Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحلة انتظرت 40 عاما... لماذا عادت واشنطن إلى أجواء بيروت؟

متخصصون: تعكس استعادة الدولة سيطرتها ومكافأة لمسار السيادة وفرصة لإعادة الثقة والاستثمار

الطائرة التي تعود إلى بيروت لا تحمل مسافرين فقط بل إشارة إلى أن لبنان يحاول أن يعود إلى العالم من بوابة الدولة (أ ف ب)

ملخص

بعد أكثر من 40 عاماً، تعكس عودة الرحلات الأميركية المباشرة إلى لبنان تنامي الثقة بقدرة الدولة على بسط سيادتها وتعزيز أمن المطار. ويرى متخصصون أنها تحمل دعماً سياسياً لمسار الدولة، وتفتح الباب أمام تنشيط السياحة والاستثمار، وتسهيل سفر المغتربين، وإعادة لبنان تدريجاً إلى خريطة الاقتصاد الدولي.

لا تبدو عودة الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان، بعد أكثر من أربعة عقود، مجرد فتح خط جديد بين بيروت والمدن الأميركية، فالقرار يعيد طرح سؤال ظل ملازماً للبنان منذ الحرب الأهلية: هل استعادت الدولة قدرتها على حماية مطارها وضبط مرافقها وفرض سيادتها؟

منذ توقف الرحلات عام 1985، تبدلت الحكومات والرئاسات، وانتهت الحرب، وأعيد إعمار المطار، وخرج جيش النظام السوري المخلوع، لكن الحظر بقي. لذلك، تحمل العودة اليوم دلالة تتجاوز الطيران، لأنها تعكس تحولاً في نظرة واشنطن إلى الدولة اللبنانية وقدرتها على إدارة أحد أكثر مرافقها حساسية. وليس تفصيلاً أن يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب القرار بنفسه، فالإعلان يمنحه بعداً سياسياً واضحاً، ويربطه بالرهان الأميركي على التعامل مع الدولة ومؤسساتها الدستورية، لا مع القنوات الموازية التي اختزلت لبنان طويلاً في ملف أمني.

اقتصادياً، قد تسهم الرحلات في تسهيل حركة المغتربين والمستثمرين والسياح، وخفض كلفة السفر، وتعزيز المنافسة وربط لبنان مجدداً بشبكة النقل الدولية، لكن قيمتها الأهم تبقى في ما ترمز إليه: استعادة قدر من الثقة، وربط السيادة والاستقرار بفرص النمو.

فالطائرة التي تعود إلى بيروت لا تحمل مسافرين فحسب، بل تحمل أيضاً إشارة إلى أن لبنان، بعد أعوام من العزلة والاضطراب، يحاول أن يعود إلى العالم من بوابة الدولة.

 

خطف الطائرة حسم القرار والتدهور الأمني مهد له

في السياق رأى المؤرخ عماد مراد أن "فهم القرار الأميركي يتطلب العودة إلى واقع لبنان في تلك المرحلة، حين كان البلد منقسماً بين مناطق نفوذ مختلفة، في ظل وجود الجيش السوري في قسم من الأراضي اللبنانية، والاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، وانتشار الميليشيات والقوى المسلحة، مقابل عجز واضح للدولة عن بسط سلطتها"، وأشار إلى أن "انتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية عام 1982 أعطى انطباعاً بإمكان إعادة تثبيت سلطة الدولة، لكن اغتياله بعد 21 يوماً أطاح التوازنات التي كان يجري العمل على بنائها، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التدهور الأمني واستهداف الوجود الأميركي والغربي"، وأضاف أن "تفجير السفارة الأميركية ومقر مشاة البحرية الأميركية والقوات الفرنسية، وما أسفر عنه من مقتل مئات الجنود، دفع الرئيس رونالد ريغان إلى سحب القوات الأميركية من لبنان"، معتبراً أن "واشنطن بدأت منذ تلك اللحظة تنظر إلى لبنان باعتباره ساحة أمنية عالية الأخطار، لا تستطيع دولته حماية المواطنين أو المصالح الأجنبية فيها".

في موازاة ذلك، قال مراد إن "سقوط اتفاق الـ17 من مايو (أيار) عام 1984 وانسحاب القوات الغربية عززا النفوذ السوري وأضعفا مؤسسات الدولة والجيش، في وقت توسع حضور القوى المسلحة، ومن بينها ’حزب الله‘، الذي بدأ ببناء نفوذه العسكري والاجتماعي في الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع (شرق) والجنوب".

وعن السبب المباشر للحظر أشار مراد إلى أن "خطف طائرة شركة ’تي دبليو أي‘ الأميركية عام 1985، وتحويل مسارها إلى بيروت ومقتل جندي أميركي على متنها، شكل المحطة الحاسمة في اتخاذ القرار"، موضحاً أن "الحادثة لم تكن سوى تتويج لسلسلة أحداث أكدت فقدان السيطرة الأمنية وعجز الدولة عن حماية المطار والطائرات والمسافرين".

"الطائف"... الحرب والسيادة

انتهى القتال رسمياً مع "اتفاق الطائف"، لكن عودة الاستقرار النسبي لم تكن كافية لتغيير المقاربة الأميركية، إذ بقي القرار السياسي والأمني اللبناني، وفق هذه القراءة، خاضعاً لموازين نفوذ خارج مؤسسات الدولة.

وقال مراد إن "اتفاق الطائف عام 1989 نجح في إنهاء الحرب، لكن تطبيقه ترافق عملياً مع تسليم الملف اللبناني إلى سوريا، من دون تنفيذ البنود المتعلقة بانسحاب قواتها واستعادة الدولة سيادتها الكاملة"، وأضاف أن "انطلاق عملية إعادة الإعمار في التسعينيات وإعادة بناء مطار بيروت لم يؤديا إلى عودة الرحلات الأميركية، لأن واشنطن لم تكن تعتبر لبنان مستقراً بصورة فعلية"، مشيراً إلى أن "القرار السياسي والأمني كان خاضعاً للهيمنة السورية، في وقت استمر السلاح الفلسطيني والاغتيالات والملاحقات السياسية"، ووصف مراد تلك المرحلة بأنها "فوضى مضبوطة بالقوة"، معتبراً أن "الدولة لم تكن تملك حرية اتخاذ قراراتها السيادية أو السيطرة الكاملة على أراضيها ومرافقها، لذلك لم تكن الولايات المتحدة مستعدة للتعامل بصورة طبيعية مع واقع يخضع فيه لبنان لسلطة نظام غير ديمقراطي"، لافتاً إلى أن "استمرار منع الطيران الأميركي كان أيضاً إحدى أدوات الضغط السياسي على دمشق، تزامناً مع دعم واشنطن الحركات اللبنانية المطالبة بإنهاء الوجود السوري واستعادة السيادة".

 

خرجت سوريا وبقي نفوذ السلاح

عام 2005 كان انسحاب جيش النظام السوري المخلوع يفترض أن يفتح الباب أمام عودة العلاقات الطبيعية، لكن واشنطن رأت أن مركز النفوذ تغير من دون أن تستعيد الدولة قدرتها الكاملة على التحكم بقرارها الأمني ومرافقها الحيوية.

وأشار مراد إلى أن "لبنان انتقل بعد خروج القوات السورية من مرحلة الهيمنة السورية إلى مرحلة توسع النفوذ الإيراني وهيمنة ’حزب الله‘ على القرار السياسي والأمني"، موضحاً أن "الولايات المتحدة لم تكن مستعدة لإرسال طائراتها إلى مطار تعتبر أنه واقع تحت نفوذ الحزب"، وأضاف أن "التاريخ الأمني بين واشنطن و’حزب الله‘، لا سيما عمليات خطف الأميركيين واستهداف المصالح الأميركية في الثمانينيات، جعل الإدارة الأميركية أكثر تشدداً في مقاربة أمن المطار والطيران المدني"، وقال إن "منع الرحلات استمر بين عامي 2005 و2024 لأن الولايات المتحدة لم تكن مطمئنة إلى قدرة الدولة على حماية المطار والطائرات والمسافرين، أو إلى استقلالية القرار الأمني في المرافق العامة، إذ كانت واشنطن ترى أن الدولة اللبنانية لا تسيطر بصورة كاملة على المطار والمرفأ والحدود، وأن وجود ’حزب الله‘ المسلح ودوره داخل المؤسسات يمنعان قيام علاقات طبيعية وكاملة بين البلدين".

جوزاف عون يعيد الدولة إلى الواجهة

التحول الأميركي لم يبدأ من المطار، بل من قراءة سياسية جديدة لمسار الدولة اللبنانية وقدرتها على استعادة مؤسساتها وضبط المرافق والسلاح، بعد أعوام من الشك في استقلال قرارها الأمني.

ورأى مراد أن "انتخاب قائد الجيش جوزاف عون رئيساً للجمهورية شكل بداية تحول في العلاقة مع الولايات المتحدة، وأعطى مؤشرات إلى إمكان إعادة بناء الدولة واستعادة المؤسسات الرسمية دورها"، مشيراً إلى أن "واشنطن بقيت متحفظة في البداية، بسبب الشكوك في قدرة الدولة على الحد من نفوذ ’حزب الله‘ وضبط الوضع الأمني، لكنها بدأت لاحقاً تلمس توجهاً لبناء دولة حديثة وقادرة على استعادة قرارها السيادي"، وقال مراد إن "زيارة الرئيس عون إلى الولايات المتحدة، إلى جانب إجراءات ضبط المطار والمرفأ والحدود عززت اقتناع واشنطن بوجود إرادة رسمية لاستعادة سلطة الدولة، وضبط السلاح، والحد من نفوذ ’حزب الله‘ وإيران"، معتبراً أن "إعادة الرحلات تعكس ثقة متزايدة بأن لبنان بدأ يعود إلى العالم من بوابة السيادة والمؤسسات الشرعية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واشنطن تكافئ مسار الدولة

سياسياً، رأى الباحث في "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" في واشنطن، حسين عبدالحسين، أن "إعلان ترمب شخصياً يحمل رسالة تتجاوز البعد التقني، ويعكس دعماً لمسار التفاوض الذي تقوده الدولة ومؤسساتها الشرعية"، مشيراً إلى أن "واشنطن تريد إظهار أن التعامل مع لبنان عبر مؤسساته الدستورية، ممثلة بالرئيس جوزاف عون، يحقق نتائج أكبر من القنوات الموازية للدولة"، معتبراً أن "صدور القرار عن ترمب يؤكد جديته وجاهزيته للتنفيذ"، وقال عبدالحسين إن "الولايات المتحدة تحاول إظهار أن مسار الدولة أكثر فائدة للبنانيين من الخيارات الأخرى"، مضيفاً أن "الإعلان الرئاسي يؤكد استعداد واشنطن لمكافأة التقدم في ملفات السيادة والأمن والاستقرار"، وتابع أن "الرسالة إلى اللبنانيين واضحة: التعامل عبر الدولة ينتج مكاسب ملموسة، فيما تبقي القنوات الموازية البلاد في دائرة العزلة والأزمات".

ولا يقرأ القرار، وفق عبدالحسين، باعتباره منحة أميركية، بل خطوة تتيح للبنان تحقيق عائدات اقتصادية مباشرة، وأشار إلى أن "الرحلات المباشرة يمكن أن تنشط النقل والسياحة والاستثمار، وتزيد إيرادات شركة طيران الشرق الأوسط والخزانة"، معتبراً أن "المقاربة الأميركية تنتقل من المساعدات المشروطة إلى تشجيع النمو عبر الاستقرار واستعادة السيادة"، مضيفاً أن "واشنطن تريد إظهار أن الدولة القادرة على التحكم بقرارها يمكنها جذب فرص اقتصادية وتجارية وسياحية مستدامة".

ويحمل القرار أيضاً مؤشراً إلى ارتفاع مستوى الثقة الأميركية بالإجراءات الأمنية في مطار بيروت.

وقال عبدالحسين إن "الرحلات إلى المطارات الأميركية تخضع لمعايير أمن وتفتيش صارمة، لا سيما بالنسبة إلى الطائرات المغادرة من بيروت"، مضيفاً أن "استعادة الأجهزة الشرعية السيطرة الفعلية على المطار عززت ثقة واشنطن، والنفوذ الأمني لـ’حزب الله‘ داخله كان أحد أبرز العوائق أمام استئناف الرحلات"، لافتاً إلى أن القرار يشكل "شهادة سياسية وأمنية بأن المطار انتقل من مرحلة الشك إلى الثقة بقدرة الدولة على تحمل المسؤولية"، وشدد على أن "عودة الرحلات تندرج ضمن سياسة أميركية أوسع لإعادة دمج لبنان ودول المنطقة في شبكة من التعاون الاقتصادي والدبلوماسي تمتد من الخليج إلى الساحل اللبناني والسوري، على قاعدة إنهاء الحروب وحصر السلاح بيد الدولة"، معتبراً أن "القرار يشكل إحدى جوائز الاستقرار واستعادة السيادة، ويؤشر إلى اقتراب نهاية مرحلة التعامل مع لبنان كملف أمني خاضع للنفوذ السوري ثم لهيمنة ’حزب الله‘".

"صدمة إيجابية" تعيد الثقة بلبنان

لا تقتصر عودة الرحلات الأميركية على تسهيل السفر، بل تحمل إشارة إلى تبدل النظرة الأميركية تجاه لبنان ومؤسساته وقدرتها على حماية المطار والمسافرين.

في هذا الإطار، رأى المتخصص الاقتصادي نسيب غبريل أن "عودة الرحلات الأميركية المباشرة تحمل أثراً إيجاباً في الثقة بلبنان"، معتبراً أن "القرار يشكل صدمة إيجابية، وأثره المعنوي يسبق تداعياته الاقتصادية والمالية، لأنه يعكس تغيراً في نظرة السلطات الأميركية إلى لبنان ومؤسساته وقدرتها على حماية المطار والمسافرين، وهذه الخطوة توجه إشارة إيجابية إلى المستثمرين والسياح والمغتربين والمؤسسات الدولية التي تراقب مستوى الاستقرار السياسي والأمني في لبنان".

ومن المتوقع أن تسهم الرحلات في تسهيل انتقال المسافرين بين لبنان وأميركا الشمالية.

أضاف غبريل أن "دخول شركات أميركية إلى السوق اللبنانية يزيد الخيارات المتاحة أمام المسافرين من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ويخفف الحاجة إلى محطات العبور الطويلة وتبديل شركات الطيران، وأن تسهيل زيارة المغتربين قد ينعكس على الإنفاق والتحويلات والاستثمار، إضافة إلى الفنادق والمطاعم والنقل والتجزئة والقطاعات السياحية".

وعما إذا كان يؤدي دخول شركات إضافية إلى السوق إلى زيادة المنافسة بين شركات الطيران، أشار غبريل إلى أن "اعتماد المسافرين حالياً على عدد محدود من الخطوط والمسارات عبر مطارات وسيطة يسهم في ارتفاع الأسعار، خصوصاً خلال الصيف والأعياد"، معتبراً أن "زيادة العرض قد تدفع الشركات إلى تقديم أسعار ومواعيد أكثر تنافسية، من دون أن يعني ذلك انخفاض الأسعار بصورة تلقائية أو فورية".

احتمال عودة "طيران الشرق الأوسط"

وتتجه الأنظار أيضاً إلى إمكان استئناف "شركة طيران الشرق الأوسط" رحلاتها إلى الولايات المتحدة. ورأى غبريل أن "عودة الناقل الوطني إلى السوق الأميركية قد تسهم في زيادة إيراداته، وتوسيع شبكته الدولية، وتعزيز دور مطار بيروت"، مؤكداً أن "زيادة حركة الطيران يمكن أن ترفع إيرادات الخزانة من الضرائب والرسوم والخدمات المرتبطة بالمطار".

أثر في السياحة والاستثمار

وقد تساعد سهولة الوصول إلى لبنان على تشجيع السياح ورجال الأعمال على زيارته. وأشار غبريل إلى أن "الرحلات المباشرة تزيل بعض العقبات العملية التي تواجه المستثمرين والمغتربين، وتسهل متابعة الأعمال والمشاريع داخل لبنان، والسياحة قد تستفيد أيضاً من انخفاض تعقيدات السفر، لا سيما بالنسبة إلى أبناء الجاليات اللبنانية وعائلاتهم في أميركا الشمالية"، وربط غبريل عودة الرحلات بـ"الإجراءات الأمنية التي أثبتت قدرة الدولة على حماية المطار والطائرات والمسافرين"، معتبراً أن "ثقة الخارج بضبط المرافق العامة تبقى شرطاً لاستقطاب شركات الطيران والسياح والمستثمرين"، ورأى أن "القرار ينسجم مع مسار الرئيس جوزاف عون لتحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، وقد يشكل مقدمة لخطوات أميركية إضافية"، مؤكداً أنه "لا يحل الأزمة الاقتصادية وحده، لكنه يسهم في استعادة الثقة وإعادة لبنان إلى خريطة الاهتمام الاستثماري".

المزيد من تقارير