Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإسكندرية الإسلامية... وجه آخر للمدينة الهجينة

تضم كثيراً من المواقع التراثية الإسلامية وأقام فيها عديد من الصالحين والمتصوفة وعلى مر العصور كانت الميناء الأهم في البلاد

مسجد أبو العباس المرسي أحد أشهر المعالم الإسلامية لمدينة الإسكندرية (رويترز)

ملخص

بقيت الإسكندرية عاصمة لمصر على مدار 1000 عام منذ أنشأها الإسكندر الأكبر حتى دخلها عمرو بن العاص ونقل العاصمة للفسطاط لكن الإسكندرية دائماً ترتبط بالحضارة اليونانية الرومانية على الرغم من أنها تضم كثيراً من الشواهد الإسلامية وأقام فيها كثير من الأولياء والصالحين

حينما يذكر اسم مدينة الإسكندرية المصرية دائماً ما يلحق معها العصر اليوناني الروماني بتاريخه وحضارته وشواهده الباقية على الرغم من أن التاريخ لم يتوقف بعد أفول هذا العصر ودخول المسلمين مصر، إذ ظلّت المدينة حاضرة، وبقيت الميناء الأهم في البلاد حتى يومنا هذا. مع بداية دخول المسلمين كانت الإسكندرية واحدة من أهم المدن والموانئ ليس في مصر وحدها، إنما في العالم كله بعدما كانت مركزاً تجارياً وثقافياً مهماً، ولهذا السبب بقيت عاصمة لمصر 1000 عام، وهي فترة تدلل على قيمة المدينة.

تضم الإسكندرية عديداً من المواقع الإسلامية المختلفة، بعضها مسجل كأثر، والبعض يحظى بقيمة تاريخية ومعمارية، ومن أهم المواقع التي تعود إلى العصر الإسلامي قلعة قايتباي، ومساجد المرسي أبو العباس، والنبي دانيال، والقباري، والإمام البوصيري صاحب البردة النبوية، وعبدالرحمن بن هرمز الذي كان أستاذاً للإمام مالك، والمتوفى بالإسكندرية 117 هجرياً، وضريح مكين الدين، ومن العصر الحديث مسجد القائد إبراهيم الذي بناه الملك فاروق عام 1948 بمناسبة مرور 100 سنة على وفاة إبراهيم باشا.

في العصر العثماني أقيمت بعض المنشآت في الإسكندرية، من بينها مساجد لا يزال بعض منها قائم حتى الآن، منها مسجد تربانة المعلق الذي بُني عام 1684 بمنطقة المنشية، إذ يتكون من طابقين الأول به مجموعة من المتاجر كانت بهدف الإنفاق على المسجد، والصلاة كانت تقام في الدور الأول، والمسجد به أعمدة رومانية تعود إلى عصور سابقة، إذ إن هذا شائع في مصر مع توالي العصور والحقب، ومسجد أبو علي الذي أنشئ على يد عبداللطيف بن راشد التكريتي 1279م، وأعيد بناؤه بالكامل في العصر العثماني، وكان يضم مدرسة لتلاوة القرآن والحديث ودراسة الفقه والمذهب الشافعي، وكان يعرف بدار الحديث التكريتية، ومسجد الشوربجي وهو من طراز المساجد المعلقة، ويضم مسجداً ووكالة على الطراز العثماني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولاحقاً في عهد أسرة محمد علي أنشئت كثير من المساجد، أشهرها مسجد إنجي هانم بمنطقة محرم بك، وهي زوجة محمد سعيد باشا الذي تولى حكم البلاد عام 1854، ومسجد علي بك جنينة 1853 الذي كان يشغل منصب رئيس مجلس تجار الإسكندرية في هذا الوقت.

واستمدّت الإسكندرية بعض أسماء أحيائها الشهيرة من الأولياء والصالحين الذين أقاموا فيها، من بينهم سيدي بشر نسبة إلى الشيخ بشر الجوهري المتصوف الزاهد المتوفى في الإسكندرية 528 هجرياً، وله مسجد في المنطقة التي تعرف باسمه، وحي سيدي جابر نسبة إلى الشيخ جابر الأنصاري المولود بالأندلس، والمتوفى بالإسكندرية عام 697 هجرياً، وله جامع شهير ومقام، ومنطقة القباري المسمّاة باسم الشيخ القباري، المتوفى بها سنة 662 هجرياً، وفيها مسجده الشهير، ومنطقة الشاطبي نسبة إلى الإمام الصوفي أبو عبدالله الشاطبي، المتوفى بالإسكندرية 672 هجرياً، وبها مسجده وضريحه.

طبقات من التاريخ

من الإسكندر الأكبر إلى عمرو بن عاص ومن كليوباترا إلى العصر الإسلامي تعاقبت على درة المتوسط طبقات من التاريخ أصبحت جزءاً من ملامح لحضارات مختلفة مرّت على البلاد، وظلت بعض شواهدها قائمة كملامح من طرز وثقافة هذا العصر.

يقول أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر ونقيب المرشدين السياحيين السابق بالإسكندرية إسلام عاصم "كانت الإسكندرية عاصمة لمصر على مدى 1000 سنة منذ تأسيسها في القرن الرابع قبل الميلاد وحتى دخول المسلمين في القرن السابع الميلادي، وطوال هذه الفترة  كانت الإسكندرية حاضرة مصر، عندما دخل عمرو بن العاص البلاد أخبره الخليفة عمر بن الخطاب ألا يجعل بينه وبين المسلمين نهراً ولا بحراً، وبناء عليه أنشأ مدينة الفسطاط شرق النيل، وأصبحت هي العاصمة الجديدة للبلاد، وتحولت الإسكندرية إلى رباط للمسلمين أي رابط فيها المرابطون، للحفاظ على الثغر من هجمات البيزنطيين. الإسكندرية في العصر الإسلامي تحوّلت من مدينة كانت هي المركز والعاصمة إلى مدينة تتلقى الضربات من البيزنطيين، باعتبارها الميناء الأول للبلاد. والمؤرخون أشاروا إلى أنها في هذه الفترة بدأت في الانحدار وخبت أهميتها نسبياً، باعتبار أنه دائماً تكون المدينة الأهم هي العاصمة".

 

يضيف عاصم، "عندما دخل المسلمون الإسكندرية انبهروا بما فيها، من قصور ومعالم ومعابد وفنار، وكان عمرو بن العاص يعرف قيمة الإسكندرية وقدرها لأنه زارها قبل ذلك إذ كان تاجراً، وهناك حادثة يذكرها المؤرخون أن البيزنطيين كان لديهم حدث تقذف فيه كرة من المعبد في احتفال ما، ويعتقدون أن من يحصل عليها سيحكم مصر، وتلقف عمرو بن العاص الكرة فتعجّب الناس أن التاجر العربي سيحكم البلاد، وأخذوا الأمر بالسخرية والاستهزاء، ومع مرور الزمن يأتي عمرو بن العاص والياً على مصر، وتصبح حكاية يتداولها الناس".

منشآت إسلامية في المدينة

مع بداية الحكم الإسلامي في مصر توالت الإنشاءات التي تعبر عن الثقافة الجديدة في البلاد، من بينها الإسكندرية التي عُني بها الحكام المتعاقبون، ليس باعتبارها العاصمة، لكن كونها نقطة مهمة يمكن أن يهاجمها الأعداء من البحر، ولهذا يجب أن يجري تحصينها بصورة جيدة.

يشير عاصم إلى أنه مع "وجود المسلمين بدأ إنشاء المساجد، ومن أقدمها المسجد العمري بالقرب من باب سدر ومقابر العمود، ولم يتبق شيء من هذا الأثر، ويقال إنه أول مسجد أنشئ في الإسكندرية، وتوالت من بعده المساجد، وقد جاء مع عمرو بن العاص عديد من الصحابة، وبدأ المد الإسلامي وتعليم الإسلام، وبدأ ظهور اللغة العربية، وتحوّلت الإسكندرية مع الوقت إلى مدينة تجارية وعسكرية تحفها الأسوار والحصون التي بنيت تباعاً، وبخاصة في عصر أحمد بن طولون للحفاظ عليها من الهجمات والغارات الخارجية، وكان لها دور في الحفاظ على مصر من هجمات الشمال والغرب، وامتدت المدينة عبر العصور، ففي العصر الفاطمي ومع المد الشيعي الذي صاحبه في البلاد ظلت الإسكندرية على المذهب السني، وانتشرت المدارس السُّنية على عكس ما كان سائداً في البلاد، وكان هذا جديراً بالملاحظة والاهتمام".

 

يتابع، "أصبحت الإسكندرية أهم قاعدة بحرية عربية في البحر المتوسط، وكانت مركزاً للأسطول العباسي وطوال العصر الفاطمي كان لها مكانتها وبها جامع العطارين الذي يعود إلى العصر الفاطمي، وجُدد في عصر عباس حلمي الثاني، وهو باقٍ حتى يومنا هذا، يوجد أيضاً جامع الطرطوشي وضريحه، واهتم صلاح الدين الأيوبي بالإسكندرية، لأنها كانت في مرمى الحملات الصليبية في تلك الفترة وحصنها وأعاد بناء أسوار أحمد بن طولون، واعتنى بها الظاهر بيبرس وزارها، وكان له دور كبير في تطوير الأسطول، وفي عهد الناصر محمد بن قلاوون رمم فنار الإسكندرية، وبنى فيه مسجداً، حيث سقط معظمه في الزلازل حتى انهار الفنار بالكامل 1303، ولم يتبق منه شيء حتى جاء قايتباي، واستخدم حجارته في بناء قلعته التي تعد من أهم الآثار الإسلامية في المدينة حالياً".

المرسي وسيدي ياقوت

من أهم المواقع الإسلامية في الإسكندرية حالياً هو مسجد المرسي أبو العباس، الذي تعود أصوله إلى مدينة مرسية بالأندلس، وهو من أهم أقطاب الصوفية، ويعد مسجده درة جوامع الإسكندرية، وواحد من أهم مزاراتها، وبالقرب منه مسجد ياقوت العرش تلميذه وصهره، الذي يطلق عليه السكندريون سيدي ياقوت، ويحرصون على زيارة المسجدين باعتبار أصحابهما من الأولياء والصالحين.

ولموقع الإسكندرية وأهميتها مر عليها  كثير من الرحالة مع تعاقب العصور، وفي العصر الإسلامي زارها الرحالة الأشهر بن بطوطة، وذكرها في كتابه "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، وهو الكتاب الذي يعد من أشهر كتب الرحلات على الإطلاق، إذ قال عن المدينة "الإسكندرية هي الثغر المحروس والقطر المأنوس، العجيبة الشأن الأصيلة البنيان بها ما شئت من تحسين وتحصين، ومآثر دنيا ودين، وجمعت بين الضخامة والإحكام مبانيها، وهي الزاهية بجمالها والجامعة لكل المحاسن لتوسطها بين المشرق والمغرب".

وعلى مر العصور كانت الإسكندرية ملتقى للثقافات ومحطة مهمة على البحر المتوسط، فهي المدينة الكوزموبوليتانية على مر الزمن، وفي العصر الإسلامي كانت المدينة محطة أساسية للحجاج القادمين من الشمال والغرب يمرون عليها  للراحة وزيارة علمائها والاستزادة من علمهم، ثم يستكملون مسيرتهم للقاهرة ومن بعدها السويس وصولاً إلى الحجاز، ونفس الشيء في العودة ومنهم من استقر فيها.

 

يوضح عاصم "أبو العباس المرسي هو قطب الإسكندرية الأول وصاحب الجامع الأشهر في المدينة، وكانت أصوله من الأندلس، منها انتقل إلى تونس ثم قدم إلى الإسكندرية بصحبة أستاذه الإمام الشاذلي، واستقروا في الإسكندرية في كوم الدكة، وأعطوا دروسهم في منطقة العطارين حتى توفي الشاذلي في حميثرة على البحر الأحمر في طريقه للحج، وهنا أخذ أبو العباس مكان أستاذه، وأصبح قطب الإسكندرية الأول، وتوفي فيها وعلى مقبرته بنى الحجاج المغاربة مسجداً كبر مع الوقت، حتى جاء عصر الملك فؤاد الذي أعاد بناء المسجد، وافتتح لاحقاً في عهد الملك فاروق وحوله مساجد لتلاميذه ياقوت العرش والبوصيري، إضافة إلى كثير من الأئمة والمحدثين والتابعين فجامع أبو العباس به ما لا يقل عن 11 شخصاً مدفوناً إلى جانب صاحب المسجد".

ويتابع، "من أهم الآثار الإسلامية المرتبطة بالعصر الإسلامي الصهاريج حيث كانت المدينة مربوطة بالنيل عن طريق ترعة توصل لها الماء العذب، وكانت هذه الصهاريج تخزن مياه النيل فترة الفيضان، المدينة بها شبكة كبيرة من الصهاريج تعود إلى العصر الروماني، وزادت في العصر الإسلامي، والآن يوجد خمسة صهاريج معروفة، أشهرها صهريج ابن النبيه المكون من ثلاثة أدوار على طرف المدينة بجوار مقابر اليهود، وهناك مشروع لترميمه، وصهريج ابن خلدون".موضحاً "ربما يعتقد الناس عدم وجود آثار إسلامية تعود إلى العصر الإسلامي الأول للمدينة، وذلك لأن كثيراً منها اندمجت مع آثار عصر محمد علي والدولة العثمانية والعصر الحديث، إذ حدثت عمليات تطوير متعاقبة للإنشاءات، لكن كثيراً منها يعود أصلها للعصر الإسلامي، لكنها جددت الشواهد القديمة موجودة على قلتها".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات