ملخص
تملك إثيوبيا بعض عناصر القوة في ما يخص سعيها إلى امتلاك منفذ بحري، لكنها في المقابل تواجه تحديات داخلية، في الأزمات السياسية والعرقية، وبينما يقول مستشار الأمن القومي الإثيوبي، إن سعي بلاده إلى المنفذ البحري قضية ترتبط بالسيادة الوطنية، بيدو أنها باتت تلقى قبولاً متزايداً على المستويين المحلي والدولي.
يظل موضوع المنفذ البحري الذي تطالب به إثيوبيا ما بين النوايا وفرص التحقيق، في ظروف واقع يتبدل بين ثبات وتغير، وبما أن فرص التغير محكومة بإرادات قوى ومصالح في ظل تنافس إقليمي، يبقى التساؤل حول مصير الطموح الإثيوبي في الوصول إلى البحر، فإلى أي مدى يستمر رفع هذا الشعار؟ وما معطيات المرحلة المقبلة في الشرق الأفريقي؟
متغيرات حقيقية يشهدها العالم في ظل الصراع المستمر ما بين الأطماع والحقوق، وهي ترسم واقعاً سواء على مستوى قضايا دولية كقضية الشرق الأوسط وتفاعلاتها المستمرة منذ ما قبل الحرب الأميركية - الإيرانية وما بعدها، أو ما يتبع من إفرازات الحرب الدائرة في أوكرانيا بما أحدثته من تبعات وترتبه من واقع جديد على النطاق الدولي.
وعلى المستوى الإقليمي لا تزال تشكل حرب السودان هاجساً إنسانياً لما يرافقها من انتهاكات وتظلمات، إلى جانب القضايا المتفاعلة في منطقة القرن الأفريقي، والمهددات الحقيقية للسلام في المنطقة، ويزيد ذلك من حدة الخلافات وتبعات التنافس الإقليمي بين دول المنطقة (إثيوبيا والصومال وجيبوتي وإريتريا والسودان ومصر) وتأثيراته في الواقع الإقليمي في ظل ما يرتبط بذلك من مصالح أطراف دولية أخرى تجاه البحر الأحمر وخليج عدن وسواحل الصومال.
قضية وطنية
وما بين حيوية القرن الأفريقي في امتداده على ساحل البحر الأحمر وخليج عدن والمصالح المترابطة لأطراف إقليمية ودولية تبرز دلالات الصراع على المنطقة، ويظل في مقدمها مطلب إثيوبيا بالمنفذ البحري كقضية لا نهاية لها. ففي ظل واقع إقليمي غير مرحب تسوق القناعات الإثيوبية الحجج في مختلف أوجهها، سواء تاريخية تحكي عن واقع بحري إثيوبي امتد قروناً، وفي ظله ارتبط اسم الحبشة بحضارة البحر الأحمر المعروفة بوقائعها وأحداثها وموروثاتها، إلى جانب الحجج المادية والحضارية التي لا تسقطها الجغرافيا.
على مستوى آخر، تظل الخلافات الإقليمية بين دول المنطقة كعامل مشجع على تدخلات القوى الدولية، ولا يستبعد مراقبون تمدد صراع الشرق الأوسط إلى القرن الأفريقي، في ظل أطماع غير محدودة لقوى كبرى تنشد التموضع كأميركا وروسيا والصين وتركيا وإسرائيل، وأخرى إقليمية ترعى مصالحها كمصر والسودان والصومال وإثيوبيا وإريتريا، لترتسم ملامح مرحلة يؤدي فيها القرن الأفريقي دوراً حيوياً على شواطئ البحر الأحمر وخليج عدن.
وقال مستشار الأمن القومي لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، قنا يادتا "إن سعي إثيوبيا إلى الحصول على منفذ بحري سيادي يمثل قضية ترتبط بالسيادة الوطنية والمصالح الاستراتيجية للبلاد"، مشيراً إلى أن الموقف الإثيوبي يستند إلى اعتبارات تاريخية وقانونية.
وأوضح وفق ما أوردت وسائل إعلام محلية أن "قضية امتلاك إثيوبيا منفذاً بحرياً أصبحت جزءاً من الرؤية الأمنية والاستراتيجية للدولة. ويلقى هذا الطرح قبولاً متزايداً على المستويين المحلي والدولي"، وأشار إلى أن "ملف الوصول إلى البحر يحظى باهتمام واسع داخل إثيوبيا أيضاً، إذ يمثل قضية وطنية تتجاوز الانتماءات السياسية والدينية".
أحداث متداخلة
يقول الباحث السياسي ياسر قطيشات إن "منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر تشهد منذ أعوام سلسلة متراكمة من الأحداث المتداخلة، غير أن وتيرتها وتسارعها بعد حرب غزة الأخيرة أعادا طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة التحولات الجيوسياسية الجارية، وأطرافها الفاعلة، وأهدافها النهائية، فالمشهد لا يمكن قراءته بوصفه أزمات منفصلة في اليمن أو السودان أو الصومال، بل كجزء من بنية صراعية أوسع، تتعلق بالتحكم بالممرات البحرية الاستراتيجية وإعادة هندسة توازنات القوة في الإقليم العربي ومحيطه الأفريقي، ضمن سياق تنافس دولي تقوده الولايات المتحدة، وتستفيد منه إسرائيل مباشرة".
ويضيف قطيشات "يمثل البحر الأحمر أحد أهم الشرايين الحيوية للتجارة العالمية وأمن الطاقة، ويُعد من أخطر نقاط الاختناق البحرية في العالم، إذ يربط البحر المتوسط بالمحيط الهندي عبر مضيق باب المندب، ويجاور هذا الممر الحيوي مناطق نفوذ تقليدية لدول عربية محورية مثل مصر والسعودية واليمن، مما يجعل أي اضطراب في ضفتيه الأفريقية أو العربية انعكاساً مباشراً على الأمن القومي العربي"، ويشير إلى أنه "خلال العقد الأخير تحول القرن الأفريقي من هامش جيوبوليتيكي إلى قلب 'الجغرافيا القلقة' في العالم، وأصبح ساحة صراع مفتوحة بين قوى إقليمية ودولية، عبر إنشاء قواعد عسكرية، وضخ استثمارات استراتيجية في الموانئ، ودعم حركات محلية أو كيانات شبه دولية، بما يسمح بإدارة النفوذ والتحكم بالمسارات الحيوية من دون كلفة الاحتلال المباشر"، ويوضح "في هذا السياق يبرز الاعتراف الإسرائيلي المفاجئ بما يُعرف بـ'صوماليلاند'، غير المعترف بها دولياً، بوصفه تطوراً بالغ الخطورة. ولا تكمن خطورة الخطوة في قيمتها القانونية بقدر ما تكمن في رمزيتها السياسية وتوقيتها الاستراتيجي، إذ جاءت في لحظة اضطراب إقليمي أعقبت حرب غزة. ولا يمكن فصل هذا الاعتراف عن سعي إسرائيل إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إيجاد موطئ قدم مباشر على الضفة الأفريقية للبحر الأحمر، وتأمين خطوط الملاحة الإسرائيلية وتوسيع عمقها الاستراتيجي جنوباً، إضافة إلى توظيف الكيانات غير المعترف بها كأدوات ضغط ومساومة إقليمية، سواء في ملف التهجير الفلسطيني أو في مواجهة دول عربية وإقليمية مركزية، مثل السعودية ومصر وتركيا وإيران. وبهذا المعنى تتحول 'صوماليلاند' إلى حلقة جديدة في شبكة نفوذ تمتد من شرق المتوسط إلى باب المندب".
دور محوري
وعلى مستوى متصل بالتحولات المنشودة في الواقع الإقليمي بالقرن الأفريقي، أكد المستشار الأمني الإثيوبي، قنا يادتا أن "إثيوبيا تؤدي دوراً محورياً في منطقة القرن الأفريقي من خلال مساهمتها في جهود التنمية الاقتصادية والتكامل الإقليمي وتعزيز الأمن والاستقرار"، لافتاً إلى أن "تداعيات قضية الوصول إلى البحر لا تقتصر على الشأن الداخلي، بل تمتد إلى علاقات التعاون والتكامل بين دول المنطقة"، وأضاف أن التحديات الأمنية في القرن الأفريقي تتسم بترابط وثيق، موضحاً أن "استقرار أي دولة في المنطقة ينعكس على جيرانها، كذلك فإن الأزمات الأمنية في الدول المجاورة يمكن أن تؤثر في أمن واستقرار إثيوبيا".
وقال يادتا "إن حصول إثيوبيا على منفذ بحري سيادي من شأنه، وفق الرؤية الحكومية، أن يسهم في تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني في المنطقة"، مشيراً إلى أن "هذا المسعى يرتبط أيضاً بالثقل السكاني للبلاد الذي يتجاوز 130 مليون نسمة". وأضاف أن "تحقيق هذا الهدف قد تكون له انعكاسات على المشهد السياسي والاقتصادي والأمني في القرن الأفريقي"، معتبراً أن "الوجود السيادي لإثيوبيا على البحر يمكن أن يسهم في دعم الاستقرار الإقليمي وتعزيز فرص التكامل والتعاون بين دول المنطقة".
وعلى رغم تباين القناعات في ما يخص مطلب "البحر الإثيوبي" ومراوحة الأزمة مكانها، فإن عامل الزمن وما يتبع من أحداث ومستجدات تتطاب نوعاً من الإدراك والاستدراك، فربما تؤدي متغيرات في إيجاد قراءات جديدة لهذا الملف، وإيجاد حلول توصل إلى الحوار ضمن آفاق ورؤى متقاربة.
أرضية واقعية
ويقول الأستاذ الجامعي المتخصص في الشؤون الأفريقية علي حسين يمر إنه "إبرازاً للمنطق الاستراتيجي والديموغرافي والتاريخي الذي يستند إليه الموقف الإثيوبي، فهو ينطلق من أرضية واقعية صلبة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالانفجار الديموغرافي الهائل الذي تشهده البلاد، حيث تجاوز عدد السكان حاجز 130 مليون نسمة، هذا التضخم السكاني المتسارع يفرض ضغطاً زمنياً هائلاً على صانع القرار في أديس أبابا، ويحول مسألة تأمين شريان بحري مستقل من مجرد ترف سياسي أو رغبة في التمدد إلى مسألة وجودية تخدم حقاً أساساً وحتمياً وهو الحق في التنمية، إذ لا يمكن لثاني أكبر دولة في أفريقيا من ناحية عدد السكان أن ترهن مستقبل أجيالها ومعدلات نموها الاقتصادي المتصاعد بقيود جغرافية تمنعها من التواصل المباشر والمستدام مع حركة التجارة العالمية"، ويضيف أن "إثيوبيا تستند في اندفاعها نحو البحر على قناعة استراتيجية راسخة ترى أن بقاءها كأكبر دولة، مكبلة وحبيسة في العالم بعدما سُلب منها البحر الأحمر من دون أي استفتاء شعبي، يشكل عبئاً جغرافياً واقتصادياً غير عادل يعوق تطلعاتها الكبرى"، ويتابع "إن الاعتماد المطلق على منافذ عبور وحيدة يضع الاقتصاد الإثيوبي تحت رحمة تقلبات السياسة وضغوط الموانئ البديلة الفادحة، وهو ما يبرر سعي أديس أبابا الدؤوب إلى كسر هذا الطوق الجغرافي، والبحث عن خيارات مستقرة وآمنة تضمن لها سيادة مرنة على ممراتها التجارية، وتنقذ نتاجها القومي من دفع فواتير باهظة لدول الجوار من دون عائد سيادي متبادل، كذلك تجد الرؤية الإثيوبية سنداً قوياً في روح ومبادئ القانون الدولي، وتحديداً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تمنح الدول الحبيسة صراحةً حق الوصول إلى البحار والمحيطات والاستفادة من ثرواتها البحرية، بل إن إثيوبيا تفوق هذا القانون لأنها لم تفقد حقها بطريقة قانونية، إنما فقدته بظلم جائر من بعض السياسيين الذين لا حظَّ لهم في الدولة ولا في التاريخ، وفي هذا السياق لا يمثل التحرك الإثيوبي خرقاً للسيادة أو القوانين، بل هو تفعيل مشروع لهذه المرجعيات الدولية عبر محاولة هندسة اتفاقات وترتيبات إقليمية عملية تضمن العبور الآمن، وتحول نصوص القانون الدولي النظرية إلى واقع اقتصادي ملموس يخدم مصالح أديس أبابا وتطلعات شعبها في الازدهار والاتصال بالعالم".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويوضح علي حسين يمر "يرى الموقف الإثيوبي أن تأمين منفذ بحري عبر شراكات استراتيجية ذكية واتفاقات تبادلية لا يهدد أمن القرن الأفريقي، بل يمثل حجر زاوية لاستقراره ونموه الجماعي. فإدماج إثيوبيا بوزنها البشري والاقتصادي الضخم في معادلات البحر الأحمر وخليج عدن سيسهم في بناء شبكة مصالح متداخلة ومنافع متبادلة مع دول الطوق البحري، بل لأفريقيا وللعالم. إن تحويل هذا الطموح إلى مشروع شراكة إقليمية تنموية هو السبيل الأمثل لإنهاء التنافسات الصفرية، وتعزيز بنية الأمن المشترك في المنطقة، ليكون البحر رابطاً جغرافياً وتنموياً يجمع الأطراف كلها ولا يفرقها".
كثير من المعوقات
أما الكاتب والباحث في شؤون القرن الأفريقي، يوسف ريحان، فيرى أن "أهمية المنفذ البحري لإثيوبيا لا يقل عن أهمية سد النهضة الذي اكتمل بناؤه ودخل دائرة التشغيل كأحد رافعات النهضة الإثيوبية وتحقيق التنمية من خلال توفير الكهرباء التي تؤدي دوراً رئيساً في ذلك، فالمنفذ البحري لا يقل أهمية كذلك عنه، ومكمن الفرق بين الاثنين هو أن سد النهضة يقع في الأراضي الإثيوبية والمنفذ البحري المخطط له يقع في الأراضي الإريترية أو غيرها مما يتصادم مع السيادة هناك ويفرض صعوبات تحد من تحقيقه على أرض الواقع".
ويشير ريحان إلى أن "ما يمكن قراءته من التصريحات الإثيوبية في مناسبات عدة، عن إمكان الحصول على المنفذ عبر خيارَي التفاوض أو القوة التي لا يمكن تفسيرها إلا من خلال الحرب، مما استفز الجانب الإريتري الذي تعامل مع هذه التوجهات بجدية عبر الاستعدادات العسكرية والحشود على الحدود التي جاءت كردة فعل لهذه التصريحات وتحسباً لأسوأ السيناريوهات"، يتابع "يظل الموقف الإثيوبي شبيهاً بملء فراغ أحدثه اكتمال سد النهضة الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، فتم الدفع بالمنفذ البحري كمشروع مهم بخاصة إذا علمنا أن استخدام الموانئ البحرية الجيبوتية يكلف كثيراً وينعكس شللاً وإبطاءً للتنمية ويرفع كلف الحياة على المواطن، إلا أن هذا الطموح الإثيوبي المشروع يمكن أن يجد السبيل للتحقق عبر الحوار والتفاوض والتواصل مع القيادة الإريترية بخاصة أن هناك تجربة إيقاف الحرب بين الدولتين (1998 – 2000) وإعادة العلاقات بينهما بعد انقطاع دام أعواماً"، وزاد "من جانب آخر لا يخفى على أحد أن التعقيدات المحيطة بملف المنفذ البحري الذي تطالب به إثيوبيا لا تتعلق فقط بالجانب المدني بل لها علاقة بالأبعاد العسكرية، بعدما اكتسب البحر الأحمر أهمية حيوية في الآونة الأخيرة بخاصة بعد الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، واكتسبت الدول المشاطئة للبحر الأحمر وضعاً متقدماً في الاهتمام الدولي وستسعى الدول الكبرى إلى إحداث معادلة للمنطقة ومسارها مستقبلاً، وإثيوبيا يهمها بالطبع أن تكون جزءاً من المعادلة الإقليمية التي تبرز وسط تنافس محموم بينها وبين مصر بخاصة بعد تجربة ملف سد النهضة الذي باعد بينهما، وما زالت الخلافات حاضرة حتى الآن".
واعتبر ريحان أن "تحقيق المنفذ البحري يمر بكثير من المعوقات التي تقف في طريقه، فالاستقرار في إثيوبيا بخاصة في إقليم تيغراي مهم وضروري وهو أحد المعوقات، والعلاقة مع إريتريا تظل في مربع التوتر وأظنها تتعقد كل يوم بخاصة بعد الزيارة الأخيرة للرئيس الإريتري إلى مصر في الثامن من يونيو (حزيران) الجاري وحساسية هذه الزيارة بالنسبة إلى إثيوبيا، وفي المقابل فإن عقد بعض قيادات المعارضة الإريترية مؤتمراً صحافياً في يونيو أيضاً، في أديس أبابا وتبني مشروع أُطلق عليه اسم 'الثورة الخضراء الإريترية' لإسقاط النظام في أسمرة، فذلك أيضاً حدث حساس ولديه انعكاسات سلبية على العلاقات بين الدولتين، والحرب في السودان ليست ببعيدة في خلطها للأوراق وتأثيرها في الجغرافيا السياسية التي كانت ساكنة، لتحركها في اتجاه جديد وتؤثر في شكل التحالفات القديمة وإمكان إحيائها وفقاً لدرجة دفع كل طرف"، ويخلص "سيظل السؤال المطروح بالنسبة إلى قضية المنفذ البحري الإثيوبي هو آلية تحقيق الهدف والقدرة لتحقيقه سواء سلماً أو حرباً، وما التبعات المترتبة على ذلك وقدرة الأطراف على تحملها؟".
أبرز الطموحات الاستراتيجية لإثيوبيا
من جهة أخرى تقول الأستاذة الجامعية المتخصصة في الشؤون الأفريقية نجلاء مرعي "ظل موضوع الحصول على منفذ بحري يمثل أحد أبرز الطموحات الاستراتيجية لإثيوبيا، إذ يتجاوز كونه مطلباً اقتصادياً مرتبطاً بالتجارة والنقل ليحمل أبعاداً جيوسياسية تتصل بمكانة الدولة ودورها الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي، فمنذ فقدانها منفذها البحري عقب استقلال إريتريا عام 1993، سعت إثيوبيا إلى إعادة بناء خياراتها البحرية عبر مسارات عدة، تراوحت ما بين التعاون الإقليمي والبحث عن ترتيبات جديدة مع دول الجوار، غير أن هذا الطموح يظل محكوماً بتوازنات معقدة تجمع بين الرغبة الإثيوبية في توسيع نفوذها البحري وعقبات سياسية وأمنية وقانونية تفرضها طبيعة البيئة الإقليمية، فالوصول إلى البحر لا يرتبط فقط بالإمكانات الإثيوبية، بل يتداخل مع مصالح دول القرن الأفريقي والقوى الإقليمية والدولية التي تتنافس على النفوذ في أحد أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم"، وتضيف "والواقع أن قدرة إثيوبيا على تجاوز عقبات السيادة والمصالح المتضاربة تعتمد على طبيعة النهج الذي ستتبعه، فإذا اتجهت إلى حلول قائمة على التعاون الاقتصادي والشراكات التجارية، فإن فرص النجاح تكون أكبر، أما إذا ارتبط الملف بمنطق فرض النفوذ أو استخدام القوة، فقد يؤدي ذلك إلى تصعيد إقليمي يعرقل أهدافها. هذا وتملك إثيوبيا بعض عناصر القوة، لكن في المقابل تواجه تحديات داخلية، مثل الأزمات السياسية والعرقية والاقتصادية، التي قد تؤثر في قدرتها على تنفيذ مشروع طويل المدى."
تتابع نجلاء "وفي هذا الصدد، يمكن طرح سيناريوهات عدة للمرحلة المقبلة في شرق أفريقيا :
السيناريو الأول، وهو التوصل إلى ترتيبات بحرية سلمية: قد تتجه إثيوبيا إلى عقد اتفاقات طويلة الأمد مع دول الجوار تضمن لها استخدام موانئ أو مناطق لوجيستية من دون المساس بسيادة الدول الأخرى، وهذا السيناريو هو الأكثر استقراراً لأنه يحقق مصالح مشتركة.
السيناريو الثاني، استمرار الطموح من دون نتائج حاسمة: قد يبقى ملف الوصول إلى البحر ورقة سياسية تستخدمها الحكومات الإثيوبية لتعزيز الخطاب الوطني، من دون أن يتحول إلى تغيير فعلي في الواقع، بسبب صعوبة التوازنات الإقليمية.
السيناريو الثالث، تصاعد التنافس الإقليمي: في حال ارتبط المشروع الإثيوبي بمحاولة فرض نفوذ مباشر على السواحل، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة التوتر بين دول القرن الأفريقي وفتح المجال أمام تدخلات خارجية أكبر".