Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل توقفت الشركات الأميركية عن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي؟

فارق الكلفة بين برامج الشركات ونظيرتها الصينية أدى إلى صراع جديد بين أكبر اقتصادين

نسبة البطالة في الولايات المتحدة لا تزال منخفضة عند 4.2% (اندبندنت عربية) 

ملخص

تعمل شركات التكنولوجيا الكبرى على محاولة ضبط أوضاعها المالية بخفض بند الرواتب والأجور في كشوف حساباتها، مع استمرار الإنفاق الاستثماري الهائل على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، فتقوم بإلغاء الوظائف وتسريح العاملين.

مصدر المخاوف الأكبر للأسواق والمستثمرين في شأن ما يسمى "فقاعة الذكاء الاصطناعي" ليس حجم الإنفاق بمئات مليارات الدولارات من شركات القطاع، ولا حتى المغالاة في قيمة أسهم شركاته الكبرى، وإنما خطر ألا تحقق تلك الشركات عائدات كبيرة، ومن ثم أرباحاً للمستثمرين فيها، مع توسع تبني الشركات في مختلف القطاعات برامج الذكاء الاصطناعي.

في ضوء تقارير كثيرة وتحليلات في الصحافة الاقتصادية وشركات الاستشارات خلال الأسابيع الأخيرة، يبدو أن تلك المخاوف ليست بعيدة من الواقع، فقد نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" تقريراً موسعاً يرصد تراجع إنفاق الشركات الأميركية في القطاعات المختلفة على الذكاء الاصطناعي، ولجوء تلك الشركات إلى المزج بين البرامج المكلفة لشركات الذكاء الاصطناعي الأميركية الكبرى والبرامج المجانية، لا سيما الصينية، القليلة الكلفة أو شبه المجانية.

وفي ظل استمرار "حرق" شركات التكنولوجيا الكبرى (السبع الكبرى) الأموال، أي الإنفاق الاستثماري عبر التمويل من السوق أو من عائداتها، تزيد خشية الأسواق من أن العائد على تلك الاستثمارات قد لا يكون كما هو متوقع.

في المقابل، بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى حملة لتسريح العاملين وإلغاء الوظائف في محاولة لضبط أوضاعها المالية وتقليل كلفة الاستثمار المتزايدة في الذكاء الاصطناعي، في وقت لا تبيع فيه برامجها بالشكل الذي خططت له.

إنفاق هائل وتسريح عمالة

على عكس الوضع الجيد لسوق العمل الأميركية بصورة عامة، سرحت شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى 140 ألفاً من العاملين فيها منذ مطلع عام 2026، على رغم الإنفاق الهائل من تلك الشركات على الذكاء الاصطناعي.

ونشرت صحيفة "فايننشال تايمز" الجمعة تقريراً اعتمدت فيه على تحليل أرقام إفصاحات الشركات وبيانات من شركات توظيف مثل "تشالنجر" و"غراي" و"كريسماس".

وبحسب تقرير الصحيفة فإن أربع شركات كبرى هي "أمازون" و"أوراكل" و"ميتا" (مالكة فيسبوك) و"مايكروسوفت" ألغت 50 ألف وظيفة منذ مطلع العام، وهو ما يشكل نحو ستة في المئة من قوتها العاملة.

في المقابل، ظل معدل تسريح العمالة وإلغاء الوظائف في سوق العمل الأميركية أقل من ذلك بكثير، وبحسب بيانات مكتب إحصاءات العمل، فإن نسبة البطالة في الولايات المتحدة لا تزال منخفضة عند 4.2 في المئة.

والمفارقة التي يشير إليها التقرير أن تسريح العاملين لخفض الكلفة يأتي في الوقت الذي تزيد فيه تلك الشركات إنفاقها بصورة كبيرة على بناء مراكز البيانات وغيرها من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وأنفقت "أمازون" و"ألفابت" (مالكة "غوغل") و"ميتا" و"مايكروسوفت" هذا العام 725 مليار دولار على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وبشكل أساس على مراكز البيانات الكبرى.

وتشير تقديرات أخرى إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى في الولايات المتحدة أنفقت حتى الآن ما يزيد على ثلاثة أرباع التريليون دولار (764 مليار دولار) على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وذلك مقارنة مع 381 مليار دولار في عام 2025 و140 مليار دولار في عام 2024.

وتمول الشركات الأميركية الكبرى ذلك الإنفاق إما من عائداتها أو من الاقتراض. وتوسعت تلك الشركات في الاقتراض حتى أصبح تمويل استثماراتها بالدين يقارب نصف إنفاقها الاستثماري. 

على سبيل المثال، كان اقتراض شركة "ميتا" صفراً في عام 2021، ليصل العام الماضي إلى 58.78 مليار دولار، بينما اقترضت "غوغل" 33 مليار دولار في عام واحد، وأنفقت شركة "ميتا" 79.6 مليار دولار من عائداتها على الذكاء الاصطناعي، وهو ما يفوق صافي دخل الشركة العام الماضي البالغ 60.5 مليار دولار.

تدهور المبيعات وضعف الطلب

تعمل شركات التكنولوجيا الكبرى على محاولة ضبط أوضاعها المالية بخفض بند الرواتب والأجور في كشوف حساباتها، مع استمرار الإنفاق الاستثماري الهائل على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، فتقوم بإلغاء الوظائف وتسريح العاملين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وما زاد الضغط على دفاتر حسابات تلك الشركات هو ما يحدث من قبل الشركات الأخرى، الكبيرة والصغيرة، في مختلف القطاعات، التي بدأت تقلل إنفاقها على تبني الذكاء الاصطناعي، كما يخلص تقرير "وول ستريت جورنال".

ونتيجة الكلفة العالية للتعاقد على برامج الذكاء الاصطناعي، تلجأ الشركات في الولايات المتحدة إما إلى استخدام البرامج المجانية أو القليلة الكلفة، أو حتى برامج الذكاء الاصطناعي التي تنتجها الصين. ونتيجة لذلك، لا تحقق شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى العائدات المأمولة من برامجها المميزة العالية الكلفة التي تستهدف الشركات والأعمال.

ومع تدهور المبيعات نتيجة تراجع الطلب من بقية شركات القطاعات الأخرى، تجد شركات الذكاء الاصطناعي نفسها في وضع مالي حرج، دفع بعضها إلى تقديم عروض تتضمن خصومات أو أشكالاً تسويقية أخرى لإقناع الشركات باستخدام برامج الذكاء الاصطناعي المتقدمة التي تنتجها.

ولأن شركات الذكاء الاصطناعي في وضع تنافسي للاستحواذ على أكبر حصة من هذا القطاع الصاعد، فإنها تواصل الإنفاق الاستثماري بكثافة، حتى ولو كان ذلك بالاقتراض، ومن ثم تجد أن الوسيلة الأمثل لخفض الكلفة هي تقليل بند الرواتب والأجور، فتلغي الوظائف وتسرح العاملين.

لكن ذلك ليس كافياً لتعويض تدهور المبيعات وضعف الطلب، إذ إن تحقيق قطاع الذكاء الاصطناعي "نقلة" اقتصادية هائلة مرهون بتبني الشركات والأعمال في مختلف القطاعات للبرامج العالية الكلفة التي تنتجها شركات التكنولوجيا الكبرى، وإلا فإن الاستثمارات التريليونية التي أُنفقت على القطاع لن تحقق المردود الذي يتوقعه المستثمرون في تلك الشركات ومقرضوها.

منافسة النماذج الصينية

يخلص تقرير الصحيفة إلى أن "الشركات، كبيرها وصغيرها، التي سئمت من ارتفاع الكلفة، بدأت في استخدام نماذج ذكاء اصطناعي أقل كلفة، بما في ذلك نماذج أُنتجت في الصين، وفي كثير من الحالات تمزج بين النماذج الجديدة الرخيصة ومنتجات "أوبن أي آي" وأنثروبيك".

وكما يرى مايك سايكس، من شركة "كيرسور" لخدمات الذكاء الاصطناعي، فإن نماذج الذكاء الاصطناعي القوية المرتفعة الكلفة ليست ضرورية للمهام العادية، ومن ثم يمكن للشركات استخدام تلك النماذج المتقدمة العالية الكلفة في المهام الاستراتيجية فقط، أما بقية المهام فتكفيها النماذج الرخيصة أو حتى المجانية.

ويصف سايكس الأمر بأنه "يشبه استخدام سيارة لامبورغيني للذهاب إلى متجر الحي لشراء الحليب، مع أنها سيارة صُممت للسباقات على الحلبات".

والمشكلة أنه مع هذا التوجه من الشركات الأميركية في تبني الذكاء الاصطناعي، لا تصبح القضية مجرد ضعف الطلب وقلة مبيعات شركات التكنولوجيا التي تراهن على انتشار نماذجها المتقدمة، وإنما هناك أيضاً الصراع بين الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي، إذ يؤدي استخدام الشركات الأميركية نماذج صينية إلى تقويض الريادة الأميركية في هذا القطاع.

وهناك فارق مهم آخر، وهو أن النماذج والتطبيقات الصينية "مفتوحة"، بمعنى أنها متاحة للجمهور من دون قيود، فضلاً عن انخفاض كلفتها بصورة كبيرة.

بينما النماذج المتقدمة لشركات أميركية مثل "أوبن أي آي" أو "أنثروبيك" هي برامج مغلقة، بمعنى أن الشركة التي تشتريها لا تملك السيطرة الكاملة عليها، إذ يظل التحكم فيها بيد الشركة المنتجة لأنها "أنظمة مغلقة".

بالطبع، تسعى شركات التكنولوجيا الأميركية إلى التحذير من استخدام النماذج والتطبيقات الصينية، على اعتبار أنها تمثل خطراً على الأمن الإلكتروني للشركات التي تستخدمها، بل إن بعض قيادات القطاع التكنولوجي تطالب الحكومة الأميركية بحظر استخدام برامج وتطبيقات الذكاء الاصطناعي الصينية.

إلا أن هناك مشكلة أمام إمكان فرض مثل هذا الحظر، إذ إن ذلك سيعني مزيداً من الاحتكار لحفنة من شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى.

وبدأت بعض الشركات التكنولوجية في طرح عروض للشركات لتسويق برامجها ونماذجها المتقدمة العالية الكلفة، مثل منحها أشهر استخدام مجانية في البداية، أو تقديم خصومات على الكلفة بآلاف الدولارات مدة محددة.

اقرأ المزيد

المزيد من أسهم وبورصة