن المرجح أن تنعكس أي زيادة في أسعار البنزين داخل إيران، حتى وإن استهدفت فقط المستهلكين الذين يتجاوزون الحصص المدعومة، بسرعة على أجور سيارات الأجرة وكلف نقل البضائع وأسعار المواد الغذائية. بالتالي، فإن الكلفة الحقيقية لرفع أسعار الوقود لن يتحملها مالكو السيارات وحدهم، بل ستقع على عاتق جميع الأسر، بما في ذلك الشرائح ذات الدخل المنخفض.

وتزداد أزمة البنزين تعقيداً في وقت لا يعني توقف الهجمات الأميركية انتهاء الحرب. فقد قال الرئيس دونالد ترمب أول من أمس، إن الولايات المتحدة تجري مفاوضات عميقة للغاية مع النظام الإيراني، لكنه حذر من أنه في حال فشل هذه المفاوضات، فإن واشنطن مستعدة لاستئناف عمل عسكري قوي، مؤكداً أن الوقت المتاح للتوصل إلى اتفاق محدود وأن المفاوضات ينبغي أن تفضي إلى نتائج سريعة.

وكانت الولايات المتحدة أوقفت موقتاً قصفها لإيران بعد 13 ليلة من الهجمات، لإتاحة المجال أمام المفاوضات المتعلقة بمضيق هرمز وإمكانية التوصل إلى اتفاق، إلا أن خيار توسيع نطاق العمليات العسكرية لا يزال مطروحاً.

وفي ظل هذه الظروف، تجد حكومة مسعود بزشكيان نفسها أمام معادلة معقدة. فمن جهة تواجه عجزاً يومياً في البنزين، وتراجعاً في الموارد المالية وتزايد صعوبة استيراد الوقود، ومن جهة أخرى يتعين عليها الاستعداد لاحتمال استئناف الهجمات الأميركية وما قد يرافقها من أضرار إضافية تلحق بالبنية التحتية لقطاع الطاقة.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير