ملخص
النقد الموسيقي لا يعرف فكرة الإجماع الكامل، ولذلك كان طبيعياً أن تختلف الآراء حول مستوى بعض أغنيات "حبيتك"، وهناك من رأى أن عمرو دياب أعاد اكتشاف نفسه، وهناك من اعتبر أن الألبوم أقل مغامرة من أعمال سابقة، لكن الفريقين اتفقا على أمر واحد، وهو أن الألبوم فرض نفسه على النقاش العام أكثر من أي عمل آخر في الموسم، وهذه ليست مسألة حظ، بقدر ما هي نتيجة لخبرة طويلة في فهم طبيعة السوق.
افتتح صيف 2026 على مشهد غنائي مختلف، وصراع محموم بين مشاهير الغناء بألبومات جعلت من الوسط حرباً طربية شرسة تتكسر فيها العظام من أجل جذب نجاح وتميز وإبهار من نوع خاص. بدأ موسم الطرح الصيفي للألبومات بمحمد حماقي وألبوم "سمعوني" الذي يضم 18 أغنية، وكذلك أحمد سعد بما سماه "الألبوم الفرفوش"، وكذلك نافس تامر حسني بألبوم عنوانه "مش هتكرر"، وطرح تامر عاشور ألبوم "مراية الحب"، الذي يضم 12 أغنية متنوعة.
وعلى جانب آخر تستعد أصالة وإليسا وراغب علامة ومحمد منير ورامي صبري وغيرهم من المطربين، لدخول حلبة السباق الصيفي بألبوماتهم قريباً.
ويزيد طرح كل هذه الألبومات في وقت متقارب من حدة المنافسة، للتربع على عرش الاستماع والاهتمام الجماهيري، وربما يجعل ومعيار الأفضلية في تلك المرحلة الساخنة ليس من طرح ألبوم، لكن من الذي يستطيع أن يجعل الجميع يتحدث عن ألبومه ويتصدر به المشهد والمنصات.
منذ أيام قليلة طرح عمرو دياب ألبوم "حبيتك"، وهو الـ36 في مشواره الفني، ومنذ إطلاقه لم يهدأ الجدل، فلم يعد دياب الشهير بـ"الهضبة" يعتمد فقط على رصيده الجماهيري أو اسمه الذي أصبح علامة تجارية مستقلة، بل يمتلك خبرة قراءة إيقاع السوق، ويعرف متى يطرح ألبومه، وكيف يترك مساحة كافية للتوقعات قبل الإصدار، ويدرك أيضاً أن الجمهور اليوم لا ينتظر الأغنية فقط، بل ينتظر الحكاية التي سترافقها.
لهذا، لم يكن غريباً أن يتحول ألبوم "حبيتك" خلال ساعات قليلة إلى محور الحديث على مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الفنية والبرامج التلفزيونية، على رغم أن الموسم مزدحم بأسماء كبيرة، وقد لا تقل أهمية أو جماهيرية.
على قمة الجدل
ويدرك دياب مفاتيح اللعبة ومقادير المعادلة التي تجعله يتربع على قمة حالة الجدل والرضا في الوقت نفسه، ليس لأنه الأقدم أو الأكثر شهرة فقط، إنما لأنه الفنان الذي تحول عبر العقود إلى حالة خاصة ومؤشر مهم تقاس عليها حركة السوق نفسها، إذ التساؤلات هل سيكرر نجاحه السابق؟ هل سيغير جلده؟ هل ما زال قادراً على مخاطبة جيل جديد؟
اعتمد ألبوم عمرو دياب الجديد على تنوع واضح في المزاج الموسيقي، بين الأغنيات الرومانسية مثل "انتي جنبي" و"جيتلك" و"حاولت" "وأنا معاك" و"اتأخر عتابنا"، والإيقاعات الصيفية مثل "من 12 بالليل" و"الألوان" و"لولا البنات"، والأعمال ذات النفس الدرامي مثل "غيابه فرق" و"سلام كبير" و"حبيتك" و"المفضل"، مع توزيع للأدوار بين أكثر من جيل من الشعراء والملحنين، ووجود أسماء مثل أيمن بهجت قمر ورزام وأمير طعيمة وتامر حسين ومنة القيعي ومصطفى حدوتة ومصطفى البرنس، إلى جانب ملحنين مثل عمرو مصطفى ومحمد يحيى وإيهاب عبدالواحد وأدهم أيمن وبهجت قمر وكل ما سبق لم يكن مجرد استعراض للأسماء، بل محاولة لخلق حالة من التنوع تضمن أن يجد كل مستمع ما يشبه ذائقته داخل الألبوم.
وفي ما يبدو أن عمرو دياب فعل ما اعتاد عليه طوال مسيرته، إذ استمع إلى تغيرات السوق، ثم أعاد ترجمتها بلغته الخاصة، والألبوم لا يقدم قطيعة مع شخصية عمرو دياب الموسيقية، لكنه في الوقت نفسه ليس أسيراً للماضي، إنما هو مشروع موسيقي متمرد داخل قالب إنتاجي أكثر حداثة، يراعي طبيعة الاستماع عبر المنصات الرقمية من دون أن يفقد روح الألبوم التقليدي، وهذه معادلة ليست سهلة، لأن كثيراً من النجوم سقطوا في أحد فخين، إما مطاردة الموضة الموسيقية على حساب هويتهم، أو التمسك بالماضي حتى أصبحوا غرباء عن ذوق الأجيال الجديدة، أما عمرو دياب فمن أهم الذين نجحوا في السير بين الطريقين.
يراهن عمرو دياب في كل ألبوم على خيارات قد تبدو غير منطقية ولا تشبهه وقد تعرضه لسقوط مدو في حالة فشلها، لكن ظاهر الأمر يؤكد أنه لم يعد مهتماً بأي مخاوف، ويضرب بيد من حديد، ويتقدم بلا تردد نحو كل ما هو جديد وصادم، وبعد نجاحه العام الماضي في أغنية "بابا" التي كسرت كل التوقعات، لأنها أقرب إلى الموجة الشعبية والصعيدية، وهي مناطق بعيدة كل البعد من دياب وذائقته المعروفة، قام في ألبوم "حبيتك" بطرح أكثر من أغنية على الشاكلة الصادمة نفسها، منها "لولا البنات" التي كتبها مصطفى البرنس، ولحنها دياب بنفسه، ووزعها أحمد إبراهيم، وهي تجمع بين الفلكلور الشعبي والألفاظ الريفية، ويسيطر عليها لحن أقرب للموسيقى الغجرية الممزوجة بآلات موسيقية شرقية وإيقاعات شعبية.
وبمجرد طرح الأغنية أثير الجدل، وهب المنتقدون يكيلون اتهامات قاسية أبرزها أن الأغنية مبتذلة وضحلة، ولا تتناسب مع سن دياب ولا تاريخه أو حتى الذوق العام، وعلى رغم ذلك صعدت الأغنية لتحتل المراتب الأولى في الاستماع، وحققت جدلاً إيجابياً بين أوساط المستمعين.
ولحقت أغنية "الألوان" التي كتبها مصطفى البرنس ولحنها إيهاب عبدالواحد بـ"لولا البنات"، إذ كان الهجوم عليها ضارياً بسبب كلماتها التي تضمن بعضها جملاً مثل "الأحمر شكله عليكي خطير وجنان خالص يا فراولة نفسي أشربها عصير عطشان خالص"، واتهم بعضهم عمرو دياب بالإفلاس والمغازلة الركيكة بتلك الكلمات التي اعتبروها غير متناسقة وفارغة المعنى، ومع ذلك نجحت الأغنية وتصدرت الترند والمنصات الغنائية.
ألبوم يتحدث عن نفسه
لم يهدأ الجدل أو الهجوم من ناحية على بعض أغنيات ألبوم دياب، وعلى الجانب الآخر لم يتوقف محبو الهضبة عن الإشادة وإظهار البهجة والسعادة بما يقدمه لهم مطربهم المفضل في حرارة الصيف الحارقة، وربما تلك الحالة المرتبكة والمزدوجة بين المنتقدين والمحبين كانت أكبر وأهم طرق الدعاية للألبوم، وبينما كان كثير من النجوم يخوضون حملات دعائية مكثفة اكتفى هو بترك الألبوم يتحدث عن نفسه، مستفيداً من خبرة طويلة جعلته يدرك أن الفضول أحياناً أقوى من أي إعلان.
النقد الموسيقي لا يعرف فكرة الإجماع الكامل، ولذلك كان طبيعياً أن تختلف الآراء حول مستوى بعض أغنيات "حبيتك"، وهناك من رأى أن عمرو دياب أعاد اكتشاف نفسه، وهناك من اعتبر أن الألبوم أقل مغامرة من أعمال سابقة، لكن الفريقين اتفقا على أمر واحد، وهو أن الألبوم فرض نفسه على النقاش العام أكثر من أي عمل آخر في الموسم، وهذه ليست مسألة حظ، بقدر ما هي نتيجة لخبرة طويلة في فهم طبيعة السوق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى عدد من النقاد الموسيقيين أن عمرو دياب لم يعد يعتمد على فكرة "الأغنية الضاربة" كما كان يحدث في التسعينيات وبداية الألفية، بل أصبح يراهن على بناء حالة كاملة حول الألبوم والأغنيات والكواليس واختيار فريق العمل وطريقة الطرح، وحتى الصمت أمام الجدل، وجميعها بالنسبة إليه عناصر أصبحت جزءاً من المشروع، وليست تفاصيل هامشية.
إذا كان عمرو دياب نجح في الاستحواذ على المساحة الأكبر من الاهتمام، فإن ذلك لا يعني أن بقية نجوم الموسم دخلوا المنافسة بلا مشروع أو هوية، بل على العكس، كشف صيف 2026 عن اختلاف واضح في الطريقة التي يفكر بها كل مطرب في صناعة الألبوم، وكأن كل واحد منهم كان يقدم تصوراً مختلفاً للأغنية العربية.
وأخيراً ربما يكون من المبكر إصدار أحكام نهائية على ألبومات صيف 2026، فالتاريخ كثيراً ما أنصف أعمالاً لم تحقق ضجيجاً لحظة صدورها، كما أنصف أغاني عاشت طويلاً بعد أن تجاهلها الجمهور في البداية، لكن ما يمكن الجزم به أن هذا الموسم ترك أثراً يتجاوز حدود قوائم الاستماع.