Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هاني شنودة... المختلف موسيقيا

الموسيقار الراحل اكتشف عمرو دياب ورسم نجومية محمد منير واحتفل قبل أيام بعمل جديد يجمعه بزياد ظاظا ومؤلفاته رافقت أشهر الأفلام

الموسيقار الراحل هاني شنودة عرف بتمرده الفني وصنع تحولاً في مسيرة النجوم (أ ف ب)

ملخص

مسيرة الموسيقار المصري الراحل هاني شنودة من الصعب تلخيصها أو وصفها فهي متنوعة ومتشعبة وبحاجة للتأريخ كما ينبغي، لتليق بمبدع صنع ثورة حقيقية في عالم الموسيقى العربية، وكان الأكثر تواصلاً مع مختلف الأجيال، كذلك هو مؤسس أول فرقة غنائية مصرية في العصر الحديث

قبل عشرة أيام كانت الأوساط الموسيقية منشغلة بعمل غنائي غير متوقع، تعاون فيه الموسيقار المصري هاني شنودة مع مغني الراب والمهرجانات زياد ظاظا والمطربة الصاعدة تينا، إذ أعادا معه تقديم أغنية نجاة الشهيرة "بحلم معاك"، وظهر شنودة وهو يعزف سعيداً بالرؤية الجديدة التي خرج بها العمل الذي كان قد قدمه لنجاة بكلمات الشاعر عبد الرحيم منصور قبل 47 عاماً، حيث بدا اللحن صالحاً لكل الأوقات وإعادة بلورته على يد صانعه الأصلي بأصوات طازجة منحه عمراً جديداً مع جيل موسيقي مختلف.

يثبت كالعادة هاني شنودة أنه كان الأكثر انفتاحاً، وأنه لم يدر ظهره أبداً للمواهب الصاعدة، فمن كان يتصوّر يوماً أن نجاة بكل كلاسيكيتها يمكن أن تؤدي بأسلوب مغاير تماماً في هذه القطعة الموسيقية الأكثر اختلافاً في مسيرتها، ومن كان يتصوّر أن يأتي ملحن العمل بعد نحو خمسة عقود ويعيد تقديم الأغنية مع مطرب بعيد كل البعد في لونه الغنائي عن أسلوب المطربة الهادئة.

هذه السطور تختصر شخصية هاني شنودة الفنية، فهو الأكثر تواصلاً مع الجديد ورحابة وانفتاحاً وتمرداً والأكثر رغبة في الاكتشاف، إذ احتفى بهذا العمل قبل أيام قليلة من رحيله واحتفى معه بتدشين أول حساب له على "إنستغرام"، وبدأ بالفعل الترويج للأغنية من خلاله، حاصداً عشرات الآلاف من المتابعين في وقت قصير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هكذا كان هاني شنودة الذي ودّع الحياة في عمر الـ83 سنة بعد أن مكث وقتاً قصيراً في غرفة الرعاية المركزة يعاني من متابعة الشيخوخة التي أدخلته في غيبوبة، بينما إرثه يواصل حضوره المبهر، شاملاً ما لا يقل عن 1500 عمل فني وفق تصريح تلفزيوني سابق له، هذا العدد المهول تنوع بين الأغنيات والموسيقى التصويرية للأفلام والمسلسلات والمسرحيات وغيرها. هذا الرجل غزير الإنتاج كان قد اكتشف واحداً من أهم مطربي الساحة هو النجم عمرو دياب، وأسهم في وضع محمد منير على طريق النجومية، وكانت لعبته المفضلة هي البحث عن المختلف، ولم يتوقف عن هذه المهمة حتى الرحيل.

فرقة المصريين... مشوار التمرد

ارتبط اسم الموسيقار هاني شنودة المولود في محافظة طنطا المصرية في أبريل (نيسان) 1943 بفرقة المصريين التي أسسها عام 1977، وعرفت بأنها أول فرقة أغاني مصرية بالمفهوم الحديث، فيما كان قد سبقها بمحاولات أخرى، لكنها كانت لتقديم أغنيات غربية، إذ كان يضيق ذرعاً بالأسلوب شديد الشرقية في التلحين، وينفر من المقدمات الموسيقية الطويلة، وبعد عدة مناقشات من أديب نوبل نجيب محفوظ وصل إلى الشكل النهائي لفرقة المصريين، التي تعاقب عليها عشرات المغنين وعرفت بأغنيات مثل "ماشية السنيورة - ما تحسبوش يا بنات - لما كان البحر أزرق"، وهي أغنيات ذات كلمات خفيفة ومعبّرة لا تتقيد بأعباء شروط صناعة الأغنية النمطية، وتحمل أفكاراً مجتمعية بعضها يتميز بالطرافة، إذ بدأ معها موجة بما يمكن تسميته بالموسيقى البديلة البعيدة من الشكل التقليدي للألحان في ذلك الوقت، وهي الفرقة التي شجّعت عديدين على تأسيس مجموعات غنائية مماثلة حققت شهرة أيضاً، وبينها "الفور أم"، و"الأصدقاء".

 

عن طريق فرقة المصريين تمكن شنودة الذي تخرج من المعهد العالي للموسيقى العربية، من تقديم أعمال متنوعة وجاب بها العالم، وقبل ذلك حرص من خلالها على إحياء حفلات في محافظات مصرية عدة، وفي إحدى تلك الحفلات اكتشف المغني الصاعد حينها عمرو دياب ونصحه بالسفر للقاهرة، حيث قلب صناعة الموسيقى في الشرق الأوسط، وتحمّس شنودة لعمرو دياب، وقدم له أربع أغنيات في ألبومه الأول "يا طريق"، ومن هنا كانت الانطلاقة، فيما كان قد أسهم شنودة في رسم خريطة نجومية محمد منير بمساهمته القوية في التلحين والتوزيع بألبومه الأول "علموني عينيك" ثم "بنتولد".

طريق عمر دياب ومحمد منير

إذاً فقد وضع بصمته على صوتي أحد أبرز المطربين في هذا الجيل، واللذين في ما بعد شكل لهما الجمهور حزبين متنافسين، على رغم الاختلاف الحاد بين لونيهما الغنائيين، فقد ظلت المقارنات مشتعلة عقوداً بين منير وعمرو دياب على رغم صداقتهما الوطيدة على أرض الواقع، وكانا من النادر أن يظهرا سوياً بخاصة في الحفلات الحية، ولهذا شكل غناؤهما معاً قبل نحو ثلاث سنوات في حفل التكريم الضخم الذي نظمته هيئة الترفيه لهاني شنودة في العاصمة السعودية الرياض وحمل عنوان "ذكريات"، حدثاً تاريخياً، فقد اجتمع فيه عمرو دياب ومحمد منير على المسرح وغنيا معاً من إبداعات الموسيقار الراحل "أمي الحبيبة".

ظل المشهد عالقاً بالأذهان، تماماً كما ظلت أصداء حفل التكريم وأجواؤه العاطفية تحيط بهاني شنودة، إذ صرح حينها لـ"اندبندنت عربية"، أنه تأثر بشدة بهذه اللفتة، واعتبر نفسه محظوظاً بهذه الليلة الاستثنائية التي لم تتح لغيره من الفنانين، وقال إنه سيظل يعيش أجواء تلك الأمسية طويلاً، كذلك حظي بعدها بتكريم رفيع أيضاً بمنحه جائزة الدولة التقديرية في مصر.

 

لكن قبلها كان قد حمل عام 2020 مفاجأة عالمية مستحقة أخرى لهاني شنودة تمثلت في عزف مقطوعته "لونجا 79" في حفل جوائز "غولدن غلوب"، وذلك خلال صعود الممثل الأميركي ذي الأصول المصرية رامي يوسف لتسلّم جائزته عن مسلسل "رامي"، العمل الذي رافقت أحداثه مقاطع موسيقية مصرية أعاد المشاهد اكتشافها من خلال لقطاته، وكان لهاني شنودة نصيب معتبر منها، بوصفه واحداً من الموسيقيين الاستشرافيين الذين سبقوا عصورهم بمعنى الكلمة، وكانت عينه وقلبه وألحانه على القادم دوماً، فيما كان قد عانى الملحن والموزع والمبدع الموسيقي الراحل قبل تلك الفترة بما يشبه التهميش، إذ كان شبه مختفٍ من على الساحة ولم تتم الاستعانة به في أعمال مهمة، إذ اكتفى خلال فترة عشر سنوات تقريباً بالعزف في بعض المسارح وأماكن الترفيه، بينما غاب عن الشاشات وعالم الأغنية والتأليف الموسيقي الدرامي كذلك.

ثورة موسيقية

الموسيقار البارز كانت لمساته بمثابة نقاط تحول فنية في عالم الأغنية، وقاد ثورة في الموسيقى الشرقية، وأسهم في إنعاش مسيرة عدد من الفنانين، مثل نجاة الصغيرة التي قدم لها بخلاف "بحلم معاك" واحدة من أشهر أعمالها التي تعتبر الأكثر شعبية بين مختلف الأجيال، وهي "أنا باعشق البحر"، وكذلك فايزة أحمد إذ قدم لها عدة أغنيات بينها "دنيا جديدة"، فيما كان اسمه على أشهر أغنيات الفنان أحمد عدوية على الإطلاق وأكثرها انتشاراً "زحمة يا دنيا زحمة". وأيضاً كان يهوى إعادة التوزيع الموسيقي لأغنيات على رغم كلاسيكيتها الشديدة لكنها تتوافق وأسلوبه الإبداعي وأبرزها هنا "أهواك" لعبد الحليم حافظ كلمات حسين السيد وتلحين محمد عبد الوهاب، إذ أعاد شنودة توزيعها بأكثر من رؤية موسيقية معاصرة.

 

كذلك بصمة هاني شنودة في السينما والدراما بشكل عام لا تضاهيها بصمات أخرى، سواء لغزارتها أو لتفردها، إذ لا تزال الموسيقى التي وضعها لأبرز الأعمال حاضرة في الأذهان، وتعيد الجمهور بمجرد سماعها لذكريات وحيوات كاملة، فجملة موسيقية واحدة تُسمع بالمصادفة تجعل من السهل استدعاء كل أحداث أفلام مهمة للغاية مثل "غريب في بيتي - المشبوه - أنف وثلاث عيون - شمس الزناتي - الحريف - الغول - المولد"، إضافة إلى 143 فيلماً آخر على الأقل.

غياب هاني شنودة اليوم جعل محبيه ومن تعاملوا معه ومن يقدرون موهبته يحرصون على وداعه بالتعازي الحارة، بينهم بالطبع نقابة المهن الموسيقية، وعمرو دياب، وريهام عبد الغفور وفيفي عبده وغيرهم، إذ إن رحلته الموسيقية وتاريخه الشاسع يشير إلى أنه من الصعب أن يجري حصر شخصيته الفنية أبداً، كذلك هو لا يزال بحاجة إلى المزيد من التأريخ وتسليط الضوء على ميراثه الفني، ولا تزال أعماله بحاجة إلى الكثير والكثير من الدراسة والانتصار لأفكاره السباقة ليحصل على بعض من حقه.

اقرأ المزيد

المزيد من فنون