Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نكبة بيروت في انفجار مرفأها "حتى طائر الفينيق يملّ القيامة"

لطالما وقعت العاصمة اللبنانية ضحية كوارث طبيعية وأزمات مفتعلة وأطماع خادعة

مشهد عام لمدينة بيروت بعد انفجار المرفأ الثلاثاء 4 أغسطس (رويترز)

يبدو أن عبارة "قومي من تحت الردم كزهرة لوز في نيسان" التي كتبها نزار قباني لبيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان وحصار بيروت في عام 1982، هي عبارة تنطبق على العاصمة اللبنانية بيروت انطباقاً كاملاً. وكأن قدر هذه المدينة أن يغطيها الردم والرماد والنار والدمار لتقوم من تحته في كل مرة محاوِلةً أن تزهو من جديد مدينة مزدهرة على المتوسط، وصلة الوصل بين الشرق والغرب ومتنفّس لبنان نحو العالم، ومدينة وسطية متوسطية في الثقافة والاجتماع وخليط الأديان لسكانها، ومركز التبادل التجاري بالنسبة لدول الداخل العربي مع العالم. وهي كلما رفعت رأسها وبدأت بسحب جسدها تأتي كارثة جديدة تعيق قيامتها لفترات تطول أو تقصر، قبل أن تعود وتسترجع أنفاسها.
"ملعونة" هذه المدينة، "مصابة بالعين" والحسد، يتربص بها الشر دوماً، على الرغم من أنها لطالما كانت مسالِمة غير محارِبة، ولطالما كانت مركزاً للعلم والنور والثقافة، منذ أيام "بيريت" مدرسة الحقوق الرومانية التي جمعت أهم حقوقيي العالم القديم، إلى بيروت ستينيات القرن العشرين التي تحوّلت إلى مركز ثقافي للعالم العربي، حين قدم إليها مثقفوه ومنفيوه وشعراؤه، فسكنوها وساكنوها، وتسكعوا على أرصفتها، ووضعوا بياناتهم السياسية في مقاهيها، وكتبوا في صحفها التي كانت الصحف الأكثر حرية في كل غرب آسيا.

طائر الفينيق؟

في كل مرة كانت بيروت منارة وحضارة منذ وجدت وحتى يوم الثلاثاء 4 أغسطس (آب) حين وقع انفجار المرفأ، كانت هناك غيوم سوداء تتربص بها. وكأنه مكتوب على هذه المدينة أن تمثّل أسطورة "طائر الفينيق" بحذافيرها. أي الطائر الذي يعاود ولادته من رماده. فهي في الجغرافيا على فالق زلزالي ضخم يبدأ في القرن الأفريقي، فلم ترحمها الزلازل التي إما لا تأتي وإما تأتي عليها بالدمار الكامل، فتدفنها بالكامل تحت التراب، وهي في التاريخ مرة عاصمة مركزية لمحتلي هذه البلاد، وإما قرية منسية مهجورة كعقوبةٍ لها من قبل هؤلاء المحتلين الذين لم يكفوا عن المرور في لبنان في طريقهم نحو البلاد الأخرى. والحفريات الأثرية في قلب بيروت أفضل شاهد على تراكم هذه الغزوات والإقامات، فأثناء الحفر يمرّ الأثريون على طبقة تلو الطبقة للحضارات المتعاقبة، كما لو أنها تراكمت فوق بعضها بيد مؤرخ فنان يترك للأجيال القادمة دليلاً على ما جرى هنا.

انفجار الثلاثاء في 4 أغسطس 2020، بقدر ما هو صدمة، هو أيضاً بعض من الأحداث الطبيعية التي عاشتها هذه المدينة المنكوبة والمترفة، المدمّرة والمزدهرة، الفقيرة والغنية، المجنونة والعاقلة، المثقفة والبلهاء. المدينة التي تحمل كل التناقضات في طياتها. كما لو أن اسم بيروت هو صنو لعبارة "التناقض". فشعار "بيروت مدينة للمستقبل" الذي أطلقه رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري في حلمه لإعادة إعمار لبنان، أصاب بعض أهدافه منذ ذلك الحين، لكنه سرعان ما أصبح مقلوباً، أي بيروت مدينة عريقة للماضي، كما باتت عليه منذ يوم اغتيال الحريري في 14 فبراير (شباط) 2005. أما شعار "بيروت خيمتنا" الذي أطلقه محمود درويش في "حالة حصار" أثناء الحصار الإسرائيلي لبيروت، بات مقلوباً، بعد طرد المسلحين الفلسطينيين على ظهور السفن. وبيروت "زهرة المتوسط" سرعان ما يتحوّل إلى شعار "بيروت شوكة في خاصرة المتوسط". هذا التناقض يكاد يكون جزءاً من صورة المدينة، ومن كينونتها ومن وجودها وديمومتها.

زلزال وحريق مدمر و"الوبا والفنا" والكنيسة

مذ باتت بيروت عاصمةً في أواخر العهود الفينيقية ومع ترسخ السلطة الرومانية، تعاقبت عليها الهزات الأرضية منذ عام 490 حتى عام 520 ميلادي، إلا أن زلزال عام 551م جاء ليدكّها دكاً، ويقلبها رأساً على عقب بعدما أزهق أرواح ما يزيد على 40 ألفاً من سكانها. ودمّر مدرسة بيروت الحقوقية الرومانية الشهيرة، وأغرق حجارتها في باطن الأرض ومعها أرشيف المدرسة من مناظرات ومحاضرات. وعلى الرغم من المأساة العظيمة، عادت المدرسة الحقوقية إلى بيروت في عام 554م.
ولم تكد بيروت تستعيد أنفاسها بعد الزلزال، حتى وصلها الحريق المدمّر في عام 560م. انطلق الحريق في إسطبل للخيول وسرعان ما امتد إلى كل أرجائها، محولاً المدينة إلى كتلة خراب، إذ امتدت ألسنة اللهب إلى غابة الصنوبر التي تلفها، فخنقت المدينة بمن فيها، وحولت معاهدها ومؤسساتها إلى أطلال. ولأن الرومان كانوا صرفوا الكثير على إعادة إعمارها بعد الزلزال، أعرضوا عنها هذه المرة، فبقيت لسنوات طوال من دون عمران.
وبعد قرون وصل مرض الكوليرا الذي سماه أهالي بيروت والساحل بـ "الوبا" أي الوباء لسرعة انتشاره، أما الطاعون فأسموه "الفنا" أي الفناء، لأنه كان يفتك بأعداد كبيرة من البشر، وبحلول نهاية شهر أيلول (سبتمبر) من عام 1760، تجاوز عدد الموتى 350 شخصاً.
في حادثة الكنيسة، أن أحد وجهاء البيارتة (أهل بيروت) من طائفة الروم الكاثوليك، من آل عساكر تبرّع ببنائها، وحين اجتمع المؤمنون للصلاة فيها بمناسبة الصوم الكبير انهارت القبة وبعدها جدران الكنيسة على مَن فيها، وقضى في الحادثة حوالي 120 شخصاً.


الأحداث الطائفية عام 1794

قبض الأمير بشير الشهابي على رجل من قرية زرعون الجبلية التي تبعد حوالي 30 كيلومتراً عن بيروت بشبهة قتل أحد البيارتة، وأرسله إلى بيروت وسلّمه إلى جنود أحمد باشا الجزار، فحُكم عليه بالإعدام وشُنق في بيروت. ولما غادر الجزار المدينة نزلت مجموعة من أهالي زرعون إلى بيروت وخطفت أحد سكانها وقتلته ثأراً. ولما طاردها أهالي بيروت ولم يفلحوا في اللحاق بها، أداروا عجلة الانتقام نحو المسيحيين من أبناء الجبل المقيمين في بيروت، وقتلوا منهم ما يزيد على مئة شخص خلال أسبوعين.
 

الحربان الأولى والثانية

في الحرب العالمية الأولى تعرّضت بيروت للقصف من قبل طائرات دول الحلفاء في محاولة لطرد العثمانيين منها، لكن المتضرّر الأكبر كان أهلها كما العادة، فهم لم يكتفوا بنار التجنيد الإجباري "سفربرلك" الذي فرضه العثمانيون على كل الذكور مهما بلغت أعمارهم، بل عانت من المجاعة الكبرى التي ضربت الساحل اللبناني بعدما منَعَ العثمانيون دخول القمح والمواد الغذائية إلى جبل لبنان وبيروت. وكما أسلفنا، استعادت "بيروت طائر الفينيق" هيبتها وسطوتها بعدما اتخذها المندوب السامي الفرنسي على لبنان وسورية مقراً له. وكانت الفترة بين الحربين بمثابة فرصة للراحة والهدوء، لكن سرعان ما حلّت الحرب العالمية الثانية ووقعت بيروت في فخ التحالفات الدولية، إذ حالف "الفرنسيون الرسميون" (حكومة فيشي) الألمان بعد استسلامهم لهتلر الذي احتل فرنسا. في المقابل، انضم البيارتة إلى مقاومة الجنرال شارل ديغول، وكان لهم استقلال لبنان بعد انتهاء الحرب.
 

1958 حلف بغداد والحرب المقبلة

لم تكد الحرب الثانية بفجائعها وويلاتها تنتهي، حتى تهيأت عروس المتوسط للنهوض من جديد، وبعد الميثاق الوطني بين أول رئيس جمهورية للبنان المستقل بشارة الخوري وأول رئيس حكومة استقلالية رياض الصلح، اللذين ساهما في إرساء لبنان دولةً نهائية لمواطنيه، ذو حدود نهائية محدّدة، جاء زمن رئاسة كميل شمعون، الذي منح لبنان لقب "سويسرا الشرق"، لما كان لهذا الرئيس من بُعد نظر في استغلال موقع لبنان الجغرافي ودوره التاريخي ووسطيته الثقافية وكونه مركز عبور "الترانزيت" والمصارف، فأعطى للبنان رونقاً كبيراً حوّله إلى قبلة السياح من الشرق والغرب وقبلة المثقفين والمفكرين الهاربين من الانقلابات العسكرية التي عمّت سائر الدول العربية. لكن لا بد من أمر يعكّر صفو هذه المدينة الوادعة. فكان انقسام اللبنانيين بين الناصرية وبين "حلف بغداد" الذي مشى به شمعون. فوقعت حرب السنتين في عام 1958، والتي كانت بمثابة "بروفا" للحرب الأهلية المقبلة، وكادت تكون الضربة القاضية على بيروت.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


تحييد لبنان فرحة لم تدم
تمكّن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر من تحييد لبنان عن الصراع العربي - الإسرائيلي بعد الاتفاق مع الولايات المتحدة على إيصال قائد الجيش فؤاد شهاب إلى سدة الرئاسة. في سنوات الحياد والتحييد الإجباري المتفق عليه، تمكّن شهاب من إعادة الحياة إلى المدينة المنكوبة وإلى البلاد بأكملها بعدما بنى دولة المؤسسات الناتجة من تأثره الكبير بتشكيل الإدارة الفرنسية. في هذه السنوات نعمت بيروت بالهدوء وأُطلق على شارع الحمراء فيها لقب "شانزليزيه الشرق" واستعاد لبنان بأكمله لقب "سويسرا الشرق"، ولكن من أين تأتي الجائحة، إذ وكأنه لا بد من حضورها. كان ذلك بعد "أيلول الأسود" في الأردن وهزيمة العرب في حرب عام 67. حين اضطُر لبنان إلى توقيع "اتفاق القاهرة" في عام 1969 الذي يسمح للمقاومة الفلسطينة باستخدام مناطق العرقوب اللبنانية كمنطلق لعملياتهم ضد إسرائيل. إلا أنه سرعان ما امتدت سلطة الفدائيين الفلسطينيين إلى سائر الأراضي اللبنانية، وباتت "منظمة التحرير الفلسطينية" بقيادة الراحل ياسر عرفات، الحاكم الفعلي للبنان.
مرة جديدة انقسم اللبنانيون حول دور بلادهم وقدراتها على مقارعة العدو الإسرائيلي. هذا الإنقسام الذي بدأ في أوائل السبعينات من القرن الماضي انفجر في عام 1975 حرباً أهلية مديدة ومتناسلة، تخللها اجتياحان إسرائيليان للأراضي اللبنانية، الأول في عام 1978، والثاني عام 1982 لم ينته إلا بعد تدمير بيروت عن بكرة أبيها وترحيل المسلحين الفلسطينيين إلى عدد من الدول العربية.

"أي لبنان نريد؟"
لكن الحرب لم تنته برحيل الفلسطينيين، إذ استُكملت بصراع اللبنانيين في ما بينهم حول صورة وهوية لبنان الذين يريدونه. وهذا ما حاولوا التوافق عليه في اتفاق الطائف الذي شكّل إيذاناً بانتهاء الحرب، والاتفاق على "اللبنان الجديد" الذي مُنح رفيق الحريري حق إعادة إعماره، ومُنح "حزب الله" حق مقاومة إسرائيل من جنوبه، هذا كله في ظل وصاية سورية حظيت بقبول عربي ودولي للحفاظ على الأمن والهدوء فيه.

لكن السوريين لم يكتفوا بكونهم قوات فصل أو حفظ سلام، بل عمدوا إلى إدارة السياسة اللبنانية من أصغر إلى أكبر أمر فيها، وفق مصالحهم والتوازنات الإقليمية المفروضة عليهم. وحين حاول رفيق الحريري الخروج من هذه المعادلة، ورفع صوته بأنه لا يمكن إعادة إعمار لبنان وبيروت في ظل الاحتلال السوري وتحكّم سلاح المقاومة، وقعت عملية الاغتيال في 14 فبراير (شباط) 2005. وكانت جريمة الاغتيال هذه بمثابة وضع البلاد على حافة الهاوية، أي وضع لبنان في محور إيران وتحويله إلى لعبة استراتيجية في يد "سلاح الحزب"، ما أدى إلى خلق عداوات مع الدول العربية الصديقة والشقيقة ومع دول العالم القريبة من لبنان، ما جعله في حالة انهيار حقيقية ممتدة منذ سنوات. ولم يكن انفجار مرفأ بيروت أخيراً، سوى حبة "الكرز" الموضوعة فوق "الكعكة".