Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يمكن لباكستان والهند تعلم الحوار قبل الحرب؟

الأنهار لا تحتاج إلى تأشيرات والحدود لا تختفي من الخرائط والأسلحة النووية لا تبالي بالشعارات

ثمة مساحة بين السلام والحرب، حين تتحدث الدول على رغم الخلافات (أ ف ب)

ملخص

التمثيل الدبلوماسي في أقل حالاته والتجارة شبه معدومة والروابط الثقافية والرياضية أيضاً متدهورة، وأصبح الحصول على تأشيرة الدولتين شبه مستحيل، وتقلصت مساحة النقاش الجاد بين البلدين في وسائل الإعلام. عندما تكون الاتصالات الرسمية محدودة والتبادل على المستوى الشعبي معدوماً بينما تعزز وسائل الإعلام خطاب العداء، فإن احتمالات سوء الفهم تتزايد خصوصاً في أوقات الأزمات.

ناشد أكثر من 100 شخصية بارزة بينهم دبلوماسيون ومسؤولون سابقون من الهند وباكستان رؤساء حكوماتهم بفتح القنوات الدبلوماسية وحل المشكلات الثنائية بالحوار، فيما تجتمع شخصيات غير رسمية من كلتا الدولتين في اجتماعات متتالية لبحث سبل إعادة العلاقات، بينما تنفي حكومتا الدولتين أي نية أو دور لهما في هذه النقاشات.

يشير التاريخ إلى أن الحرب والمفاوضات ليستا نقيضتين في سياق العلاقات الباكستانية - الهندية فقد خاض البلدان الحرب وتحدثا معاً في آن أكثر من مرة. المدافع تطلق النيران على الحدود لكنها لا تغلق القنوات الدبلوماسية، تتبادل الحكومتان الاتهامات، بينما تستمران في التواصل عبر قناة خلفية أو اتصال سري أو من خلال سلسلة مراسلات في دولة ثالثة، يعني بطريقة أو بأخرى لم تقطع إسلام آباد ونيودلهي تواصلهما بصورة كاملة لأنهما أدركتا أنه مهما بلغ العداء بينهما إلا أنهما لا تستطيعان تحمل كلفة القطيعة الكاملة، لا سيما بعدما أصبحتا دولتين نوويتين.

هكذا كان الوضع منذ عقود، لكن الوضع مختلف اليوم، إذ لم تتوقف المحادثات فحسب بين باكستان والهند خلال العقد الماضي، بل تقلصت المساحة السياسية للحوار أيضاً. ولم يعد الخلاف اليوم مقتصراً على كشمير أو الإرهاب أو النزاعات الحدودية، بل أدى التحول في السياسة والهوية الوطنية ومفهوم الدولة داخل الهند إلى إعادة تشكيل النظرة الهندية للعلاقات مع باكستان.

السؤال اليوم لا يتعلق بموعد بدء المحادثات، بل عن وجود مجال سياسي أساساً لإجراء مفاوضات جادة.

لم تكن الخلافات في السابق أقل مما هي اليوم، ولم تكن المواضيع المسببة للخلاف بأقل حساسية من القضايا الراهنة، إذ اندلعت الحروب بين الجانبين ونشأت أزمة سياشن الحدودية وظهرت حركة مسلحة في كشمير الهندية ثم حدث صراع كارغل والهجمات الإرهابية في مومباي التي سببت أزمة كبيرة بين الجانبين، إلا أنه وعلى رغم كل هذه الأحداث والخلافات جلس ذو الفقار علي بوتو وأنديرا غاندي معاً في مدينة شملة، وذهب الرئيس الباكستاني الرحال ضياء الحق لمشاهدة مباراة كريكيت في الهند وصافح نواز شريف وأتال بيهاري واجبائي في لاهور، حتى إن المحادثات غير الرسمية التي جرت في عهد الجنرال برويز مشرف ومانموهان سينغ وصلت إلى مرحلة شهدت نقاشات جادة حول فكرة إلغاء الحدود من دون تغييرها كحل لقضية كشمير.

ولعل الجديد أنه في السابق كان هناك إجماع سياسي مبدئي على ضرورة إجراء محادثات بين الجانبين نهاية المطاف مهما بلغ العداء، لكن يبدو أن هذا الإجماع تلاشى مع الوقت ولم يعد موجوداً اليوم.

إذاً ما الذي تغير بين الهند وباكستان خلال الأعوام الأخيرة وأدى إلى تغيير رؤيتهما للعلاقات الثنائية؟

السياسة المؤدلجة على حساب الواقعية

لا يمكن فهم هذا التغيير بمعزل عن سياسة اليمين الهندوسية التي يتبناها رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، إذ برز اليمين الهندوسي "هندوتفا" ليس كشعار انتخابي يستغل موقتاً ثم يتخلى عنه، بل كهوية قومية جديدة للهند. هذه الأيديولوجية اليمينية تصور الهند كدولة هندوسية الحضارة، وينظر للتاريخ الهندي على أنه صراع بين صعود الهندوسية والحكومات المسلمة والتبعية للاحتلال، ومن الطبيعي أن الدولة حينما تنظر إلى سياستها الحالية على أنها امتداد لتلك الصراعات فإن سياستها الخارجية أيضاً تتأثر بهذه الرؤية.

وفي سياق باكستان، فإن هذه الأيديولوجية تنظر إليها لا كدولة مجاورة بل كتجسيد للهوية الإسلامية ونظرية الدولتين (التي قدمها مؤسس باكستان محمد علي جناح، وتنص على أن المسلمين والهندوس شعبان مختلفان حتى لو تقاسما الجغرافيا والتاريخ، لذا لا بد من دولة منفصلة للمسلمين عن دولة الهندوس)، لذا فبحسب الأيديولوجية اليمينية فإن الخلافات مع باكستان ليست على مجرد قضية حدودية أو قضية كشمير، بل هي جزء من نقاش أوسع حول التاريخ والهوية الهندية.

ولهذا نرى اليوم أن الموقف المتشدد تجاه باكستان يحقق لأصحابه مكاسب سياسية في الهند، بينما في المقابل يقترن الحديث عن الحوار أو المصالحة مع باكستان بالضعف والهوان.

وهنا يبرز الفرق بين رئيس الوزراء الهندي السابق أتال بيهاري فاجبايي وناريندرا مودي، إذ كان فاجبايي أيضاً زعيماً لحزب بهاراتيا جاناتا ومرتبطاً بتقاليد القومية الهندوسية، لكن سياسته لم تخل من الواقعية، لم يكن قدومه إلى لاهور بالحافلة وزيارته معلم مينار باكستان (حيث أعلن عن ضرورة قيام باكستان) مجرد لفتة دبلوماسية، بل كان وقوف رئيس وزراء هندي قومي هندوسي في ذلك الموقع بمثابة اعتراف بالواقع السياسي المتمثل في تقسيم الهند ووجود باكستان، وبأن التاريخ لا يمكن تغييره، ربما كان فاجبايي يؤمن بإمكان الطعن في التاريخ، لكن كان يدرك أنه لا يمكن تجاهل الجغرافيا.

لقد استبدلت سياسات مودي إلى حد كبير بهذه الواقعية سياسات أيديولوجية، ويعد إلغاء الوضع الدستوري الخاص لكشمير والنزاع حول قوانين الجنسية والخطاب السياسي الموجه ضد المسلمين وتزايد استخدام الدولة الرموز الدينية ومحاولات سرد التاريخ من منظور أيديولوجي مظاهر لهذا التحول على رأس هرم السلطة. في هذا السياق لم تعد المفاوضات مع باكستان مجرد قرار سياسي خارجي، بل باتت تتعارض مع السردية الداخلية التي بنت عليها الحكومة الهندية الحالية جزءاً من شعبيتها، وربما هذا هو أكبر عائق حقيقي أمام المفاوضات.

وبسبب التأجيج الأيديولوجي، فإن الصحافي أو السياسي الذي يدعم الحوار مع باكستان يكون في مرمى سهام تساؤلات عن وفائه للهند، وما إذا كان يقف مع باكستان أو مع المصلحة القومية للهند، لذا فإن الكلفة السياسية لدعم الحوار مع باكستان تتزايد مع الوقت فيما أصبح الصمت الخيار الأكثر أماناً.

انعدام الثقة والحاجة

المشكلة لا تقتصر على السياسة الأيديولوجية فحسب، فقد بات انعدام الثقة بين البلدين شبه مؤسسي، إذ تؤكد إسلام آباد من جهة أن قضية كشمير هي جوهر النزاع ولا يمكن تحقيق سلام دائم من دون حل نزاع كشمير، بينما تعتبر الهند في المقابل الإرهاب القضية الأساسية وتطالب باكستان باتخاذ خطوات تراها ضرورية قبل بدء المفاوضات، وقد وضع كلا البلدين شروطاً مسبقة للمفاوضات قد لا يمكن الوفاء بها من دون إجراء مفاوضات مباشرة.

إلى جانب ذلك، ترسخ فكر جديد لدى بعض المسؤولين بدوائر السياسة في نيودلهي، وهو أن الهند لم تعد في حاجة إلى حوار دائم مع باكستان، فالاقتصاد الهندي أكبر بكثير ونفوذه العالمي ازداد، والولايات المتحدة تعتبر الهند شريكاً استراتيجياً مهماً في مواجهة الصين. في المقابل تعاني باكستان عدم استقرار اقتصادي وسياسي، لذا ما الحاجة إلى عقد حوار مع دولة متهالكة، الوقت في صالحنا والمشكلة الباكستانية لا تحتاج إلى حل، بل يمكن احتواؤها والسيطرة عليها بسهولة من دون الحاجة إلى عقد المفاوضات.

يبدو هذا التفكير في الظاهر منطقياً، لكنه ينطوي على خلل جوهري، وهو أن الموقع الجغرافي لا يتغير بتغير المؤشرات الاقتصادية، فباكستان جارة الهند وستبقى كذلك، وكلتاهما قوة نووية، وهناك نزاع حول كشمير وكلتاهما تسعى إلى اكتساب قدرات متقدمة في مجال الصواريخ والطائرات المسيرة، فهل من المعقول أن تتجاهل الهند جارتها التي تتشارك معها آلاف الكيلومترات من الحدود؟

هناك جانب آخر لهذا النقاش، وهو أن اختلال موازين القوى، بحيث تكون إحدى الدولتين المتخاصمتين أقوى بكثير من الأخرى، قد يزيد خطر المواجهة بدلاً من تقليلها، فقد تعتقد الدولة القوية أنها قادرة على السيطرة على الأزمة باتخاذ إجراءات عسكرية محدودة، فيما تستجيب الدولة الضعيفة بسرعة أكبر لإثبات قدرتها على الردع. وفي مثل هذه الحالات، يكمن الخطر الحقيقي في سوء التقدير أكثر من الحرب المتعمدة، إذ يعتقد أحد الطرفين أن الآخر لن يرد، فيرد الآخر، ثم يبدأ كلاهما في تصعيد الأمور، حين تكون كل خطوة أشد خطورة من سابقتها.

التصعيد الأخير بين الهند وباكستان يعكس هذا الخطر بصورة واضحة، إذ إن الوقت المتاح لاتخاذ القرارات في الحروب الحديثة قصير، والعقائد العسكرية القائمة على الطائرات المسيرة والصواريخ والرد الفوري لا تمنح القيادة السياسية المساحة الكافية للتفكير كما كانت الحال في الماضي.

ولذلك من الخطأ الخلط بين المفاوضات والرغبة في الصداقة، فالمفاوضات لا تعني الحميمية دائماً، بل قد تكون أيضاً وسيلة لاحتواء الأزمات. في ذروة الحرب الباردة اعتبر كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي الآخر عدواً لدوداً، لكنهما أبقتا قنوات الاتصال مفتوحة لأنهما كانتا تدركان أن الحرب قد تندلع ليس فقط عن قصد، بل أيضاً نتيجة سوء فهم.

وهذا هو الخطر المتنامي بين باكستان والهند اليوم. التمثيل الدبلوماسي في أقل حالاته والتجارة شبه معدومة والروابط الثقافية والرياضية أيضاً متدهورة، وأصبح الحصول على تأشيرة الدولتين شبه مستحيل، وتقلصت مساحة النقاش الجاد بين البلدين في وسائل الإعلام. عندما تكون الاتصالات الرسمية محدودة والتبادل على المستوى الشعبي معدوماً بينما تعزز وسائل الإعلام خطاب العداء، فإن احتمالات سوء الفهم تتزايد خصوصاً في أوقات الأزمات.

التحديات والإمكانات

تتصدر قضية تقسيم مياه الأنهار المواضيع الشائكة بين الدولتين، فالهند تراجعت عن معاهدة تقسيم الأنهار، بينما ترى باكستان أن هذه المسألة تتعلق بأمنها القومي، لأنه قد يؤدي إلى جفاف الأراضي وحرمان السكان من شريان الحياة.

وترتبط حياة ملايين البشر بنظام الأنهار، وإذا ما تم استخدام هذا العامل كأداة ضغط سياسي أو عسكري فسيدخل الصراع بين الدولتين في مستوى جديد، لا سيما مع تأثير تغير المناخ في الأنهار الجليدية وهطول الأمطار وتوافر المياه.

في ظل هذه الخلافات، هل المحادثات بين الهند وباكستان ممكنة؟ ربما، لكن التوقعات الفورية بعملية سلام شاملة غير واقعية. في ظل الوضع السياسي الراهن في الهند وصعود الأيديولوجية اليمينية وانعدام الثقة الحاد، كل ذلك يصعب العودة فوراً إلى مسار المفاوضات.

ولعل خطأنا يكمن في ربط المحادثات دائماً بحل نهائي لقضية كشمير أو باتفاق سلام تاريخي. لا ينبغي أن يكون الهدف الأساس للمحادثات في هذا الوقت إرساء السلام، بل منع نشوب حرب أخرى. يمكن إجراء اتصالات منتظمة غير معلنة بين مستشاري الأمن القومي للبلدين وتفعيل الاتصالات على المستوى العسكري وعودة المفوضين الساميين وإطلاق حوار فني منفصل حول المياه وتيسير إجراءات منح التأشيرات للحجاج الدينيين والعائلات المشتتة والمسافرين لأسباب طبية. هذه الخطوات لن تحل قضية كشمير ولن تجعل البلدين صديقين، لكنها قد تمنح القيادة السياسية بضع ساعات إضافية وقناة تواصل مفتوحة في الأزمة المقبلة، تكون هذه الساعات القليلة أحياناً هي الأثمن بين جارين نوويين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا ينبغي تفسير الرغبة في الحوار مع الهند على أنها ضعف، لكن على باكستان ألا تتجاهل نقاط ضعفها الداخلية، فالأزمات السياسية المستمرة والتبعية الاقتصادية تحد من خيارات السياسة الخارجية لأي دولة.

من جانب آخر، تقع مسؤولية كبيرة على عاتق الهند أيضاً، فالقوة لا تتمثل بامتلاك اقتصاد ضخم وجيش كبير ومقعد بارز في المؤتمرات العالمية، بل تتطلب أيضاً القدرة على إدارة الأزمات وتحقيق السلام مع الدول المجاورة. إذا كانت الهند تطمح حقاً إلى القيادة العالمية، فعليها أن تفكر في كيفية ادعائها بأنها قوة استقرار في العالم من خلال إبقاء جنوب آسيا في حال أزمة مستمرة، قد يكون تجاهل باكستان سياسة موقتة، لكن تجاهل المشكلات ليست استراتيجية.

لقد حققت سياسات مودي للهندوسية المتطرفة نجاحاً انتخابياً في الهند، لكنها زادت أيضاً من الكلفة السياسية للحوار مع باكستان. تكمن إحدى مشكلات السياسة الأيديولوجية في أنها تقيد خيارات الآخرين وخيارات الدولة أيضاً. فإذا ما تم تلقين الرأي العام أعواماً أن دولة أخرى عدو دائم وتهديد حضاري وعائق أمام الهوية الوطنية، فسيصبح من الصعب في يوم من الأيام حتى بدء المفاوضات معها، وتصبح الدولة أسيرة للرواية التي نسجتها بنفسها.

قد تقف باكستان والهند اليوم في المكان نفسه، ليستا صديقتين، وقد لا تصبحان كذلك في المستقبل القريب، لكن الجغرافيا لا تفرض الصداقة، فالأنهار لا تحتاج إلى تأشيرات والحدود لا تختفي من الخرائط والأسلحة النووية لا تبالي بالشعارات المستخدمة في المناظرات التلفزيونية.

ربما لا يزال السلام بين باكستان والهند بعيد المنال، لكن ثمة مساحة بين السلام والحرب، حين تتحدث الدول على رغم الخلافات وتتواصل على رغم العداء وتظهر في الأقل قدراً كافياً من الحكمة لكي لا يتحكم خطأ واحد بمصير ملايين البشر.

قد لا تعرف باكستان والهند بعد كيف تصنعان السلام، والسؤال المليوني هو: هل يمكنهما تعلم الحوار قبل الحرب؟

نقلاً عن "اندبندنت أوردو"

المزيد من تقارير