Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

داخل عالم متلازمة داون في لبنان... قصص تنتظر من يكتشفها

لا يحتاج كثيرون من ذوي الحاجات الخاصة إلا إلى الفرصة التي تسنح لهم حتى يكشفوا عن مواهب استثنائية وقدرات يتمتعون بها

استطاع الشاب جورج جرجي (32 سنة) أن يكسر كل الحواجز ويثبت جدارته بشغف لافت في مجالات عدة برع فيها، مثل التمثيل (اندبندنت عربية)

ما نشهده في الأعوام الأخيرة في لبنان من تحول في مستويات الدمج الاجتماعي وفي نظرة المجتمع إلى ذوي متلازمة داون بشكل خاص وذوي الحاجات الخاصة عموماً، يعتبر مهماً ولا يمكن الاستخفاف به. على رغم ذلك، فلا يزال الطريق طويلاً في بلادنا حتى نبلغ المراتب التي وصلت إليها الدول المتقدمة في هذا المجال، ولا تزال التحديات كثيرة وقد لا يدركها فعلاً إلا أهل هؤلاء الأشخاص.

وصحيح أنه ثمة إجحاف بحقهم بسبب الاختلاف الذي يميزهم عن غيرهم من الأشخاص، لكن استطاع كثيرون منهم أن يواجهوا هذا الإجحاف بإيجابية لافتة، وأثبتوا جدارة تستحق التقدير بمواهب وإمكانات وقدرات لا يمكن إلا أن تسلط الأضواء عليها.

 

مواهب تستحق التقدير

استطاع الشاب جورج جرجي (32 سنة) أن يكسر كل الحواجز ويثبت جدارته بشغف لافت في مجالات عدة برع فيها، مثل التمثيل، والطهو، والعزف على آلة الدربكة والغناء. في حديثها تؤكد والدته أنها لم تتعامل يوماً مع ابنها على أنه من ذوي متلازمة داون التي تعرف بمتلازمة الحزب، بل ربته كإخوته الأصغر سناً بالطريقة نفسها، وتعاملت معه كما تربي أي أم طفلها من دون اختلاف.

منذ طفولته، سعت والدة جورج إلى أن ينمو ويبلغ اليوم الذي يتمتع فيه بالاستقلالية ويكون عضواً فاعلاً في المجتمع، فكانت صارمة في تربيته، ورسخت في ذهنه فكرة السعي وبذل كل جهد ممكن ليحقق أهدافه بدءاً من المشي، والنطق، والدراسة، والنشاطات التي يمارسها. علماً أن حالة جورج تصنّف ضمن حالات التثلث الصبغي الجزئي، مما يجعله أكثر قدرة على الاعتماد على الذات، والتعلم، والاندماج المدرسي. لذلك، تابع دراسته بشكل طبيعي كأي طفل آخر، واكتفت والدته باعتماد أستاذ مرافق له في فترات معينة، على رغم التحديات والكلف المادية الباهظة. مع الإشارة إلى أن شركات التأمين في لبنان ترفض حتى أية تغطية صحية لذوي متلازمة داون مما يزيد من الأعباء على الأهل.

 

عاماً بعد عام قاده شغفه في مجالات معينة إلى النجاح، وحقق شهرة على منصة "تيك توك" بفيديوهات الطهي التي يصورها، وهو المجال الذي يعشق. كما عمل في مقهى داخل العاصمة بيروت حيث كل العاملين فيه هم من ذوي الحاجات الخاصة، وبحسب والدته تمكن من استقطاب كثيرين إلى المقهى بحضوره المحبب.

أما تغيّب جورج عن المنزل حالياً منذ أكثر من 10 أيام فسببه أنه في موقع تصوير فيلم يشارك فيه إلى جانب باقة من الممثلين منهم عمار شلق ورندة كعدي، وذلك بعدما كان قد شارك في التمثيل في مسلسل "ع أمل" مع الممثلة ماغي بو غصن ومجموعة من كبار الممثلين. ويستعد حالياً ليكون عضواً في لجنة التحكيم في مسابقة جمالية.

أسباب النجاح الاستثنائي

تعيد والدة جورج ما حققه ابنها في حياته من نجاحات في مجالات عدة إلى مجموعة من العوامل منها المتابعة المستمرة، والحرص على تنمية قدراته والاهتمام، إضافة إلى ما يتمتع به من قدرات، فكان هذا بالنسبة إليها هاجساً حتى يبلغ المرحلة التي يصبح فيها مستقلاً تماماً ويعتمد على نفسه، كما بالنسبة إلى أي أم.

وتلفت النظر إلى أن الكل في محيطه كان متعاوناً وقد غمر العائلة بالعاطفة حتى كان من الممكن بلوغ هذه المرحلة وكتابة قصة نجاح جورج.

 

قصة نجاح على رغم طيف التوحد

الشاب جوزيف كفوري (23 سنة) لم يمنعه طيف التوحد من تحقيق نجاحات استثنائية في مجال الرسم، فأبدع في الرسم منذ الطفولة وكانت موهبته لافتة في هذا المجال. وكانت قد شخصت إصابته بالتوحد بعدما شكت المعلمات في المدرسة من نشاطه المفرط داخل الصف. في الوقت نفسه، كان يتمتع بذكاء حاد مما زاد من صعوبة التشخيص في المراحل المبكرة، لكن بعد جلسات عدة في أحد المراكز المتخصصة في هذا المجال، تم تشخيص إصابته بطيف التوحد.

لذلك، دعا التقرير الطبي إلى انضمام جوزيف إلى صف دراسي عادي مع متابعة وإجراءات معينة تتخذ مثل جلوسه في المقعد الأول والتشجيع المستمر لدى تحقيق أي إنجاز.

 استطاع أن يتابع دراسته بهذا الشكل مع معلمة مرافقة في المدرسة والمنزل، حتى وصل إلى صف الشهادة المتوسطة، لكن ما ميزه بشكل خاص كان موهبة الرسم البارزة لديه.

اكتشفها أستاذ رسم كان لطيفاً جداً، ومتعاوناً، ومشجعاً إلى أقصى حد، تكشف والدته، مما ساعد على تطوير موهبته هذه ووصلت إلى حد إقامة معرض له في البيت.

وكانت لجوزيف مشاركات في معارض في "بيت بيروت" للمعارض، لكن إلى جانب ما نفذه من رسومات، حقق إنجازاً لافتاً يستحق أن تسلّط الأضواء عليه. "في ظل جائحة كورونا، ركز جوزيف بصورة خاصة على الرسم، فكان يجلس أوقاتاً طويلة ليرسم على صفحات يقسّمها إلى مربعات كما تنفّذ الرسوم الكرتونية. كان يرسم فيها شخصية أطلق عليها اسم ’دانكو‘ كونه ابتكرها بنفسه، وأصبح الأطفال يتابعونها وقد سجلتها باسمه رسمياً". 

دراسة جامعية وموهبة استثنائية

في مرحلة لاحقة، دخل جوزيف إلى الجامعة اليسوعية مع برنامج مخصص لذوي الحاجات الخاصة، قبل أن ينتقل إلى جامعة أخرى ويتابع الدراسة في الإخراج الفني، وشارك أيضاً في دورات رسم عدة.

تؤكد والدته أنها طوال أعوام كانت حريصة على تطوير موهبته ليتمكن في وقت من الأوقات من الاستثمار فيها، وينطلق في الحياة باستقلالية. وكانت قد تواصلت مع إحدى المنظمات غير الحكومية الداعمة لذوي الحاجات الخاصة الذي يتمتعون بمواهب معينة. عبّر جوزيف آنذاك عن هدفه من الرسم من أجل من يعانون التوتر ليخفف عنهم. وكانت النتيجة أنهم قدموا له طابعة استطاع بواسطتها طباعة الشخصية التي ابتكرها "دانكو" على أكواب ودفاتر تلوين. أما هدفه اليوم فهو إنتاج أكسسوارات للأطفال تحمل هذه الشخصية، لدى تأمين التمويل لذلك.

ساعدت والدة جوزيف ابنها ليطور موهبته، عملت طويلاً على ذلك من خلال المتابعة وأسهمت في تنميتها أكثر فأكثر. وهذا ما تعتبره شرطاً أساساً في تربية الأـطفال وفي تطوير مهاراتهم. هي تدرك اليوم أن ابنها يتمتع بموهبة استثنائية تستحق التقدير، والدليل على ذلك ردود الفعل في المعارض التي شارك فيها لدى رؤية رسوماته، لكنها تأمل أن تسنح له الفرصة وأن يأتي اليوم الذي يتمكن فيه من الاستثمار فيها على نطاق أوسع، ليكسب مدخولاً مادياً يؤمن له مزيداً من الاستقلالية والمستقبل الآمن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بين التمثيل والفن

ظهرت موهبة حسن، وهو  من ذوي متلازمة داون، في التمثيل من مرحلة مبكرة، فتوضح والدته فاطمة أنه كان يشاهد التلفزيون وينتقل مباشرة بعدها إلى تقليد الشخصيات التي يراها، حتى إنه كان يحاول تقليد الشخصية بكل تفاصيلها مثل الملابس والأكسسوارات التي يحضرها لتكتمل الصورة. كما كان يشارك في أدوار في مسرح المدرسة ويظهر اهتماماً واضحاً بالتمثيل والمسرح. انطلاقاً من ذلك، بدأت والدته تلاحظ موهبته أكثر فأكثر، وأتت مشاركته في دور تمثيلي في مسلسل "شتي يا بيروت" إلى جانب الممثل السوري عابد فهد ليبرزها ويسلط الضوء عليها أكثر بعد. عندها زاد شغفه لهذا المجال وعشق التقليد والتمثيل بشكل واضح، مما دفع والدته إلى تسجيله في مسرح للأطفال مع مخرجة سينمائية وأصبحت تحرص على شراء الأزياء التي يريدها للتمثيل ولتجسيد شخصيات معينة يحبها، على أمل أن يغوص أكثر في عالم التمثيل الذي أظهر عشقاً له.

أما كريستوفر فتميز بموهبته في العزف على آلة الدربكة من أعوام عدة. تتحدث والدته ليلى حرب عن التحديات الكثيرة التي واجهها في التعليم وقد انتقل من مدرسة إلى أخرى، وقد تبين في مرحلة ما أنه يعاني تأخراً في نمو الدماغ وهو في عمر 10 سنوات. لم تكن المسيرة سهلة، لكن بفضل المتابعة التي قام بها الأهل مع متخصصين في مختلف المجالات، بلغ المرحلة التي أصبح فيها مستقلاً على رغم الصعوبات. ومنذ الطفولة، برزت موهبته في العزف عندما كان يجلس ويضرب على الإيقاع على قدميه وعلى الطاولات، فتبين أنه يتمتع بأذن موسيقية وبموهبة موسيقية لافتة حرص الأهل على التركيز عليها.

ثم لوحظ تطور لافت لديه في هذا المجال بعدما أصبحت لديه في المنزل آلة دربكة، وكان يتدرب عليها من دون أي تعليم أو إرشاد. لذلك، قرر الأهل تعليمه الموسيقى وبصورة خاصة آلة الدربكة منذ نحو سبعة أعوام.

 يعزف كريستوفر راهناً في حفلات مركز خاص لذوي الحاجات الخاصة الذي يقصده. حتى إنه عزف في إحدى الحفلات مع مؤلف موسيقي شهير في لبنان، وانضم أيضاً إلى فرقة موسيقية في المعهد الوطني للموسيقى، خصوصاً أن موهبته في الموسيقى لفتت موسيقيين وقد شجعوا أهله على تنميتها لديه.

 

المتابعة أولاً

هذه المواهب وكثيرة غيرها برزت بين من هم من ذوي الحاجات الخاصة. حققوا نجاحات لافتة في مجالات عدة في الرسم، والموسيقى، والطهي، والعزف على آلة موسيقية، والغناء ومنهم من حقق شهرة واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي.

تقول بحسب الاختصاصية النفسية التربوية راشيل العلم إن الناس بصورة عامة لا يتوقعون أن يتمتع ذوو الحاجات الخاصة بموهبة، لأنه ثمة نظرة سلبية إليهم عادة على رغم ما يمكن أن يكشفوا عنه من مواهب وقدرات، فلكثيرين منهم مواهب بكل ما للكلمة من معنى، وهي مواهب تستحق التقدير بغض النظر عما إذا كانوا من ذوي الحاجات الخاصة، وتضيف "صحيح أن كل حالة تبدو مختلفة لكن ذلك يرتبط بالحالة وأيضاً بمجموعة من العوامل، منها التدخل المبكر، والمتابعة، والوقاية، والتربية، ومستوى التحفيز والتعرض في المجتمع. لذلك، ثمة حالات قد بلغت مراحل متقدمة من التطور، فيما اندثرت مواهب يتمتع بها آخرون بسبب الإهمال".

وتكشف أنه "في مجتمعنا، يميل الأهل بصورة عامة إلى الإحاطة المفرطة لأطفالهم إذا كانوا من ذوي الحاجات الخاصة. لا يمكن أن ننكر أنها مسيرة طويلة ومرهقة، وقد يركز البعض على توفير القدرة على العيش لأطفالهم بدلاً من التركيز على مواهب يتمتعون بها، مما يؤدي إلى زوالها. لذلك، نحن نعمل مع الأهل ليكتشفوا مواهب أطفالهم من سن مبكرة لأنه ثمة دور جوهري للأهل والتربية في تنمية القدرات والمواهب. على سبيل المثال، إذا كانت هناك موهبة في الرسم، من المهم أن ينضم الطفل إلى معهد للرسم متخصص في التعامل مع حالته أو أن يرافقه في الرسم أستاذ، لكن لا بد أولاً من أن يكتشف الأهل الموهبة".

 

القانون ونسبة الثلاثة في المئة

ليس من السهل دائماً اكتشاف موهبة من هذا النوع لدى الطفل، تقول العلم، خصوصاً عندما لا تكون واضحة من الأعوام الأولى. فثمة مواهب تنكشف من البداية ومنها الرسم والموسيقى، لكن يمكن عدم اكتشاف أخرى فتزول مع الوقت عندما يكون هناك تركيز على مجال آخر وعلى أن يبلغ الطفل الاستقلالية بناء على أولويات أخرى لدى الأهل.

وهناك تطور ملحوظ ومؤكد في نظرة المجتمع وفي احتضان هذه المواهب وفي تبني قصص النجاح لمن هم من ذوي الحاجات الخاصة، لكن لا تزال مجالات العمل محدودة بالنسبة إليهم على رغم التقدم الذي تحقق، وهذا ما يشكو منه كثيرون من الأهل بغياب فرص التوظيف والتحديات الكثيرة، وإن كان القانون يفرض نسبة ثلاثة في المئة من الموظفين من ذوي الحاجات الخاصة، لكنها مسألة لا تلتزمها كل المؤسسات.

وتكشف العلم أنه أصبح هناك برامج متخصصة لذوي الحاجات الخاصة لتدريبهم وإعدادهم للعمل، فلا يحتاجون عندها إلا إلى فرصة وإلى تدريب المؤسسات للتعامل مع هذه الحالات واستقبال هؤلاء الشباب على أمل أن تمشي كلها في هذا الطريق.

ويعتبر هؤلاء الشباب قادرين أن يكونوا مواطنين مستقلين، بحسب العلم، وإن كان التعميم غير ممكن بما أن الكل لا يتمتع بمواهب وقدرات فائقة. وما تؤكده أنه ما من حالة تشبه أخرى، ولا بد من التمييز بين الحالات والتعامل مع كل حالة على حدة.

 

خوف الأهالي على أطفالهم يتحول إلى عائق

خوف الأهل أحياناً على أطفالهم يمكن أن يشكل عائقاً أساساً، فمنهم من يخشون من ابتعاد أبنائهم عنهم حتى لا يتعرضوا لأذى، ومنهم من يصدمون أولاً بولادة طفل من ذوي الحاجات الخاصة لأنهم يعتبرونها خسارة للطفل المثالي الذي كانوا يحلمون به، هذا قبل أن يبلغوا مرحلة التقبل بوجود حلقة الدعم.

 وفي السياق تقول العلم "عندها، هناك وسائل عدة لإيجاد الطريق لما يناسب قدرات أطفالهم، وتحقيق الاندماج في المجتمع. وثمة مدراس دامجة لها برامج خاصة لاستقبالهم وتنمية قدراتهم وإعطائهم كل الفرص، أياً كانت حالاتهم. وحتى إذا كانوا في مراحل متقدمة هناك بدائل للعمل على مهاراتهم، لكن تبقى الشروط الأساسية في الوعي، ودعم الأهل، والتدخل المبكر، وتوفير فرص العمل في البلد، فحتى اليوم تبقى المبادرات الفردية وحدها حاضرة. ونحن نعمل على التعاون مع شركات لتوظيف طلاب الجامعة لدينا لأن قصص النجاح كثيرة، فمع التدخل المبكر تزيد قصص النجاح، وإن كانت هناك أيضاً حالات متقدمة تزيد فيها التحديات".

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات