Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"مصيدة رقمية" تستولي على انتباهك وتوجه اهتماماتك

تستغل الخوارزميات هذا عبر ما يسمى "التغذية بالتهديد" إذ تعلم أن عقلك منجذب أصلاً نحو السلبي

أصبح الانحياز الانتباهي في العصر الرقمي حلقة تغذية راجعة بين دماغنا وبيئتنا التقنية (أن سبلاش)

ملخص

الانحياز الانتباهي، في الأصل، آلية تكيفية تطورية تهدف إلى اكتشاف التهديدات في البيئة بأسرع وقت ممكن، لكنها تصبح مرضية عندما تتحول إلى نمط جامد ومفرط لا يتناسب مع السياق الفعلي للخطر.

في عصر التدفق المعلوماتي المتلاحق، يتحول الانحياز الانتباهي إلى سلاح ذي حدين تستغله الخوارزميات وتضخمه طبيعة المحتوى الرقمي ذاته، إذ يبرز دوره السلبي في تحويل الجهاز التنبيهي إلى مصيدة اهتمام، فخوارزميات منصات التواصل والأخبار مبرمجة على استغلال انحيازنا التلقائي لمصلحتها.

وتعرف جمعية علم النفس الأميركية (أي بي أي) الانحياز الانتباهي بأنه ميل تلقائي وغير واعٍ للعقل البشري لتوجيه الموارد الإدراكية نحو فئة معينة من المحفزات على حساب سواها، وغالباً ما يكون هذا الميل مدفوعاً بالأهمية الشخصية أو العاطفية للمحفز، ومتأثراً بعوامل عدة كالخبرات السابقة والمشاعر الحالية.

والانحياز يحدث في مراحل مبكرة جداً من المعالجة العصبية، خلال 100-200 ملي ثانية، قبل أن يتدخل الوعي أو الإرادة. على سبيل المثال، لا يختار الشخص الذي يعاني من رهاب العناكب أن ينتبه للعنكبوت، لكن نظامه البصري يلتقطه تلقائياً كهدف ذي أولوية، حتى لو كان العنكبوت صغيراً أو في طرف الغرفة. وتضيف الجمعية أن هذا الانحياز ليس مجرد فضول أو تفضيل نفسي، بل هو عملية تصفية تحكم ما سيصل إلى الذاكرة العاملة، مما يعني أن المحفزات التي يجري توجيه الانتباه إليها تكون أكثر عرضة للتخزين والاسترجاع لاحقاً.

والانحياز الانتباهي، في الأصل، آلية تكيفية تطورية تهدف إلى اكتشاف التهديدات في البيئة بأسرع وقت ممكن، لكنها تصبح مرضية عندما تتحول إلى نمط جامد ومفرط لا يتناسب مع السياق الفعلي للخطر.

الطريق المسيطر

ويشرح الباحثون أن الانحياز يمر بثلاث مراحل. الأولى هي التوجيه التلقائي السريع نحو أي منبه يحمل شحنة سلبية، وفي المرحلة الثانية تسيطر المحفزات على مسار الانتباه ويصعب فك الارتباط منها، حتى بعد إدراك درجة الخطورة، وفي المرحلة الأخيرة يعلق الدماغ في حلقة مغلقة حول المثير السلبي.

ووفقاً لهذا النموذج، فإن الانحياز هو خلل في نظام إعادة توجيه الانتباه، حيث يفشل الفرد في تحويل انتباهه بعيداً من المثير بعد أن يكون قد التقطه، مما يجعله عالقاً في دوامة من التركيز المفرط على مصادر القلق.

 

ويمر الانحياز بمسارين متوازيين، طريق سفلي سريع، يمر عبر المهاد مباشرة إلى اللوزة، يلتقط التهديدات بسرعة فائقة لكنه لا يميز التفاصيل، وهذا الطريق هو المسؤول عن الانحياز المبكر التلقائي. وطريق علوي بطيء، يمر عبر القشرة البصرية الأولى ثم إلى الفص الجبهي، وهو طريق دقيق يسمح بتقييم منطقي للمحفز، ويستغرق وقتاً أطول.

في حال الشخص المعرض للانحياز، يصبح الطريق السفلي هو المسيطر، ويفشل الطريق العلوي في تصحيح التقييم الخاطئ، لأن إشارات اللوزة القوية تعطل العمليات المنطقية العليا.

تغذية متبادلة

العلاقة بين الانحياز الانتباهي والتوتر دائرية وتكاملية. فالتوتر يغذي الانحياز، إذ يتحول الدماغ عن التوتر إلى وضع الإنذار فيصبح الانحياز  أكثر حدة، مركزاً فقط على مصادر التهديد ومتجاهلاً أي إشارات مطمئنة. والانحياز بدوره يغذي التوتر، لأن التركيز على السلبيات وحدها، يزداد الإحساس بعدم الأمان، مما يرفع مستوى هرمون الكورتيزول، ويبقي المرء في حال توتر مزمن. والحقيقة أن القلق والتوتر لا يغيران فقط ما ننتبه له، بل يعيدان بناء الواقع الذي نراه بالكامل.

الخوارزميات والمرشح الداخلي

أصبح الانحياز الانتباهي في العصر الرقمي حلقة تغذية راجعة بين دماغنا وبيئتنا التقنية. الخوارزميات تستغل ميلنا نحو السلبي والعاطفي لتطيل مدة بقائنا، مما يضعف مرشحنا الداخلي ويجعل تشويه الواقع أكثر حدة، وبدلاً من أن نختار ما يهمنا، نصبح نحن من يختار من خلال استغلال نقاط ضعفنا.

والمهمة الأساس للمرشح الداخلي هي تصفية المحفزات قبل وصولها إلى وعينا، فهو يحمينا من الغرق المعلوماتي، إذ يستقبل دماغنا في كل ثانية ملايين المؤثرات على اختلاف أنواعها، وهذا المرشح يسمح فقط للمعلومات الأكثر أهمية بالمرور إلى وعينا، ليتمكن العقل من التركيز واتخاذ القرارات من دون تشتت. كان هذا المرشح في الماضي يتعامل مع كمية محدودة من المحفزات، لكن تلقى إليه اليوم آلاف الإشارات في الدقيقة، فيختل عمله تحت الضغط المزمن، وذلك عبر تضيق مجال الانتباه، إذ يمرر فقط ما يتعلق بالبقاء أو بالمهددات، ويحجب المعلومات الحيادية أو الإيجابية.

في الحالة الطبيعية يمكن تشبيه المرشح بالبواب الذكي الذي يدخل الضيوف المناسبين، أما حين يصبح هذا البواب مذعوراً يغلق الباب في وجه الجميع، ولا يفتح إلا لمن يصرخ بالخطر، وهكذا تفوتنا الفرص والإشارات المطمئنة لأن البواب الداخلي غارق في الهلع.

أداة للاستغلال

تستغل الخوارزميات هذا عبر ما يسمى "التغذية بالتهديد"، إذ تعلم أن عقلك منجذب أصلاً نحو السلبي، فتعرض لك الأخبار المروعة أولاً لتضمن بقاءك منخرطاً، فكل خبر كارثي يرفع إنذار اللوزة ويشد انتباهك حتى يصعب عليك الإقلاع عن التصفح، وهنا ستبدو السلبية كما لو كانت تمثل 90 في المئة من الأحداث. يضاف إلى ذلك بث المحتوى شديد العاطفية، غضب أو خوف أو إثارة، فكل ما يضخم استجابة اللوزة يمنح أولوية في العرض.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهذا يخلق دوامة انحيازية حيث تصبح خريطتك الذهنية للعالم مشوهة لمصلحة التهديدات والأزمات، فتنحاز لمعلومات تثبت أفكارك وتتجاهل ما يناقضها، وتصبح في بيئة مغلقة وكأن العالم كله يوافقك الرأي، وهذا يغذي استقطاباً فكرياً حاداً.

وعلاوة على ذلك، يضعف التنقل السريع بين التطبيقات مسار الانتباه العميق، المسؤول عن القراءة المتأنية والتفكير النقدي، ويقوي مسار الاستجابة السريعة، وهذا يجعلنا أكثر عرضة للانحياز نحو العناوين المثيرة والصور الصادمة، وأقل قدرة على تفحص المعلومة ووزنها.

المرونة العصبية والتدريب

للتدريب على إعادة توجيه الانتباه قدرة على إحداث تغيرات عصبية ملحوظة، إذ يمكن في المستوى الأول من التعامل مع الانحياز البدء بإعادة ضبط المرشح الداخلي، ويمكن في سبيل ذلك اللجوء إلى تمارين عقلية، أبرزها تمرين العد التنازلي للحواس (5-4-3-2-1)، الذي يقوم على التوقف فور الشعور بالقلق والتركيز بالتتابع على ما تراه وتسمعه وتلمسه وتشمه وتتذوقه: خمسة أشياء تراها، وأربعة أصوات تسمعها، وثلاثة أشياء تلمسها، ورائحتان تشمهما، ومذاق واحد تستشعره. هذا التمرين يجبر نظام الانتباه على التوسع أفقياً، فيكسر تركيزك الحصري على المثير المهدد ويضعف نشاط اللوزة بصورة موقتة.

وهناك أيضاً تقنية تسمية المشاعر، فبدلاً من الانجراف وراء المثير، على فرض أنه وجه غاضب أمامك، صِف ما تراه بعبارات محايدة، كأن تقول: هذا شخص عابس، ربما متعب. هذه التسمية تنقل المعالجة من الحالة العاطفية إلى اللغوية التحليلية، الأمر الذي يمنحك مسافة إدراكية تقلل الانحياز في غضون ثانيتين أو ثلاث.

والأكيد أن لتعديل البيئة والعادات اليومية دوراً كبيراً، وأهمها تقليل المحفزات المسببة. فإذا كان انحيازك نحو الطعام، تجنب الممرات الخاصة بالحلويات في السوبرماركت. وإذا كان نحو وسائل التواصل الاجتماعي، أوقف متابعة الحسابات السلبية.

كذلك ينصح بالحرص على النوم الجيد والكافي والحركة اليومية، فالحرمان من النوم يضخم نشاط اللوزة، بينما تزيد الرياضة الهوائية مستويات النورأدرينالين الصحي وتحسن مرونة الانتباه، ويضاف إلى ذلك تبني عادة التدوين اليومي بغرض الانتباه للنعم والأحداث والأشياء الإيجابية مهما كانت صغيرة، هذا يعد تدريباً ناجعاً على كسر الانحياز السلبي، لأنه يجبر مرشحك الداخلي على التقاط الإشارات الإيجابية التي كان يتجاهلها سابقاً.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات