ملخص
أجنة تتنفس الفوسفور وأدوية غائبة، ودفاتر نفوس تشطب منها عائلات بالكامل، كيف تتأثر أرحام النساء بسبب الحرب على غزة؟
تجلس ريم على طرف فراشها الإسفنجي المهترئ في إحدى مدارس النزوح بغزة، تضع يدها اليسرى أسفل بطنها الحامل، وتمرر لسانها ببطء فوق شفتيها الجافتين تحاول جاهدة التخلص من طعم غريب يرفض مغادرة فمها منذ أسابيع.
طعم معدني لاذع، يشبه مضغ قطعة من الحديد الصدئ المخلوط بالرماد، إنه طعم هواء غزة المعجون بأكسيد المتفجرات والفوسفور الأبيض وغبار الأبراج التي سحقت وتحولت إلى ذرات سامة تستنشقها الحوامل مع كل شهيق مضطرب.
على عجالة سحبت ريم ملابسها وانتقلت إلى عيادة نسائية موقتة داخل خيمة مجاورة، يدهن الطبيب "جل السونار" البارد على بطن ريم المنتفخ، يمرر المجس الرقمي لتبدأ شاشة الموجات فوق الصوتية بالوميض باللونين الأبيض والأسود.
صدمة التشخيص
على تلك الشاشة، لا يظهر جنين ريم كالأطفال في الأرحام، يبدو كائناً غريباً، فالجمجمة غير مكتملة، والأطراف مشوهة وضامرة، والقلب الصغير يخفق بإيقاع مرتعش ومتقطع، كأنه يرفض الخروج إلى عالم غزة.
في الواقع، السموم التي ملأت سماء القطاع أعادت تشكيل الأجنة بيولوجياً داخل الأرحام، إذ تحولت أجساد النساء إلى جبهة تباد فيها الأجيال الفلسطينية قبل أن ترى النور.
ليست ريم، سوى قصة واحدة مكبرة في شريط قصصي طويل يضم آلاف النساء في قطاع غزة، اللاتي يواجهن تسلل الموت لأجنتهن عبر المشيمات.
أدار الطبيب شاشة السونار نحو ريم، وصمت استشاري أمراض النساء والولادة سهيل أبو مصطفى طويلاً، كان المشهد على الشاشة الرمادية أشبه بلوحة سريالية مشوهة.
وضع الطبيب إصبعه على الجزء العلوي من رأس الجنين، ثم قال "الجنين مصاب بانعدام الدماغ إنه ينمو بلا جمجمة، هذا المشهد ليس استثنائياً يحدث معك لوحدك، بل بات يمثل ظاهرة صادمة".
تشوهات قاتلة
أخذ أبو مصطفى يهدأ من خوف ريم التي حدقت عينيها في شاشة السونار، وشرح لها "الأجنة في غزة تتنفس البارود والفوسفور، لقد رصدنا ولادة مئات الأطفال بتشوهات خلقية حادة وقاتلة، أبرزها غياب عظام الجمجمة وتشوهات الأطراف والقلوب المقلوبة".
لا إجابة أو تفاعل من ريم، لكن الطبيب أبو مصطفى يواصل حديثه، "الأطباء يربطون ذلك مباشرة باستنشاق النساء الحوامل يومياً للأدخنة الكثيفة والغازات السامة الناجمة عن آلاف الأطنان من المتفجرات والفوسفور الأبيض المقذوف فوق مراكز النزوح والمناطق السكنية".
ويكمل حديثه "لا تتوقف المواد الكيماوية السامة عند الرئتين، بل تخترق مجرى دم الأم لتستقر في المشيمة، مما يؤدي إلى حدوث طفرات جينية فورية تقتل الجنين أو تعيد هندسة جهازه العصبي والجسدي بصورة مشوهة".
رحلة البحث
ما يتحدث عنه الطبيب لا تريد ريم التركيز فيه، إذ تعرف أن وزارة الصحة سجلت قفزة حادة بنسبة 300 في المئة في معدلات الإجهاض المبكر والمفاجئ بين الحوامل في قطاع غزة.
يطفئ الطبيب شاشة السونار ومن دون أي رد تخرج ريم من الخيمة وتخطو وسط الزحام، تدور في رأسها الكلمات الطبية التي سكبها الطبيب في أذنها، وهي تحمل في يدها ورقة السونار الرمادية.
تبدأ ريم في عقلها رحلة تقصي الأسباب التي حولت رحمها إلى مقبرة، تمشي بين الخيام، وتتذكر تلك الليلة التي شعرت فيها بتقلصات حادة وألم يمزق أحشاءها، وتسمع في أذنها صوت الأطباء الذين أكدوا لها أنها قد تجهض جنينها في أية لحظة.
تقول ريم "الخوف الشديد والذعر المستمر والنزوح القسري سيراً على الأقدام لمسافات طويلة تحت القصف، كلها عوامل ترفع هرمونات التوتر إلى مستويات سامة في جسد الحامل، مما يؤدي إلى انقباض الأوعية الدموية المغذية للمشيمة ويجبر الرحم على طرد الجنين".
رفوف فارغة
تتوقف ريم عند مستشفى ميداني، تبحث عن علبة مكملات غذائية أو حبة حديد تقيها وتقي جنينها المشوه فقر الدم الحاد، لكن الرفوف الخشبية فارغة، والغبار يغطيها.
تنظر ريم إلى السماء حيث لا تغادر الطائرات الأجواء، وتختلط رائحة البحر برائحة الفوسفور الأبيض والغازات المنبعثة من آلاف الأطنان من المتفجرات التي سقطت على المدن.
الأطباء الذين التقتهم ريم يشرحون المشهد بطريقة مرعبة، يقول استشاري أمراض النساء والولادة في غزة مروان أبو أسد، "النساء الحوامل في مراكز النزوح يتنفسن هذا الغلاف الكيماوي يومياً، هذه الجزيئات السامة تسبب طفرات جينية وتشوهات خلقية حادة، تجعل الأجنة تولد بأعضاء ناقصة، أو جماجم غير مكتملة، ككائنات شوهتها الحرب قبل أن تولد".
ويضيف "المصيبة أن الصيدليات والنقاط الطبية تفتقر لأبسط مقومات الرعاية الإنجابية، إذ يمنع الحصار دخول مثبتات الحمل، والمكملات الغذائية الحيوية مثل حمض الفوليك، وحقن الحديد لعلاج فقر الدم الحاد المتفشي بين النساء".
إعدام
ويتابع "لا يوجد في غزة حقنة "أنتي – دي" (Anti-D) المخصصة للأمهات ذوات الزمر الدموية السالبة وهذا يعني حكماً بالإعدام البيولوجي على الأجنة، إذ إن غيابها يدفع جسد الأم إلى إنتاج أجسام مضادة تتعامل مع الجنين كأنه جسم غريب يجب محاربته والقضاء عليه، مما يجهض الحمل الحالي ويمنع ريم وغيرها من الإنجاب مستقبلاً".
تجلس ريم على المقعد الخشبي المتهالك في ممر المستشفى الميداني، تستمع إلى صوت طبيب يدلي ببيان صحافي أمام كاميرات التلفزة، صوته المجهد والمبحوح كان يختزل المصيبة التي تمر بها أرحام النساء.
تستمع إلى الدكتور إبراهيم البساينة استشاري أمراض النساء والولادة وهو يقول "لا نتحدث عن مجرد ولادات صعبة أو إجهاض طبيعي عابر، في غزة حرب إبادة بيولوجية خلفت آثاراً مدمرة تعيد تشكيل الأجيال القادمة، إن حالات الإجهاض بسبب استنشاق الحوامل للغازات السامة والمنبعثة من الأسلحة الصاروخية المتفجرة مرتفعة للغاية".
تتحسس ريم بطنها، وتستمع إلى مقابلة صحافية يجريها المدير العام لوزارة الصحة في غزة منير البرش، فيقول إن "ما يحدث للأجنة في غزة شيء يفوق العادة والعقل، لقد ولدت لدينا أطفال بلا أدمغة في المستشفى، المتفجرات تعيد هندسة أجساد الأطفال في الأرحام، وفي المقابل لا نملك حبة دواء واحدة أو إمكانات طبية للتعامل مع هذا الحصار اللوجستي كأدوية تثبيت الحمل أو المكملات الحيوية للأم".
ألم القيصريات
بجانبه يقف الدكتور محمد صالحة، مدير مستشفى العودة، ويقول إن "الأشهر الأولى من الحمل تعد الأكثر حساسية، ترتفع خلالها احتمالات الإجهاض نتيجة الضغوط النفسية وسوء التغذية، بينما تشهد الأشهر الوسطى حالات فقدان للحمل مرتبطة بالخوف الشديد والتعرض المباشر للقصف، كما أن تراكم عوامل الخطر، يؤدي إلى الولادة المبكرة أو النزف الحاد الذي يهدد حياة الأم والجنين معاً".
تنظر ريم إلى ورقة وزعتها وزارة الصحة جاء فيها إنه تحدث "460 حالة إجهاض لكل 1000 مولود حي، أي أن كل ولادتين في غزة تقابلهما حالة إعدام لجنين داخل الرحم"، تنصدم وتقول "لم يعد الرحم ملاذاً آمناً للمستقبل، تحول زنزانة بيولوجية يختنق فيها الطفل".
تتحرك ريم خطوات قليلة، تسمع صراخاً مكتوماً ينبعث من إحدى غرف التوليد، إنه صراخ سيدة تخضع لعملية ولادة قيصرية طارئة في خيام المستشفى الميداني التي تفتقر لأدنى المعايير الإنسانية.
فقدان الجنين
يقول مدير وزارة الصحة منير البرش إنه "بسبب الحصار التام ونفاد المستلزمات الطبية، باتت الطواقم الطبية مجبرة على إجراء عمليات شق البطن والولادات القيصرية الطارئة من دون تخدير أو مسكنات للألم، تتحمل الأمهات آلاماً تفوق القدرة البشرية لإنقاذ حياة مواليد الخدج". ويضيف "تراكم الإنهاك الجسدي الناتج من السير على الأقدام لساعات طويلة أثناء النزوح القسري، إلى جانب موجات الضغط الانفجاري الهائلة، حفز عند النساء انقباضات رحمية مفاجئة تؤدي إلى ولادات مبكرة في الشهر السابع من الحمل، تجبر الأمهات على مغادرة المستشفى أو طاولة العمليات بعد ثلاث ساعات فقط من شق بطونهن، ليعدن مباشرة لبيئة النزوح القاسية المليئة بالأوبئة".
تضع ريم يدها على الورقة الرمادية، وفي طريق عودتها نحو خيمتها، تتسارع الانقباضات المؤلمة في أسفل بطنها كأن أحشاءها تتقطع.
تصاب بنزف حاد ومباغت يسلبها القدرة على الوقوف، تنقل على عجالة نحو المستشفى الميداني وتحت ضوء هاتف ضعيف خضعت لعملية إجهاض قسرية ومؤلمة لاستخراج الجنين غير المكتمل، قبل أن يقتلها التسمم.
لم تكد تمضي ساعات قليلة على العملية حتى تضمخت ريم بدوارها ووجعها الجسدي والنفسي، وجرت قدميها بخطى ثقيلة ممتلئة بالنزيف والخذلان نحو خيمة السجل المدني الموقتة التابعة لوزارة الداخلية في المخيم لتسجيل البيانات الطبية لجنينها المتوفى.
السجل المدني
تقف ريم في الطابور الطويل أمام الموظف الذي يقلب صفحات دفتر النفوس المتهالك، هنا لا تسجل الأرقام مجرد حالات وفاة عابرة، بل ترصد مسح عائلات بالكامل من السجل المدني.
فالأرقام المسجلة في غزة لا تتحدث فقط عن أجنة تجهض في الأرحام، بل عن شطب آلاف العائلات التي لم يتبق منها طفل واحد يحمل اسمها، إذ يتحول دفتر المواليد من أداة لتتبع النمو السكاني إلى سجل لتدوين السلالات التي انقطعت تماماً من الشجرة الديموغرافية للقطاع.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يرفع المدير العام للسجل المدني خليل العطار نظره عن السجلات المطوية، ويقول إن "ما ينكشف اليوم أمام طواقمنا في السجل المدني يتجاوز مفهوم الخسائر البشرية التقليدية، إنه هبوط حاد وغير مسبوق في المنحنى البياني الديموغرافي لقطاع غزة. لعقود طويلة، تميز القطاع بأعلى معدلات الخصوبة والنمو السكاني كآلية دفاع مجتمعية، لكننا نشهد الآن هبوطاً قياسياً نتيجة الارتفاع الحاد في معدلات الإجهاض وموت الأجنة، والعقم البيولوجي الناجم عن الصدمات والمجاعة وتلوث البيئة".
ويضيف أن "هذا التراجع سيخلق حتماً فجوة جيلية هائلة في المجتمع الفلسطيني، إذ نرى قاعدة الهرم السكاني تتقلص بصورة حادة في فئة الأطفال والمواليد، والأخطر من ذلك هو ظاهرة محو السلالات العائلية بالكامل من السجلات الرسمية، إذ نسجل يومياً مسح مئات العائلات التي طاول القصف أجيالها الثلاثة أو الأربعة في اللحظة نفسها من الجد إلى الجنين في الرحم".
جريمة حرب
تخرج ريم من خيمة السجل المدني الموقتة، وتعود بخطوات ثقيلة نحو الأطراف الغربية للمخيم، مارة بركام عيادة قديمة لتنظيم الأسرة سحقت أسقفها الأسمنتية بالكامل. تنظر إلى لوحة العيادة المحطمة الملقاة على الأرض، وتدرك أن حرمانها من مكان آمن لمتابعة حملها لم يكن مجرد عرض جانبي للحرب، بل خطة غير معلنة لتقويض الاستمرارية البيولوجية للمجتمع في غزة.
يوضح رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان رامي عبده أن "ما تجتازه نساء القطاع هو نموذج مكتمل الأركان للعنف الإنجابي الممنهج، إذ تحولت البيئة المعيشية القاسية وتدمير الرعاية الطبية إلى سلاح يستهدف القدرة التناسلية للمجتمع، ويصيب الأرحام بالعقم والقتالة القسرية".
في المادة الثانية من اتفاق منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، ينص الركن (د) على مسألة "فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة"، ويتقاطع هذا النص الصارم مع الحصار المضروب على أدوية الحوامل الحيوية.
ولم تقف الجريمة عند حدود حرمان الأدوية، بل امتدت لتسقط الحصانة الطبية المكفولة بموجب المادة 12 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقات جنيف، فإخراج مستشفيات الولادة والرعاية الإنجابية عن الخدمة وقصفها المباشر من دون أدلة عسكرية، يصنف كجريمة حرب مكتملة الأركان وعقاب جماعي.
الموقف الإسرائيلي
وفي مقابل هذه الاتهامات، ينفي الجانب الإسرائيلي تعمد استهداف الرعاية الإنجابية، إذ يقول المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي "نلتزم بالقانون الدولي الإنساني وقواعد الاشتباك، ولا نستهدف المرافق الطبية أو النساء والمدنيين بأي شكل من الأشكال، ما يجري في غزة هو نتيجة استخدام حركة 'حماس' للبنية التحتية المدنية والمستشفيات كدروع بشرية ومقرات قيادة عملياتية".
وعلى صعيد الحصار والقيود على الشحنات الطبية وأدوية النساء الحوامل، يقول المتحدث باسم وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية إيلان بينشينسكي إن "إسرائيل تواصل تسهيل دخول المساعدات الإنسانية والمعدات الطبية إلى قطاع غزة بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية والجهات الدولية، بما في ذلك مستلزمات المستشفيات الميدانية والأدوية الأساسية. لا توجد أية سياسة لمنع أدوية محددة كحقن Anti-D أو المكملات الطبية، وإنما تخضع جميع الشحنات لإجراءات تفحيص أمني دقيقة لمنع تهريب مواد دوائية مزدوجة الاستخدام، التي قد تستغل في أغراض العسكرية".
تخرج ريم من مخيمها، وتتجه نحو شاطئ البحر، حيث يتسع الأفق الممتد أمام عينيها، تطوي ورقة السونار الرمادية بأصابع مرتعشة وتضعها بعناية في جيب ثوبها المطرز، كمن يحفظ وثيقة سرية.