Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الملك يبحث عن بيلاسكويث الهارب: فتش عن المرأة!

الرسام الإسباني يتجول ويتعلم في روما وصديقته تنجب له طفلاً لا يريد الاعتراف به

لوحة "لاس مينيناس" لبيلاسكويث (موسوعة الفنون الكلاسيكية)

ملخص

ضجت إسبانيا باختفاء رسامها الشهير بيلاسكويث ولم يعرف أحد كيف يبرره، علماً أن القضية لا يمكن أن تكون سياسية لمعرفة الجميع بقرب الرسام من الملك وإيثار هذا الأخير له واتكاله عليه لكي يحسن له شكله وتصرفاته، كما فعل بالنسبة إلى الملكة

هناك حقبة في حياة الرسام الإسباني دييغو بيلاسكويث تعرف بكونها واحدة من أعظم الفترات التي أثرت فنه وأطلعته على منجزات عصر النهضة الإيطالية مضيفة إلى مواهبه المعروفة ما راح يميزه في ذلك الفن أكثر وأكثر، ويعطيه فرادة تضافرت لديه فيها ابتكاراته ضمن إطار الفن الإسباني الأصيل، مع ما استجد لديه من إضافات هائلة اكتسبها في الربوع الإيطالية متنقلاً من مدينة إلى أخرى.

ومن المعروف أن تلك هي المرحلة التي شهدت قفزة هائلة في فن بيلاسكويث وصلت إلى ذروتها مع إبداعه ذلك البورتريه المدهش الذي يمثل بابا روما في ذلك الحين اينوتشينتي العاشر.

صحيح أن رسم تلك اللوحة للحبر الأعظم كان واحداً من الأسباب التي نقلته في ذلك الحين من موطنه الإسباني إلى إيطاليا، لكنه لم يكن السبب الرئيس. وهو أمر سيعبر عنه الملك الإسباني فيليب الرابع بنفسه حين سيقول أمام أحد المقربين إليه في الرسالة نفسها التي سيعلن فيها عودة الرسام إلى الوطن، إن الرسام قد خانه ألف مرة ومرة. وكان ذلك حين أصدر الملك أوامره الصارمة بالبحث عن بيلاسكويث والعودة به إلى إسبانيا مهما كانت ذرائعه.

والحقيقة أن ما كان ينتظره في الوطن حينها لن يكون عقاباً يتهدده من قبل الملك فهذا كان يحبه ويقدر فنه، والأكثر من هذا أن الملكة كانت أنجبت حينها للملك طفلتهما الأميرة مرغريتا، مما خفف من غلواء الملك وأراد فقط أن يستعيد رسامه المفضل كي يبدأ برسم الطفلة باكراً.

أما الحكاية الأكثر أهمية والمتعلقة بما اعتبر "اختفاء" الرسام فإنها وإن كانت تتعلق بإنجاب طفل آخر فإنها تبدو مختلفة تماماً عن حكاية الملكة وطفلته.

العاشق الهارب

حكاية بيلاسكويث تتعلق بما كان معروفاً عنه من مغامرات نسائية وتحديداً تلك المرة بالتحديد، بامرأة شابة لم يعرف أحد هويتها الحقيقية، إذ قال البعض إنها من سراة القوم ومن عائلة نبيلة، بينما أكد آخرون أنها وصيفة لسيدة من النبلاء. وهذه الصبية أغرمت كالعادة بالفنان الشاب فأقام معها علاقة سرعان ما أسفرت عن حملها، فما كان منه بدلاً من أن يتحمل مسؤوليات، أن هرب إلى إيطاليا ريثما تهدأ الأمور.

وفي إيطاليا، بعد فترة انصرف فيها إلى ممارسة فنه على غرار ما كان الفنانون الأوروبيون يفعلون في حجهم إلى البلد النهضوي الإبداعي الكبير، راح يطور فنه إلى درجة حقق معها للبابا ذلك البورتريه الذي سيحسد كبار أوروبا هذا الأخير عليه.

غير أن إسبانيا راحت تضج باختفائه الذي طال أعواماً ولم يعرف أحد كيف يبرره، علماً أن القضية لا يمكن أن تكون سياسية لمعرفة الجميع بقرب الرسام من الملك وإيثار هذا الأخير له واتكاله عليه لكي يحسن له شكله وتصرفاته، كما فعل بالنسبة إلى الملكة، مما اعتبر تحسيناً جذرياً لشكل سيد البلاد وامرأته. وهكذا كان لا بد للملك من أن يصدر يوماً أوامره باستعادة الرسام و"معرفة الأسباب الحقيقية التي كانت في خلفية منفاه الاختياري ذاك".

والحقيقة أن الملك كان يعرف الحكاية كلها، وأن بيلاسكويث لا يخشى في القضية كلها سوى الفضيحة، وهو الذي اعتاد على مثل تلك المغامرات، لكن الجديد هذه المرة هو أن الضحية أصرت على إنجاب الولد الذي تحمله وهنا فقط وصل مأزق بيلاسكويث إلى الذروة التي جعلته يطيل مدة غيابه ريثما يجد حلاً.

الملك يفرض حلاً

غير أن فيليب الرابع لم يكن ليبالي بوصول رسامه إلى أي حل. على هذا أن يعود ويستعيد مهامه كرسام للعائلة المالكة لا أكثر ولا أقل، ما أبلغته حكومة جلالته لسفيرها لدى إيطاليا الدوق أورتونيللي الذي شرحت له الحكاية وطلبت إليه أن يعمل على استعادة الرسام ولو مكبلاً، بخاصة أن ثمة في الأمر الآن تفاصيل لم يعد من الجائز السكوت عنها.

فالمرأة أنجبت طفلها من بيلاسكويث وسمته أنطونيو، وراحت تخبر ذويها بأن أباه سيعود قريباً أي "ما إن يعفو عنه جلالة الملك لمخالفات ارتكبها وأجبرته على مغادرة البلد خوفاً من بطش هذا الملك".

والحقيقة أن هذا التطور الذي ينم عما سماه الملك "كيد النساء"، زاد من رغبة الملك في إيجاد حل للحكاية لا يجبر تلك المرأة البائسة على الإفصاح عن الحقيقة وفضح أكاذيب تلك المرأة التي من الواضح أنه عطف عليها. وكان هذا كله ما أبلغه السفير للرسام حين التقاه في مدينة جنوى بعد بحث دؤوب. ولكن من يذكر هنا أن اللقاء أتى في وقت كان فيه بيلاسكويث قد بدأ استعداداته لسلوك درب العودة، فما كان من اللقاء إلا أن طمأنه بخاصة أن الحديث دار من حول احترام الملك فيليب لفن بيلاسكويث.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت النتيجة أن السفير سيأخذ السفينة بعد أسابيع قليلة من ذلك اللقاء متوجهاً إلى بالنسيا الإسبانية وفي "جعبته" الرسام بيلاسكويث. ولقد استغرقت الرحلة البحرية حينها نحو شهر ونصف الشهر وستقول الحكاية إن السفير طمأن الرسام خلالهما عشرات المرات، ليس فقط إلى أن الملك لن يعاقبه، بل أكثر من هذا إلى أنه لن يجبره على تسوية أمر المرأة والطفل "فالملك أوجد ما يكفي من الحلول لكل ذلك".

والحقيقة أن ذلك كان صحيحاً تماماً، بل إن الملك كتب رسالة بخط يده إلى واحد من أقرب المقربين إليه وهو الدوق إنفانتادو يخبره فيها بأن "رسام بلادنا الموهوب بيلاسكويث قد عاد أمس إلى الوطن ووصل بالتحديد إلى مدريد".

صحيح أن التاريخ لم يخبرنا ما إذا كان الملك قد أنب الرسام على فعلته، وهو الذي كان يعتبره زير نساء حقيقياً لا يمكن إصلاحه، لكنه - أي التاريخ - يخبرنا أنه في تلك الرسالة نفسها قال للدوق الصديق عبارته التي باتت مشهورة ومفادها أن "بيلاسكويث خانني ألف مرة ومرة". وكان الملك على أية حال ميالاً إلى التسامح يومها، أولاً لحبه لفن ذلك الرسام الذي زادته رحلته الإيطالية على رغم المكر الكامن فيها، فناً على فن، ولكن لأنه كان قد أنجب ابنته الأولى، مما أثلج صدره وبدا أكثر تفهماً لما فعله رسامه المفضل.

ولسوف يدرك الملك صواب تسامحه بعد أعوام حين تكون حكاية بيلاسكويث وأخطاء حياته قد نسيت وباتت مرغريتا ابنة فيليب الرابع المفضلة وولية عهده، نجمة تلك اللوحة الساحرة "لاس مينيناس" التي سيحققها بيلاسكويث بعد أعوام من تلك... الحادثة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة