ملخص
هل يعني ذلك أن عصر البطل الأوحد يقترب من نهايته بالفعل؟ أم أننا أمام إعادة تعريف لمفهوم النجومية نفسها، إذ لم يعد النجاح يُقاس بعدد المشاهد التي يحتكرها ممثل واحد، بل بقدرته على صناعة حال جماعية تمنح الفيلم قوة أكبر وشباك تذاكر أكثر اتساعاً؟ هذا ما تحاول السينما المصرية الجديدة الإجابة عنه في الفترة المقبلة مع تغير خريطة النجوم وإعادة كتابة قواعد اللعبة من جديد.
على مدى عشرات الأعوام كان قانون السينما المصرية الأول هو النجم والبطل الأوحد ذا الاسم الرنان الذي يقود إلى قمة شباك التذاكر، ورُسمت معظم معادلات الشاشة الفضية وصناعها على فكرة "السوبر ستار"، الذي يحمل العمل بأكمله على كتفيه، وتُصاغ السيناريوهات لتدور في فلكه، بينما تتحوّل بقية الشخصيات إلى مجرد ظلال تدعم حضوره، لكن خريطة الإنتاج الحالية تكشف أن هذه القاعدة لم تعد بالصلابة نفسها، وأن الصناعة تعيد ترتيب أوراقها وفق معادلة جديدة، لا يكون فيها البطل الفرد هو الرهان الوحيد.
ولعل نظرة إلى قائمة الأفلام التي تتصدر المشهد تكفي لإدراك حجم التحول في صناعة السينما، إذ تقريباً كل الأفلام المعروضة ثنائيات وبطولة جماعية، وكذلك الأفلام المنتظر عرضها لنهاية موسم الصيف، وحتى الأفلام التي ينتهي تحضيرها حالياً تعتمد في معظمها على ثنائيات فنية، وليس نجماً أوحد، وكأن تلك الظاهرة فقدت بريقها وزال سحر السوبر ستار.
بطولة لكن ثنائية
ويتربع على شباك التذاكر المصري فيلم "سفن دوجز" لأحمد عز وكريم عبدالعزيز في بطولة متساوية بينهما للمرة الثانية بعد فيلم "كيرة والجن" الذي كان على المنوال نفسه. وحقق الفيلم منذ بداية عرضه في نهاية مايو (أيار) وحتى الآن نحو 245 مليون جنيه مصري (نحو 5 ملايين دولار) بشباك التذاكر المصرية.
ويليه فيلم "صقر وكناريا" لمحمد إمام وشيكو، اللذين يتعاونان فيه للمرة الأولى بطلين مشتركين، ويدور العمل حول مجرم دولي هارب من العدالة يدعى صقر يقرر بدء حياة جديدة، ويسكن في منزل يجاوره فيه شيكو الذي يقوم بدور كناريا، وهو مؤلف فاشل وأب ضعيف الشخصية، وتتقاطع المسارات بين الرجلين من العداء والكراهية حتى الصداقة والتوأمة حتى تنقلب الأمور وتتغير الأحداث بشكل جذري. وحقق العمل حتى الآن نحو 100 مليون جنيه مصري (مليونا دولار).
ولحق فيلم "شمشون ودليلة" بالسباق خلال الأسبوع الماضي، وهو بطولة ثنائية بين مي عمر وأحمد العوضي، وحقق إيرادات تقترب من 50 مليون جنيه (مليون دولار) على رغم عرضه منذ أيام قليلة في ظروف صعبة، أهمها تفاعل الجمهور مع نهائيات كأس العالم وانشغال معظم شرائح الجمهور بهذا الحدث العالمي.
وطرح بيومي فؤاد وليلى علوي ثنائيتهما الجديدة، وهي فيلم "ابن مين فيهم" امتداداً لسلسة الأفلام التي تعتمد على بطولتهما المشتركة مثل "ماما حامل" و"شوجر دادي"، وحقق العمل إيرادات جيدة بمصر وفي الدول العربية.
وخلال ساعات قليلة سيتم تدعيم سينما الثنائيات بفيلمين جديدين ربما يغيران بشكل أخطر معادلات السوق، إذ ينتميان إلى الإنتاج الضخم ونجوم الشباك الكبار، إذ سيطرح فيلم "خللي بالك من نفسك" لياسمين عبدالعزيز وأحمد السقا، ويدور حول مذيع راديو يقع في حب فتاة غامضة، ويعرض عليها الزواج فيكتشف أنها عضوة بإحدى العصابات الخطرة.
والفيلم الثاني هو "الجواهرجي" بطولة منى زكي ومحمد هنيدي في أول تعاون لهما منذ عام 1998 في فيلم "إسماعيلية رايح جاي"، وينتظر أن يحقق الفيلم الذي جمعهما بعد 28 عاماً نجاحاً كبيراً، بخاصة مع نهاية مباريات كأس العالم.
وأيضاً جماعية
وعلى جانب آخر لا تزال أفلام البطولات الجماعية ثابتة وقادرة على تحقيق نجاح جماهيري بدور العرض المصري حتى الآن مثل "الكلام على إيه" لأحمد حاتم وآية سماحة ورحمة أحمد ودنيا سامي ومصطفى غريب وجيهان الشماشرجي وحاتم صلاح، وحقق العمل حتى الآن نحو 93 مليون جنيه (مليون و900 ألف دولار)، وهو رقم ضخم بالنسبة إلى أي فيلم يجمع في بطولته مجموعة من الممثلين الشباب الذين لا يعد أي منهم نجم شباك.
ويعرض بنجاح أيضاً فيلم "الكراش" الذي يجمع أحمد داوود وميرنا جميل وباسم سمرة وشيرين رضا، وحقق نجاحاً مقبولاً مقارنة بالأفلام الأضخم إنتاجياً التي تعرض معه، وكذلك تزامنه مع فعاليات مباريات كأس العالم، وحقق نحو 9.5 مليون جنيه (نحو 200 ألف دولار).
أمّا الفيلم الرومانسي "إذما" الذي يعتمد على البطولة الجماعية لأحمد داوود فقد صمد كثيراً، محققاً إيرادات جيدة على رغم نوعية موضوعه الذي قد لا يتناسب مع موسم الصيف الذي يتربع على موضوعات أفلامه في الغالب الكوميديا والأكشن، وحقق الفيلم نحو 57 مليون جنيه (مليون و150 ألف دولار تقريباً)، والفيلم بطولة أحمد داوود وسلمى أبو ضيف وبسنت شوقي وجيسكا حسام وحمزة دياب.
وعرض أيضاً وسط احتفاء جماهيري ونقدي فيلم "القصص" الذي يعتمد على بطولة جماعية لنيللي كريم وأمير المصري وصبري فواز وعمرو عابد وكريم قاسم وأحمد كمال.
كيف تغيرت ذائقة الجمهور وحسابات المنتجين؟
قد تبدو ظاهرة عرض كل هذا الكم من أفلام الثنائيات والبطولة الجماعية وحدها دون غيرها مجرد صدفة إنتاجية، لكنها في الحقيقة تعكس تغيراً أعمق في ذائقة الجمهور وحسابات المنتجين معاً، فالمشاهد كان يذهب إلى السينما من أجل اسم واحد، لكن، الآن فقد الجمهور الشغف تجاه كثير من المسلمات والمعادلات القديمة، وكذلك تغيرت الشرائح العمرية ومستويات الثقافة، ولم يعد النجم الأوحد يضمن الانبهار والإقبال على دور العرض، وأصبح مشاهد السينما الذي يدفع تذكرة تساوي عشرات أضعاف سعر تذاكر الأعوام الماضية يبحث اليوم عن تجربة متكاملة، وعن شخصيات متوازنة، وعلاقات درامية قادرة على صناعة المتعة.
بينما أدرك المنتج أن الرهان على نجم واحد لم يعد الضمانة المطلقة للنجاح كما كان في الماضي، وأن الفيلم القادر على إثارة الفضول هو ذلك الذي يجمع أكثر من طاقة تمثيلية داخل عالم واحد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قد يكون التغير الذي تشهده السينما حالياً قد مرّ بمراحل تدريجية عدة منذ المرحلة التي تربط بين الفيلم واسم بطل واحد، وكانت الدعاية تقوم على فكرة أن الجمهور يشتري التذكرة من أجل عادل إمام أو أحمد زكي أو أحمد السقا أو كريم عبدالعزيز أو محمد هنيدي أو محمد رمضان أو أحمد حلمي، بينما كانت بقية الشخصيات تدور في فلك البطل الرئيس. لكن على مدى أعوام زحفت البطولات الجماعية والثنائيات بشكل عميق وهادئ فغيرت المعادلات احتراماً لتطور ذائقة الجمهور ووعيه وشغفه الحالي بضرورة وجود تجربة سينمائية متكاملة وليس اسم بطل واحد.
وبعدما أصبح المتفرج محللاً وناقداً صعباً بسبب تدفق الدراما والسينما عبر المنصات الرقمية لم يعد ظهور نجم محبب من المشهد الأول للأخير يصول ويجول ويضرب ويصرخ ويغني أموراً كافية لإرضاء المتلقي الذي يقارن بين الأعمال العربية والأجنبية، ولا يذهب إلى السينما إلا في حال تقديم وجبة فنية تستحق، وتتوفر فيها عناصر النجوم المتعددين والشخصيات المتشابكة وجودة السيناريو والإيقاع. ولذلك بدأ المنتجون يبحثون عن معادلة مختلفة، تقوم على جمع أكثر من نجم في فيلم واحد، أو صناعة ثنائيات جديدة قادرة على جذب أكثر من شريحة جماهيرية في الوقت نفسه.
لكن، هل يعني ذلك أن عصر البطل الأوحد يقترب من نهايته بالفعل؟ أم أننا أمام إعادة تعريف لمفهوم النجومية نفسها، إذ لم يعد النجاح يُقاس بعدد المشاهد التي يحتكرها ممثل واحد، بل بقدرته على صناعة حال جماعية تمنح الفيلم قوة أكبر وشباك تذاكر أكثر اتساعاً؟ هذا ما تحاول السينما المصرية الجديدة الإجابة عنه في الفترة المقبلة مع تغير خريطة النجوم وإعادة كتابة قواعد اللعبة من جديد.