ملخص
بات لبنان اليوم أمام فرصة تاريخية للانتقال من دولة المحاور إلى دولة المصالح. أي لبنان عربي الهوية، منفتح على الغرب، وقادر على إقامة سلام مع جيرانه، لكنه لا يجب أن يكون تابعاً لأي منهم. وبعد أربعة عقود من الهيمنة الإيرانية، لا يحتاج لبنان إلى وريث جديد لطهران، بل يحتاج إلى دولة ترث جميع الوصايات.
بات واضحاً أن توجهاً دولياً بدأ يتبلور منذ اندلاع حرب غزة، أو ما عرف بـ"طوفان الأقصى"، في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، هدفه تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة، وصولاً ربما إلى تغيير النظام نفسه.
وكأن مسار تصفية الإرث الإيراني في الشرق الأوسط بدأ يتخذ شكلاً أكثر وضوحاً، ولم يعد الأمر يقتصر على احتواء نفوذ طهران، بل انتقل إلى تفكيك الأدوات التي بنت من خلالها مشروعها الإقليمي.
وكانت العملية بدأت بإضعاف أذرعها العسكرية والسياسية في المنطقة، من "حزب الله" في لبنان، إلى "حماس" في غزة، والحوثيين في اليمن، والفصائل الشيعية المسلحة في العراق، وصولاً إلى استهداف رأس النظام نفسه عبر اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي لم يكن مجرد رجل دين بل كان رمز الجمهورية الإيرانية والمرجعية السياسية والعقائدية التي حكمت شبكة النفوذ الإيراني في الإقليم لعقود.
وما يجري اليوم يتجاوز تغيير موازين القوى العسكرية، ويعكس تحولاً استراتيجياً يبدو أنه يحظى بتوافق دولي وإقليمي واسع، هدفه إعادة إيران إلى داخل حدودها الجغرافية، وإنهاء مرحلة تصدير الثورة وبناء الميليشيات العابرة للدول. والرسالة التي تتبلور تدريجاً هي أن زمن الهيمنة الإيرانية على العواصم العربية يقترب من نهايته، وأن مرحلة جديدة بدأت تُرسم، عنوانها استعادة الدول لسيادتها، وتجريد طهران من أوراق النفوذ التي راكمتها على مدى أكثر من أربعة عقود.
لبنان الساحة الأهم في المشروع الإيراني
وفي قلب هذا التحول يقف لبنان، باعتباره الساحة الأهم في المشروع الإيراني خارج حدودها. وهنا يبرز السؤال الذي سيحدد شكل المرحلة المقبلة، إذا كانت إيران تخسر إرثها في المنطقة، فمن سيرث نفوذها في لبنان؟ وهل ينتقل البلد إلى مظلة عربية، أم إلى قيادة أميركية، أم إلى توازن إقليمي جديد لا يسمح لأي قوة منفردة بإعادة إنتاج نموذج الهيمنة الذي حكم لبنان طوال العقود الماضية؟
ورثة إيران في لبنان، من يملأ الفراغ بعد انكفاء طهران؟
ولم يعد السؤال ما إذا كان النفوذ الإيراني في لبنان سيتراجع، بل من سيملأ الفراغ الذي يتركه وراءه.
على مدى أكثر من أربعة عقود، لم تكن إيران مجرد دولة تملك حليفاً لبنانياً، بل كانت صاحبة المشروع الإقليمي الأكثر حضوراً وتأثيراً داخل لبنان، حيث أسست "حزب الله" ومولته وسلحته، وربطت القرار اللبناني بحساباتها، واستخدمت الأراضي اللبنانية ورقة ضغط في مواجهتها مع إسرائيل والولايات المتحدة والدول العربية.
إلا أن هزيمة "حزب الله" مرتين أمام إسرائيل، خلال أقل من ثلاثة أعوام في ما عرف بـ"حربي إسناد" غزة وإيران، لم تقتصر آثارها على التنظيم نفسه، بل أصابت المشروع الإيراني في صميمه، بعدما خسر أبرز أذرعه وأكثرها نفوذاً في الإقليم. ومن ثم فإن تضييق خطوط الإمداد عبر سوريا، وتصاعد الضغط الأميركي والإسرائيلي على إيران وأذرعها، أعاد فتح لبنان أمام صراع نفوذ جديد.
فمن يرث إيران في لبنان؟
هل تعود السعودية لتقود مشروعاً عربياً يعيد لبنان إلى عمقه الطبيعي؟ أو هل تفرض الولايات المتحدة مظلتها السياسية والأمنية؟ أو هل تستغل تركيا الفراغ لتوسيع حضورها؟ وهل تستطيع فرنسا استعادة دورها التقليدي؟ أم أن لبنان يتجه إلى مرحلة لا يهيمن فيها محور واحد، بل تتقاسم عدة قوى إدارة نفوذه؟
ويبدو أن الجواب الأقرب إلى الواقع هو أن إيران لن يكون لها وريث واحد، إذ إن لبنان يتجه إلى نموذج نفوذ متعدد الأطراف، تقوده الولايات المتحدة أمنياً وسياسياً، وتموله الدول العربية، وتحاول تركيا وفرنسا حجز موقع داخله.
الولايات المتحدة ترث القرار الاستراتيجي
ولا بد أن الطرف الأكثر قدرة لوراثة النفوذ الإيراني، على المستويين السياسي والأمني، هو الولايات المتحدة. لا تريد واشنطن إدارة لبنان مباشرة، ولا بناء حزب أو ميليشيات موالية لها على النموذج الإيراني، وما تريده هو نقل مركز القرار من "حزب الله" إلى الدولة، ووضع السلاح تحت سلطة الجيش، وضمان أمن الحدود مع إسرائيل، ثم دفع لبنان نحو تسوية سياسية تنهي حالة الحرب. وتأتي في هذا السياق زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن ولقاؤه مع الرئيس دونالد ترمب، والتي أظهرت أن الولايات المتحدة أصبحت الطرف الخارجي الأكثر حضوراً في رسم المرحلة اللبنانية الجديدة المقبلة، لأن المحادثات تناولت سلاح "حزب الله"، والانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، ومستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل.
وخلال اللقاء قال ترمب إن "عدداً كبيراً من الدول سينضم قريباً إلى اتفاقات أبراهام"، مضيفاً أن "لبنان سيكون له موقع مهم جداً في هذه العملية"، ومعتبراً أن الاتفاقات التي أطلقتها إدارته خلال ولايته الأولى حققت "نجاحاً كبيراً".
وعليه، لم تعد الولايات المتحدة تكتفي بتمويل الجيش اللبناني أو إدارة الوساطات، بل تعمل اليوم على إعادة صياغة التوازن الداخلي، عبر دعم مؤسسة الجيش بوصفها القوة المسلحة الوحيدة، وربط الانسحاب الإسرائيلي بإزالة البنية العسكرية لـ"حزب الله"، ثم فتح الباب أمام إعادة الإعمار والاستثمارات.
إذاً الدور الأميركي لا يقوم على احتلال المجال الإيراني بالمفهوم التقليدي، بل على نزع الأدوات الإيرانية منه، إذ إن إيران بنت نفوذها من خلال السلاح، وتسعى أميركا إلى بناء نفوذها من خلال الدولة والجيش والاتفاقات الأمنية والدعم الدولي.
لكن المشروع الأميركي يواجه مشكلة أساس، إذ إنه يستطيع فرض ضغوط سياسية وأمنية، لكنه لا يمول وحده إعادة إعمار لبنان، ولا يملك شبكة اجتماعية واقتصادية تستطيع أن تحل مكان المؤسسات التي أنشأها "حزب الله".
ولهذا تحتاج الولايات المتحدة إلى شريك عربي يمول المرحلة الجديدة.
السعودية هي الوريث العربي
وإذا كانت الولايات المتحدة مرشحة لقيادة الترتيبات السياسية والأمنية، فإن السعودية هي الطرف الأكثر قدرة على إعادة لبنان إلى محيطه العربي.
لا تنظر الرياض إلى لبنان كساحة توسع جغرافي أو مذهبي، بل باعتباره دولة عربية اختطفتها إيران وحولتها إلى منصة ضد دول الخليج. وتملك السعودية العلاقات العربية والتأثير في البيئات اللبنانية على اختلاف مذاهبها وتوجهاتها، والقدرة على جذب الاستثمارات الخليجية، إضافة إلى ثقل سياسي يسمح لها بالمشاركة في إعادة بناء التوازن اللبناني.
لكن الرياض أصبحت أكثر حذراً، لذلك بقي انخراطها الاقتصادي محدوداً، وربطت أي عودة جدية بالإصلاحات، وضبط الحدود، ومكافحة التهريب، وتقليص نفوذ "حزب الله". وعليه، فإن المشروع السعودي ليس مشروع "وراثة" للنفوذ الإيراني، بل مشروع إعادة لبنان إلى عمقه العربي.
ويتضح الفارق الكبير بين إيران والسعودية، إذ أنفقت طهران الأموال لبناء ميليشيات موازية للدولة، بينما وجهت الرياض تقديماتها تاريخياً نحو الجيش والمؤسسات والاقتصاد الشرعي وإعادة الإعمار. لكن نجاح هذا الدور يتوقف على استعداد الرياض للعودة الفعلية، فلبنان لا يحتاج فقط إلى غطاء سياسي عربي، بل إلى استثمارات وفرص عمل ومشاريع تنموية تعيد ربط اللبنانيين بالدولة بدل الأحزاب.
تركيا المنافس الأكثر طموحاً
على المقلب الآخر، يبدو أن تركيا هي المنافس الأكثر طموحاً لملء جزء من الفراغ الإيراني، خصوصاً في شمال لبنان وداخل بعض الأوساط السنية.
راكمت أنقرة خلال الأعوام الماضية حضوراً اجتماعياً وإنسانياً وثقافياً في طرابلس وعكار والبقاع، وقدمت مساعدات ونفذت مشاريع، وأقامت علاقات مع جمعيات وشخصيات سياسية ودينية. ومع توسع نفوذها في سوريا، أصبحت تركيا أكثر اهتماماً بلبنان، إذ إن السيطرة على المجال السوري تمنحها قدرة على التأثير في الحدود، والتجارة، والطاقة، وملفات اللاجئين، إضافة إلى العلاقات مع القوى السنية اللبنانية.
وتأتي في هذا الإطار زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى إسطنبول، ولقاؤه الرئيس رجب طيب أردوغان، والتي عكست رغبة تركية واضحة في لعب دور أكبر، فيما أشارت تحليلات سياسية إلى أن أنقرة تحاول موازنة النفوذين الإيراني والإسرائيلي، وتوسيع حضورها السياسي والاقتصادي في لبنان.
لكن قدرة تركيا على وراثة إيران محدودة، أولاً لأنها لا تملك داخل لبنان تنظيماً عسكرياً وسياسياً بحجم "حزب الله". وثانياً لأنها لا تملك الإجماع السني، فالبيئة السنية اللبنانية مرتبطة تاريخياً بالعالم العربي والسعودية، وليست مستعدة بالضرورة للانتقال من وصاية إيرانية إلى نفوذ تركي. وثالثاً لأن المشروع التركي يثير حساسية لدى قوى لبنانية تخشى عودة النفوذ العثماني، أو استخدام الهوية الدينية لبناء ولاءات سياسية جديدة.
ورابعاً لأن بعض الدول العربية لن تسمح بسهولة بتحويل الساحة اللبنانية إلى امتداد للمشروع التركي. لذلك لن تكون تركيا وريثة إيران على مستوى لبنان كله، لكنها قد تصبح لاعباً مهماً في المناطق السنية، وتحديداً في الشمال. وقد تستخدم الاقتصاد والمساعدات والتعليم والعلاقات الدينية لبناء نفوذ طويل الأمد.
ويتأتى خطر المشروع التركي أنه قد يحاول ملء الفراغ الطائفي بدل دعم الدولة. وإذا كان المطلوب إنهاء نموذج النفوذ الإيراني، فلا يجوز استبدال تعبئة شيعية مرتبطة بطهران بتعبئة سنية مرتبطة بأنقرة، إذ إن لبنان لا يحتاج إلى "حزب الله" سني.
فرنسا تريد المحافظة على إرثها التاريخي
في هذا المجال، لا تتعامل فرنسا مع لبنان كساحة عابرة في سياستها الخارجية، بل بوصفه جزءاً من حضورها التاريخي والثقافي في المشرق. وبطبيعة الحال، لديها شبكة واسعة من العلاقات داخل الطوائف والمؤسسات والجامعات والمدارس، وعلاقة خاصة بالمسيحيين، إضافة إلى دور سياسي مستمر منذ تأسيس لبنان الكبير.
لكن فرنسا لم تعد تملك القدرة على قيادة لبنان منفردة، فنفوذها السياسي لم يعد يوازي النفوذ الأميركي، وقدرتها المالية لا تضاهي قدرة دول الخليج، وتأثيرها الأمني محدود. والمشكلة الأكبر أن باريس حاولت لأعوام إدارة الأزمة عبر التسويات مع القوى القائمة، بما فيها "حزب الله"، بدل العمل على تغيير ميزان القوى، وهذا جعلها تبدو أحياناً حريصة على بقاء دورها أكثر من حرصها على قيام دولة لبنانية قوية.
وفي المرحلة المقبلة، قد تحتفظ فرنسا بموقع مهم في الدبلوماسية، وإعادة الإعمار، والتعليم، والثقافة، ودعم الجيش، لكنها لن تكون وريثة إيران، بل ستكون شريكاً في النظام الجديد، لا قائدة له.
إسرائيل ليست وريثاً لإيران، بل قوة تفرض حدود المرحلة
هنا، لا يمكن تجاهل إسرائيل عند الحديث عن مستقبل النفوذ في لبنان. وطبيعي أن إسرائيل لا تريد وراثة إيران سياسياً داخل لبنان، ولا تملك قاعدة لبنانية تستطيع من خلالها إدارة نفوذ داخلي، وهدفها الأساس هو إزالة التهديد العسكري عن حدودها، ومنع إعادة بناء قدرات "حزب الله"، وإقامة ترتيبات أمنية تضمن عدم استخدام الجنوب منصة لإطلاق الصواريخ.
لذلك سيكون لإسرائيل تأثير كبير في صورة المرحلة المقبلة، لكن ليس بالمعنى الذي مارسته إيران، إذ إن إيران بنت نفوذها من الداخل عبر "حزب لبناني"، لكن إسرائيل ستمارس ضغطها من الخارج عبر القوة العسكرية، والحدود، والمفاوضات، والضمانات الأميركية.
ونجاح الدولة اللبنانية في حصر السلاح سيقلص التدخل الإسرائيلي، أما فشلها فسيمنح إسرائيل مبرراً للاستمرار في فرض الوقائع العسكرية. والمفارقة أن "حزب الله"، الذي برر سلاحه بحماية لبنان من إسرائيل، انتهى إلى منح إسرائيل نفوذاً غير مسبوق في تقرير مستقبل الجنوب والحدود والترتيبات الأمنية.
مصر والأردن: أدوار مساندة
وقد تكون مصر قادرة على لعب دور سياسي وعربي مهم، خصوصاً في دعم المؤسسات، لكنها لا تملك الموارد المالية ولا النفوذ المباشر الذي يسمح لها بقيادة المرحلة.
وأن الأردن يملك خبرة أمنية وعسكرية، وقد يؤدي دوراً في تدريب الجيش والأجهزة وفي التنسيق الحدودي والإقليمي، لكنه ليس مشروع نفوذ مستقلاً في لبنان.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
البلدان قد يشكلان مع السعودية ما يشبه شبكة أمان عربية للبنان.
لا وريث واحداً بل توزيع أدوار
كانت إيران تمسك بالسلاح والسياسة والأمن والمال والعقيدة، من خلال شبكة واحدة يقودها "حزب الله"، أما المرحلة المقبلة فلن تشهد انتقال هذه الوظائف إلى جهة واحدة.
والأرجح أن تتوزع الأدوار على الشكل الآتي، بحيث تمسك الولايات المتحدة بالمسار الأمني والسياسي، وتدعم الجيش، وتدير التفاوض مع إسرائيل. وتقود السعودية العودة العربية، وتمول الاقتصاد وإعادة الإعمار إذا نفذت الإصلاحات وحصر السلاح.
وستحافظ فرنسا على حضورها الدبلوماسي والثقافي والتعليمي، وستحاول تركيا توسيع نفوذها في الشمال وداخل جزء من البيئة السنية، لكنها تبقى عاجزة عن الهيمنة على القرار اللبناني.
أما إسرائيل فستعمل على فرض شروطها الأمنية من الخارج، من دون أن تتحول إلى قوة نفوذ داخلي.
ومع هذا لن تختفي إيران كلياً، وستحتفظ بعلاقات وشبكات سياسية ودينية ومالية، وستحاول استخدام "حزب الله" بعد إعادة هيكلته بوصفه قوة سياسية واجتماعية، حتى لو خسر جزءاً كبيراً من دوره العسكري.
هنا سيطرح السؤال التالي، هل انتقل لبنان من الوصاية الإيرانية إلى الوصاية الأميركية؟
سيستخدم "حزب الله" هذا السؤال لتخويف اللبنانيين من أي دور أميركي أو عربي، وسيقول إن خصومه يريدون استبدال النفوذ الإيراني بالنفوذ الأميركي.
لكن المقارنة مضللة.
لم تتعامل إيران مع لبنان كدولة مستقلة، بل كجزء من ساحتها العسكرية، وكانت تمول تنظيماً مسلحاً يملك قرار الحرب، ويشارك في حروب المنطقة، ويتلقى أوامره وتمويله وسلاحه من الخارج. أما العلاقة المطلوبة مع الولايات المتحدة والدول العربية، فيجب أن تمر عبر الدولة اللبنانية، لا عبر تنظيم مسلح، ويجب أن يكون الدعم للجيش والحكومة والاقتصاد، لا لبناء قوة موازية. والمعيار هنا ليس جنسية الطرف الخارجي، بل شكل العلاقة معه، وكل نفوذ يمر عبر المؤسسات ويمكن للدولة ضبطه هو علاقة دولية طبيعية، وكل نفوذ يبني سلاحاً خارج الدولة ويفرض قراراته عليها هو وصاية، سواء كان إيرانياً أو تركياً أو أميركياً، والمشروع الأفضل للبنان هو المشروع العربي - الدولي.
ولا ينبغي للبنان أن يستبدل ارتهانه للمحور الإيراني بالارتهان لمحور آخر، وتركيبته الداخلية وموقعه الجغرافي وتاريخه، تمنع أي دولة من احتكاره طويلاً من دون أن ينفجر.
من هنا فإن المشروع الأكثر واقعية هو مشروع عربي دولي، أي مظلة أميركية تضمن التسوية وتدعم الجيش وتضغط لتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي، واحتضان سعودي وخليجي يعيد لبنان إلى محيطه العربي ويمول النهوض الاقتصادي، وشراكة فرنسية وأوروبية في الإصلاح وإعادة الإعمار، ودور تركي اقتصادي مضبوط بعلاقات الدولة، لا من خلال بناء شبكات مذهبية، وضمانات دولية تمنع إيران من إعادة إنشاء قوة مسلحة جديدة.
وهذا ليس توزيعاً للوصايات، بل توازناً يمنع احتكار لبنان من أي محور.
في المحصلة، ورثة إيران في لبنان كثر، لكن لا أحد منهم قادر وحده على ارتداء عباءتها. لكن السؤال الحقيقي ليس من سيرث إيران، بل هل يسمح اللبنانيون بقيام وصاية جديدة أصلاً؟
ولبنان أمام فرصة تاريخية للانتقال من دولة المحاور إلى دولة المصالح. أي لبنان عربي الهوية، منفتح على الغرب، وقادر على إقامة سلام مع جيرانه، لكنه لا يجب أن يكون تابعاً لأي منهم. وبعد أربعة عقود من الهيمنة الإيرانية، لا يحتاج لبنان إلى وريث جديد لطهران، بل إلى دولة ترث جميع الوصايات.