Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رصاص طائش في أعراس تونس... لا وقت للفرح

حمل البنادق في المناسبات عادة توارثتها الأجيال بخاصة في المناطق الريفية

تعود ظاهرة استخدام السلاح في أعراس تونس إلى امتدادات قبلية قديمة (مواقع التواصل)

ملخص

حمل السلاح وإطلاق الرصاص ظاهرة قديمة لها امتدادات في القبائل التونسية التي كانت تفاخر بامتلاك الخيول والسلاح. اليوم تعود "فانتازيا" السلاح في الأعراس التونسية كتعبير عن استعادة الأمجاد ودلالة على الوجاهة في وقت يهدد الرصاص المنفلت أرواح المواطنين.

تشكل ظاهرة حمل السلاح وإطلاق الأعيرة النارية في الأعراس في تونس جزءاً من الموروث الشعبي، وطقوساً احتفالية، لها علاقة بالوجاهة، ولها امتداداتها في تاريخ البلاد الاجتماعي، إذ تعتبر البندقية رمز عزة ونخوة يدافع بها رب الأسرة عن أرضه وعرضه.

 

عادة متوارثة

حمل البندقية في المناسبات والأفراح عادة توارثتها الأجيال بخاصة في المناطق الريفية، وتحولت في الأعوام الأخيرة إلى كابوس يؤرق المدعوين، إذ خلف الرصاص الطائش إصابات كثيرة في صفوف الحاضرين، بينها إصابة مباشرة على مستوى الوجه والفك السفلي لصبي في منطقة السعيدة من محافظة سيدي بوزيد (وسط)، مما أدى إلى فقدانه البصر بشكل نهائي بإحدى عينيه.

وفي منطقة حفوز من محافظة القيروان (وسط)، أصيب أخيراً الفنان الشعبي حسن الزيتوني إصابة خطرة في ساقه بطلق ناري من قرب من قبل أحد الحاضرين.

وأثارت هذه الظاهرة جدلاً في تونس بين من يراها تعبيراً رمزياً عن الفرح مع ضرورة ترشيد استخدام السلاح ووضعه بين أيدي متخصصين من دون سواهم، وبين من يدعو إلى ضبط السلاح المنفلت وتقنين حمله بسبب ما يخلفه من مآسٍ.

الخيل والبندقية علامات وجاهة وقوة

حمل السلاح وإطلاق الأعيرة النارية في الهواء ظاهرة قديمة في البوادي والأرياف وتقل في المدن، ويتباهى الناس بكسب الخيل والبندقية لأنهما من علامات الوجاهة والقوة لدى القبائل التونسية.

في السياق قال أستاذ التاريخ المعاصر والأنثروبولوجيا التاريخية عبدالواحد مكني إن "اقتناء السلاح وحمله عند القبائل والعروش في فترة ما قبل الاستقلال لا يخضع لترخيص من الدولة"، لافتاً إلى ما يعرف بالتنظيم العرفي الذي ينظم استعمال السلاح، والذي كان يستعمل إما للدفاع عن النفس، أو للصيد، "وتستنجد بعض القبائل ببعض باستخدام السلاح في مواجهة عدو أو غزاة، ويستعمل السلاح أيضاً في سباق الخيل، إذ يمتشق الفارس سلاحه وهو يمتطى جواده، وهي نوع من الفانتازيا الشعبية".

ولفت المكني إلى أن "الظاهرة بدأت تتراجع لكنها لم تندثر، وكان الناس يستعملون البارود الخفيف أو ما يعرف محلياً بالكسكسي الذي يحدث صوتاً من دون أن يلحق ضرراً بالحضور، ويسمى أيضاً العراسي لارتباطه بالعرس أي الزفة، بينما اليوم يتم استخدام بنادق حديثة وأعيرة نارية من فئة 12 أو 16 أو 20 ميليمتراً، وهي أسلحة غير مرخصة، وتستخدم بطريقة عشوائية في محافل تضم عشرات النساء والأطفال والشيوخ مما يشكل خطراً في ظل انتشار استهلاك الكحول والمخدرات".

السلاح والشرف

ويرتبط استخدام السلاح لدى فئات واسعة من التونسيين في الأرياف للدفاع عن الشرف، وهي امتداد للمجتمع القبلي.

وأكد المتخصص في علم الاجتماع في "الجامعة التونسية" عبدالستار السحباني في تصريح خاص أن "إطلاق الأعيرة النارية يرتبط بالزواج والشرف.

وعندما تزف العروس وهي بكر، يخرج الناس ليعبروا عن فرحتهم بإطلاق النار في الهواء، وهي معادلة مجتمعية تربط بين الشرف والوجاهة فتحتفي عائلة العروس بابنتهم البكر التي صانت شرفها، بينما تحتفي عائلة الزوج بابنها الرجل الشهم والقوي، لذلك ينطلق الرصاص في الهواء ويختلط صوت البارود بالزغاريد، ورأى السحباني أن "درجات الانتشاء العالية، ومنسوب البهجة والفرح قد تجعل حامل السلاح عاجزاً عن التركيز، والتحكم في سلاحه، لذلك تكثر حوادث الرصاص الطائش"، لافتاً إلى أن ما يعرف بالمقاومة المجتمعية "تجعل أجهزة الدولة أحياناً عاجزة ولا تتدخل إلا عند حصول مكروه ناتج من إساءة استخدام السلاح".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ظاهرة مخالفة للقانون

ظاهرة مسك السلاح في الأرياف، ولئن كانت نوعاً من استعادة أمجاد الماضي، فإنها ممارسات مخالفة للقوانين التونسية.

وأكد المتخصص في مجال القانون مختار الجماعي أنه "لا يجوز مسك السلاح في تونس إلا من قبل صاحبه، الذي يجب أن يكون متحصلاً على ترخيص من وزارة الداخلية"، وأضاف أن المشرع التونسي بادر مباشرة بعد الاستقلال، في ظل تفشي السلاح واستخدامه بطريقة عشوائية، إلى "تنظيم مسك السلاح واستعماله، وصنف الأسلحة إلى خمسة أصناف منها ما هو خاضع للترخيص المسبق، ومنها ما هو غير خاضع للترخيص، ومنها ما هو ممنوع مسكه تماماً، ونظم المشرع مسألة استيراد هذه الأسلحة، وتصديرها، وبيعها، وإصلاحها، ووضع مجموعة من العقوبات في حال مخالفة القانون"، ورأى الجماعي أن تجريم مسك السلاح متدرج من "مسك السلاح الذي ينتج منه الجرح على وجه الخطأ، إلى القتل على وجه الخطأ، أو القتل المتعمد، وأدنى ما فيه هو مسك واستعمال سلاح من دون رخصة، وتترتب عليه عقوبة سجنية مخففة نسبياً، وصولاً إلى الإعدام، وفي المحصلة فإن الظاهرة مخالفة للقانون".

تبعات استخدام السلاح

وشدد المتخصص في مجال القانون على أن "كل من يحمل السلاح عليه أن يحسن استعماله ويدرك تبعات استخدامه بطريقة عشوائية"، مشيراً إلى "ضعف الرقابة القانونية والأمنية لمثل تلك الأسلحة"، داعياً إلى "توسيع دائرة المشمولين بالتراخيص في مسك السلاح، ومسالك توزيع البارود والذخيرة، من أجل تسهيل المراقبة على القطاع بأكمله".

يذكر أن نقابة الفنانين التونسيين اعتبرت أن ظاهرة استعمال الأسلحة النارية في الأعراس والمناسبات أصبحت خطراً حقيقياً تستوجب تدخلاً عاجلاً وحازماً، داعية وزارة الداخلية إلى منع استعمال الأسلحة النارية في الأفراح والمناسبات حماية لأرواح المواطنين والفنانين، وذلك إثر إصابة فنان شعبي في ساقه برصاصة طائشة من أحد الحاضرين حاملي سلاح بندقية، وقد فتحت النيابة العامة تحقيقاً في الحادثة.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات