Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مقاهي بغداد تصر على الحياة وتحضن أجيال الشاشات

تحول من مساحة للشطرنج وقراءة الصحف وتبادل الآراء إلى قاعة دراسة خارج الجامعة ومكان لصناعة المحتوى والعمل من بعد

في الماضي كان الحوار المباشر هو محور اللقاء، أما اليوم فأصبح الهاتف حاضراً في كل جلسة (أ ف ب)

ملخص

غير الهاتف شكل الجلسة، لكنه لم يُنهِ الحاجة إليها. فما زال الإنسان يبحث عن مكان يجلس فيه مع الآخرين، وإن كان يحمل في يده نافذة أخرى على العالم.

في أحد مقاهي بغداد يجلس عدد من الشباب حول طاولة واحدة. تتوسطهم فناجين القهوة، لكن الحديث لا يبدأ سريعاً، فكل واحد منهم ينشغل للحظات بشاشة هاتفه، قبل أن يعود إلى النقاش أو يشارك الآخرين تعليقاً عابراً. مشهد أصبح مألوفاً في كثير من المقاهي العراقية، ويختصر التحول الذي أصاب واحداً من أقدم الفضاءات الاجتماعية في البلاد.

اعتاد المقهى العراقي أن يكون فضاءً للقاءات الطويلة ولعب الشطرنج وقراءة الصحف وتبادل الآراء السياسية والثقافية، ومكاناً تتشكل فيه العلاقات وتنتقل الأخبار والحكايات، لكن مع صعود الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي تغير المشهد، فبقيت الطاولة وروادها، لكن حضور الشاشات أضاف عالماً جديداً إلى الجلسة، ليجد المقهى نفسه أمام سؤال: هل فقد دوره التقليدي، أم أنه يعيد تعريف وظيفته وفق حاجات الجيل الجديد؟

لم تختفِ بل تغيرت

يرى المتخصص في الإعلام الرقمي كرم مظفر أن الهاتف لم يلغِ الجلسة ولكنه أعاد تشكيلها. ويقول "في الماضي كان الحوار المباشر هو محور اللقاء، أما اليوم فأصبح الهاتف حاضراً في كل جلسة، سواء لتبادل الصور أو متابعة الأخبار أو التفاعل عبر منصات التواصل الاجتماعي. لذلك لم تختفِ الجلسة، ولكنها تغيرت في طبيعتها وأسلوب التفاعل داخلها".

ويضيف أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تستقطب جزءاً كبيراً من اهتمام الشباب، حتى باتت تمثل فضاءً اجتماعياً مُوازياً لما يحدث داخل المقهى، ويتابع "أصبح الشخص ينتقل باستمرار بين عالمين: حوار واقعي يجري أمامه، وتفاعل رقمي يحدث عبر هاتفه. لذلك لم يعد السؤال اليوم هل نجلس معاً، بل كم من وقت جلستنا نقضيه مع بعضنا بعضاً، وكم منه نقضيه مع هواتفنا؟".

 

يرى مظفر أن المقهى لم يعد منافساً لوسائل التواصل الاجتماعي، بل أصبح جزءاً منها، إذ تحول إلى مكان للعمل والدراسة وصناعة المحتوى، فضلاً عن كونه مساحة للقاءات الاجتماعية. ويستشهد بما طرحه عالم الاتصال الكندي مارشال ماكلوهان حول وسائل الإعلام بوصفها امتداداً لحواس الإنسان، وبما قدمه عالم الاجتماع مانويل كاستلز في مفهوم "مجتمع الشبكات"، إذ أصبحت العلاقات الاجتماعية تُدار بدرجة كبيرة عبر الفضاء الرقمي. ويقول "الجسد ما زال موجوداً في المكان، لكن جزءاً من الانتباه انتقل إلى الشاشة. ومع ذلك، لم تلغ التكنولوجيا حاجة الإنسان إلى التواصل الحقيقي، ولكنها غيرت شكله".

نحو مساحة صامتة

أما الباحث في علم الاجتماع والمتخصص في العلاج السلوكي فاروق الدباغ، الذي عاش 30 عاماً في العراق ومثلها في السويد، فيرى أن المقهى العراقي كان مؤسسة اجتماعية قبل أن يكون مكاناً للجلوس، موضحاً "كان مدرسة اجتماعية قبل أن يكون مكاناً لشرب الشاي أو القهوة. كنا نجلس لساعات، نتحاور، نختلف، نتصالح، نقرأ الصحف، ونتابع الأخبار، ونتعرف إلى أشخاص من مختلف الأعمار والخلفيات. كان المقهى يصنع العلاقات الإنسانية ويقوي الروابط بين الناس".

يرى الدباغ أن الهاتف الذكي لم يصنع العزلة، ولكنه عمقها، ويضيف "أصبح من الممكن أن تكون محاطاً بعشرات الأشخاص، ومع ذلك تشعر بأنك وحيد. كثير من الحوارات التي كانت تبني الثقة والصداقة تراجعت، وحل محلها التصفح الصامت والإشعارات المستمرة".

ويعتقد أن المجتمع خسر مع تراجع الحوار المباشر مهارات مهمة، مثل الاستماع واحترام الرأي المختلف وقراءة مشاعر الآخرين من خلال تعابير الوجه ونبرة الصوت. فـ"هذه المهارات لا يمكن أن تمنحها شاشة الهاتف. التكنولوجيا نعمة عندما تستخدم وسيلة للتواصل، لكنها تصبح مشكلة عندما تستبدل الإنسان بالهاتف، والحوار بالإشعارات، واللقاء الحقيقي بالعالم الافتراضي".

قاعة دراسة ولا جامعة

لكن التحول في وظيفة المقهى لم يرتبط فقط بالهواتف الذكية، فبعض المقاهي العراقية أصبح يؤدي أدواراً جديدة، ومنها توفير أماكن هادئة للدراسة والعمل.

في الطابق العلوي لأحد المقاهي البغدادية، حيث خصصت مساحة للقراءة والمطالعة، يحرص عبدالله (21 سنة)، وهو طالب في جامعة "النهرين"، وآمنة (24 سنة)، الطالبة في الجامعة الأميركية، على الحضور بصورة منتظمة، خصوصاً خلال فترة الاختبارات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يقول عبدالله "لا أستطيع الاستعداد للاختبار الفصلي أو النهائي من دون القدوم إلى هذا المقهى. أصبحت الدراسة هنا جزءاً من طريقتي في التحضير، فالأجواء تساعدني على التركيز". وهو يقضي ساعات طويلة في المذاكرة، تتخللها فترات قصيرة لتناول وجبة خفيفة أو استراحة، قبل أن يعود إلى كتبه ومحاضراته حتى ساعات متأخرة من المساء.

يرى الطالب في جامعة "النهرين"، أن "الدراسة في المنزل تصبح مملة، أما هنا فوجود أشخاص آخرين يقرأون أو يعملون يمنحني دافعاً للاستمرار. المكان نفسه يجعلني أكثر رغبة في الإنجاز".

وتؤكد الطالبة في الجامعة الأميركية، أنها لا تستطيع الدراسة في المنزل بالفاعلية نفسها. وتقول "الأجواء التي تمنحها هذه الأماكن تساعد على الاستيعاب والتركيز. هناك هدوء وتنظيم وشعور بأنك موجود في مكان مخصص للإنجاز، وهذا يجعل الدراسة أكثر إنتاجية".

يكشف هذا المشهد عن وظيفة جديدة للمقهى العراقي، فلم يعد فقط مكاناً للقاء الأصدقاء، بل أصبح لدى بعض الشباب مساحة تجمع بين التعلم والعمل والتواصل.

مقهى بوظائف جديدة

لا يرى كثير من الشباب أن التحولات التي طرأت على المقهى العراقي تعني بالضرورة فقدان دوره الاجتماعي، بل يعتبرونها انعكاساً لتغير أسلوب الحياة نفسه. فالمقهى بالنسبة إليهم لم يعد مكاناً للجلوس فحسب، بل فضاءً يمكن أن يجمع بين الترفيه والعمل والتواصل وصناعة الأفكار.

الفنان عمار الرحال (33 سنة) يرى أن المشكلة ليست في الهاتف بحد ذاته، بل في طريقة استخدامه، ويقول "أستطيع أن أكون متصلاً بالعالم كله، لكن محادثة صادقة مع صديق واحد تبقى أغنى من ألف إشعار". ويعتقد أن التواصل الرقمي يفتح أبواباً جديدة للتفاعل، لكنه لا يمكن أن يحل محل الحوار المباشر.

ويضيف، "التواصل الرقمي يبني جسوراً، لكن الحوار المباشر هو الذي يبني العلاقات". وعن أكثر ما يجذبه في المقهى الحديث، يقول "يجذبني ذلك الشعور الذي يجمع ضجيج المكان مع هدوء الفكرة، حيث يتحول فنجان القهوة إلى بداية مشروع أو حلم جديد. أحياناً تولد فكرة مهمة من جلسة بسيطة".

 

أما المخرج السينمائي أحمد طالب (30 سنة)، فيصف الهاتف بأنه "قرية مصغرة"، إذ يمنح الإنسان القدرة على اختيار الأشخاص الذين يريد التواصل معهم وبناء عالم رقمي خاص وفق اهتماماته، لكنه يرى أن هذا العالم لا يمكن أن يعوض التجربة الإنسانية المباشرة. ويقول "المنصات الرقمية وسيلة لمشاركة الآراء والتواصل، لكنها لا تمنحنا متعة الحديث وجهاً لوجه، خصوصاً مع كبار السن الذين عاشوا تجارب مختلفة، فالجلوس معهم والاستماع إلى قصص حياتهم ومناقشة أفكارهم يمنحنا تجربة لا يوفرها التواصل الرقمي وحده".

وعن علاقته بالمقاهي، يوضح أحمد "لا أنجذب بالضرورة إلى المقاهي الحديثة، بل أفضل المقاهي القديمة التي تم تحديثها مع الحفاظ على روحها وذاكرتها. عندما أبحث عن مكان للجلوس، فإن أكثر ما يجذبني هو وجود الأصدقاء، لأن قيمة المكان ترتبط بالأشخاص والحوارات التي تحدث فيه أكثر من حداثة المكان نفسه".

حين تتحدث الذاكرة

ما زالت مقاهي بغداد القديمة تحمل ذاكرة مختلفة، حيث لم يكن المكان مجرد مساحة للجلوس، بل جزءاً من هوية المدينة. ومن بين هذه الأماكن يبرز "مقهى الشابندر"، الذي ارتبط اسمه بذاكرة بغداد الثقافية والاجتماعية.

يتذكر صاحبه فاهم القيسي، "المقاهي القديمة كانت تمثل صورة مصغرة للمجتمع العراقي، كانت المقاهي في زمن الأجداد، منذ العهد الملكي ثم خلال سنوات السبعينيات، تحافظ على أصالة بغداد ورقي التراث البغدادي القديم. وكان روادها يمثلون مختلف أطياف الشعب، وفيها تناقش مشكلات الناس وهمومهم، وتصل أصواتهم إلى أصحاب القرار".

يرى القيسي أن الفرق بين المقاهي القديمة وبعض المقاهي الحديثة لا يرتبط بالشكل فحسب، بل بالروح التي يحملها المكان. ويؤكد "المقاهي الحديثة قد تكون جميلة من ناحية التصميم والديكور، لكنها في كثير من الأحيان لا تحمل روحاً تنتمي إلى أصالة التراث البغدادي. فالمقهى القديم كان يحمل ذاكرة وحكايات وعلاقات اجتماعية، وليس مجرد تصميم جذاب".

"إن قيمة المقهى لا تصنعها الطاولات والكراسي وحدها، بل الناس الذين يجلسون حولها، والقصص التي تولد في المكان، والحوارات التي تترك أثراً في المجتمع"، يجزم القيسي.

بين مقهى الأمس ومقهى اليوم مسافة زمنية وثقافية كبيرة. فالمكان الذي كان يحتضن مباريات الشطرنج والنقاشات الطويلة وقراءة الصحف، أصبح اليوم يستقبل الحواسيب المحمولة والهواتف الذكية وطلبة يبحثون عن مساحة للتركيز، وشباباً يصنعون محتوى رقمياً أو يعملون من بعد.

لكن هذا التحول لا يعني اختفاء المقهى المعتاد، بل يعكس قدرته على التكيف مع تغيرات المجتمع. فقد انتقل من كونه فضاءً للحوار التقليدي إلى فضاء متعدد الوظائف، يجمع بين الذاكرة والتكنولوجيا، وبين اللقاء الواقعي والحضور الرقمي.

وغير الهاتف شكل الجلسة، لكنه لم يُنهِ الحاجة إليها. فما زال الإنسان يبحث عن مكان يجلس فيه مع الآخرين، وإن كان يحمل في يده نافذة أخرى على العالم.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات