Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خلاف الأنهار يهدد بحرب جديدة بين الهند وباكستان

انسحبت نيودلهي من اتفاق التقسيم فيما حذرت إسلام آباد من الخيار العسكري

 جانب من محادثات بين الهند وباكستان على تقسيم مياه الأنهار قبل تعطيل الاتفاق (عارف علي/ أ ف ب)

ملخص

ترى الهند في الانسحاب وسيلة لإجبار باكستان على إعادة التفاوض حول اتفاق الأنهار، وتناقش الأوساط الفكرية الهندية أن هذا الاتفاق كان غير عادل، لأنه منح باكستان 80 في المئة من المياه المتدفقة في نظام الأنهار، ليرد المسؤولون الباكستانيون بأن هذا الطرح يتجاهل أن الهند لديها تصرف كامل في مياه الأنهار الشرقية الثلاثة، وأنها مخولة قانونياً باستخدام 20 في المئة من مياه نظام نهر السند، للري وتوليد الطاقة والنقل.

نجحت باكستان والهند عام 1960 في إبرام "معاهدة تقسيم الأنهار"، بعد أعوام من الدبلوماسية المائية، وصمدت هذه المعاهدة ستة عقود مليئة بالعلاقات المضطربة بين البلدين، لكن الحكومة الهندية أعلنت في الـ 23 من أبريل (نيسان) 2025 تعليق المعاهدة من طرف واحد، رداً على الهجوم الإرهابي في باهالغام الواقعة في كشمير الهندية.

اتهمت نيودلهي إسلام آباد بأنها وراء هذا الهجوم، لتطلب باكستان في المقابل أدلة على تورطها، وعرضت إجراء تحقيقات نزيهة حول الهجوم، لكن الأمر تجاوز تبادل المعلومات إلى تبادل الاتهامات، فهدد وزير الموارد المائية الهندي سي آر باتيل في الـ 25 من أبريل 2026 بأنه "لن تصل قطرة ماء واحدة إلى باكستان"، ثم أعلن لاحقاً في يونيو (حزيران) 2026 أن الهند تعمل بصورة جدية على منع تدفق المياه عبر الحدود.

سابقاً، نبّه رئيس الوزراء الهندي ماريندرا مودي عام 2016 إلى أن "الدم والمياه لن يتدفقا معاً"، وفي المقابل حذرت باكستان، نظراً إلى هذه التهديدات، بأن أي تعطيل أو تغير لاتجاه مياه الأنهار الغربية الثلاثة المخصصة لها، سيعتبر إعلان حرب، لأنها ستلحق الضرر بحياة ودخل ملايين الباكستانيين.

نفذت الهند هذه التهديدات بإعلانها الانسحاب من "معاهدة تقسيم الأنهار"، وتقول إن سبب الانسحاب هو تورط باكستان في الإرهاب العابر للحدود، لكن هل هذا هو السبب الحقيقي والوحيد وراء هذه الخطوة؟ وهل الاتهامات بالوقوف خلف العمليات الإرهابية جادة، ولا سيما أن باكستان تقوم بادعاءات مماثلة ضد الهند، في ما يتعلق بالعنف في بلوشستان؟

يبدو أن الإخلال بـ "معاهدة تقسيم الأنهار" له أسباب أبعد من دعم العمليات الإرهابية، فالهند ترى في الانسحاب وسيلة لإجبار باكستان على إعادة التفاوض في شأن الاتفاق، وهذا الرأي يدعمه الطرح الهندي أخيراً حول "اتفاق تقسيم الأنهار"، إذ تناقش الأوساط الفكرية الهندية أن هذا الاتفاق كان غير عادل، لأنه منح باكستان 80 في المئة من المياه المتدفقة في نظام الأنهار، ليرد المسؤولون الباكستانيون بأن هذا الطرح يتجاهل أن لدى الهند حق تصرف كامل في مياه الأنهار الشرقية الثلاثة، وأنها مخولة قانونياً باستخدام 20 في المئة من مياه نظام نهر السند، للري وتوليد الطاقة والنقل.

وعلى رغم أن الجغرافيا تمنع الهند من تحويل مجرى نهر السند ونهر جيلوم إلى حد كيبر، لكنها وضعت عينيها على النهر الثالث المخصص لباكستان، نهر تشيناب، لمشاريع تخزين وتحويل المياه، وتعمل على مشاريع مائية عدة في الأنهار المخصصة لباكستان، وفق الاتفاق، وهي نهر السند ونهر جيلوم ونهر تشيناب، ففي ولاية هيماشال براديش تخطط الحكومة لإنشاء نفق ربط بين نهري تشيناب وبياس، لتحويل مياه نهر تشيناب إلى نهر بياس، وتجري حاليا عملية إزالة التربة من سد سالال، وتشهد مشاريع عدة للطاقة الكهرومائية مراحل مختلفة من التخطيط والإنشاء، تشمل ساوالكوت (1856 ميغاوات)، وباكال دال (1000 ميغاوات)، وراتلي (850 ميغاوات)، وكيرو (624 ميغاوات)، وكوار (540 ميغاوات).

وإضافة إلى ذلك، تخطط الهند لإنشاء سدّ وولار، ومشروع كيشانجانجا على نهر جيلوم، بينما يجري النظر في كثير من مشاريع جريان النهر على نهر السند في منطقة لاداخ، وتزعم بعض الأطراف الهندية، في محاولة لتهدئة المخاوف، أن جميع هذه المشاريع على الأنهار الغربية لن تستهلك أكثر من 3.6 مليون فدان قدم من المياه، المسموح بها بموجب الاتفاق، لكن لا يمكن التحقق من كمية المياه التي يجري تحويلها، في ظل انسحاب الهند من الاتفاق وإلغائها لجنة مياه نهر السند الدائمة، إذ لا ترغب في الإفصاح عن المعلومات للجان المتعلقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا يتعلق الأمر بكمية المياه المتدفقة نحو باكستان فقط، بل أيضاً بتوقيت وإمكان التنبؤ بتدفق هذه المياه، إذ يعتمد نظام القنوات والري في باكستان على تدفق المياه في أوقات محددة، وعندما يحدث خلل أو انخفاض طفيف في التدفق، خلال موسم زراعة المحاصيل، يكون له تأثير مدمر في الإنتاج الزراعي الكامل لذلك العام، وربما لهذا السبب تشعر باكستان بقلق بالغ إزاء الجهود الهندية لتخزين المياه، من خلال بناء عدد كبير من السدود على نهر تشيناب، وإخفاء المعلومات المتعلقة بأوقات تدفق المياه.

السبب الثالث وراء الانسحاب من الاتفاق، بحسب الهند، أن باكستان رفضت طلبات الهند عامي 2023 و2024 لإعادة التفاوض على الاتفاق، بسبب التغيرات الديموغرافية والبيئية، إذ ترى باكستان أن هذه المقترحات يجب أن تعرض أولاً على مستوى اللجنة الدائمة لمياه نهر السند، والتي يمكنها رفع توصياتها إلى الحكومتين، وفي ظل هذه الظروف والآراء المتباينة من الطرفين، ما الذي ستفعله باكستان في المستقبل لضمان الأمن المائي لها؟

يرى الخبراء في باكستان أن إسلام آباد ينبغي أن تواصل مساعيها الدبلوماسية، لإبلاغ العالم بأن تصرفات الهند لا تمثل انتهاكاً لالتزاماتها القانونية وحسب، بل تشكل أيضا تهديداً لمعيشة ملايين الباكستانيين، وهذه الحجة ستجد صدى لدى الدول التي تقع على الضفاف المنخفضة للأنهار، وتعتمد في الحصول على حصتها من المياه على الاتفاقات، لكن القانون الدولي يفقد صدقيته بسرعة، لذا لا يبدو أن الهند ستكترث بالمساعي الدبلوماسية.

ومن الناحية القانونية، قضت المحكمة في الـ 27 من يونيو 2025 بعدم وجود أساس قانوني لمحاولة الهند تعليق "معاهدة مياه نهر السند"، بعد أن رفعت باكستان دعوى أمام محكمة التحكيم في لاهاي، وبعد عام أصدرت المحكمة قراراً تكميلياً، يلزم الهند بضمان التدفق الحر للأنهار الغربية، بحسب الكميات المنصوص عليها في المعاهدة، وعلى رغم ترحيب إسلام آباد بهذه القرارات القانونية التي تحمي حقوق المياه، لكن الهند رفضتها بحجة أن المحكمة شُكلت بصورة غير قانونية، ويمكن للفريقين أيضاً اللجوء إلى "محكمة العدل الدولية"، التي سبق لها أن حسمت كثيراً من النزاعات النهرية العابرة للحدود، لكن من غير المرجح أن تقبل الهند باختصاص حتى هذه المحكمة.

والذي ينبئ بالخطر حيال هذا الموضوع، هو إمكان انزلاق الأمور نحو التصعيد العسكري، بسبب الخلاف على تقسيم الأنهار وحق المياه، بخاصة وأن إسلام آباد تتحدث بالفعل عن استخدام الخيار العسكري، وأعلنت أن أية عرقلة، أو تحويل للمياه المخصصة لها، سيعتبر بمثابة إعلان حرب.

ولا يستبعد وقوع مواجهة عسكرية أخرى بين البلدين، مع استمرار الهند في مشاريعها المتعلقة بالسدود والأنفاق، وهناك حديث حول إمكان قيام باكستان باستهداف السدود التي يجري بناؤها، في انتهاك للاتفاق، فالهند تستند إلى القول بأن السدود تتمتع بحماية قانونية في حالات النزاعات المسلحة، بموجب المادة (56) من البروتوكول الإضافي لـ "اتفاقات جنيف" عام 1949، فيما ترى باكستان أن الهند في هذه الحال تبني السدود لحرمان باكستان من المياه لأعوام مقبلة، ولذا ستصبح هذه الأنفاق والسدود الجافة هدفاً عسكرياً مشروعاً.

لكن اللجوء إلى الخيار العسكري باستهداف السدود قد يشعل سلسلة من استهداف متبادل، على المشاريع البنيوية والسدود، وهو وضع بالغ الخطورة، لأن الحروب نادراً ما تحل المشكلات، ويرى بعض الخبراء في باكستان رأياً مختلفاً تماماً، مفاده أن "اتفاق تقسيم الأنهار" غير عادل لباكستان وليس للهند، وبالتالي ينبغي أن تكون باكستان على استعداد للانسحاب من الاتفاق أو إعادة التفاوض في شأنه، ويرون كذلك أن الاتفاق لا يمنح باكستان أي مياه من الأنهار الشرقية، بل إن مجراها يجلب التلوث من الهند إلى باكستان التي تضطر لعالجتها والتخلص منها.

ويضيف الخبراء أن الهند لن تتمكن من سحب كميات كبيرة من المياه، بسبب طبيعة التضاريس الجبلية، لكن هذه الحجج مبنية على افتراضات غير مثبتة، ولا تأخذ في الحسبان الجغرافيا السياسية للمنطقة، ولذلك فإن قرار الهند بتعليق الاتفاق، ينبع من عقلية استغلالية، لإجبار باكستان على تقاسم مياهها.

يظهر هذا التقرير بوضوح أن الوضع الراهن قد تكون له عواقب وخيمة، على كل من الهند وباكستان، وعلى رغم أن الجغرافيا الجبلية لمجرى الأنهار لا تسمح للهند بحجب المياه عن باكستان بصورة كاملة، لكنها قد تتلاعب بتدفق المياه للإضرار بموسم زراعة المحاصيل الباكستانية، وهذا تحديداً ما كان الاتفاق يمنعه، وفي هذه الحال، ومع تعطل اللجان الخاصة، ينبغي للبلدين إنشاء قناة اتصال سرية، دبلوماسية غير رسمية، لحل هذا المأزق، ولا ينبغي للهند أن تلغي الاتفاق بصورة كاملة، كما ينبغي لباكستان أن تكون مستعدة لمناقشة مخاوف الهند، وإضافة ملحق للاتفاق حول التغيرات الديموغرافية والبيئية منذ عام 1960، ويجب أيضاً على باكستان العمل على استخدام المياه التي تتلقاها بصورة أكثر كفاءة، وتعزيز قدرتها على تخزين المياه.

 نقلاً عن "اندبندنت أوردو".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير