ملخص
لم تجد مراجعة شملت 63 دراسة أي صلة بين استخدام الهواتف المحمولة وسرطان الدماغ أو سرطانات الرأس والعنق، حتى مع الاستخدام الكثيف أو الممتد لأكثر من 10 أعوام. وتعزز معدلات الإصابة المستقرة منذ ثمانينيات القرن الماضي الاطمئنان إلى أن حدود التعرض الحالية آمنة على الأرجح، مع الحاجة إلى أدلة أقوى في شأن آثار صحية أخرى.
تحيط بنا الموجات الكهرومغناطيسية في كل مكان، فهي التي تتيح لنا سماع الموسيقى عبر المذياع، واستخدام شبكة الـ "واي فاي"، والاهتداء إلى وجهاتنا بواسطة أنظمة الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية، وإجراء المكالمات بالهواتف المحمولة.
وتندرج هذه الموجات ضمن الإشعاع الكهرومغناطيسي، وتقع عند الطرف الأضعف من طيفه، مما يعني أنها الأقل طاقة والأطول موجة.
لكن الأنواع العالية الطاقة من الإشعاع الكهرومغناطيسي، مثل الأشعة السينية، يمكن أن تسبب السرطان، ولذلك سادت منذ زمن مخاوف من احتمال أن تلحق موجات الراديو الضرر بصحة الإنسان أيضاً.
ومع الانتشار الهائل للهواتف المحمولة خلال العقدين الماضيين، تزايد القلق من احتمال أن يؤدي وضع الهاتف على الأذن أثناء المكالمات إلى زيادة خطر الإصابة بسرطان الدماغ.
وفي عام 2019، طلبت "منظمة الصحة العالمية" إجراء 13 مراجعة علمية للآثار الصحية المترتبة على التعرض للموجات الكهرومغناطيسية.
وحللت دراسة جديدة نُشرت حديثاً نتائج تلك المراجعات، ولم تجد دليلاً على أن الموجات الكهرومغناطيسية المنبعثة من الهواتف المحمولة تسبب سرطان الدماغ أو سرطانات الرأس والعنق، فماذا وجدت أيضاً؟
هل كان للمخاوف من السرطان ما يبررها؟
تعود جذور القلق من الآثار الصحية المحتملة للإشعاع منخفض الطاقة إلى حقبة الحرب الباردة.
فقد شهدت تلك الفترة الانتشار الواسع لتقنيات جديدة، مثل أفران الميكروويف وأجهزة التلفزيون، ودخولها عدداً كبيراً من المنازل.
وتتمتع الموجات الدقيقة، وهي الإشعاع الكهرومغناطيسي المستخدم في تسخين الطعام، بطاقة أعلى قليلاً من الموجات المنبعثة من الهواتف المحمولة، لكنها تظل منخفضة الطاقة.
ومع مرور الوقت، أظهرت الأدلة عدم وجود آثار صحية واضحة ومتسقة لدى البشر المعرضين للإشعاع الكهرومغناطيسي منخفض الطاقة.
لكن ذلك لم ينف وجود مخاوف مشروعة تتعلق بالسلامة، فالموجات الدقيقة قادرة مع ذلك على رفع حرارة الأشياء بشدة. وقد أسهمت هذه المخاوف في وضع معايير للأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية، تنظم مقدار الإشعاع الذي يمكن أن تبثه وتضع حداً له، وتضمن هذه المعايير سلامة الأجهزة، استناداً إلى أفضل الأدلة العلمية المتاحة.
أما الإشعاع الكهرومغناطيسي العالي الطاقة، فكان معروفاً بخطورته البالغة وقدرته على التسبب بأنواع من السرطان، مثل سرطان الدم (لوكيميا).
واقترنت هذه الأخطار بأحداث مثيرة شهدتها حقبة الحرب الباردة، مثل الاشتباه في تعمّد السوفيات استخدام "إشارات كهرومغناطيسية" لاستهداف موظفي السفارة الأميركية في موسكو بإشعاعات الميكروويف، وإصابة أحد السفراء بمرض سرطان الدم (لوكيميا)، ويرجح أن تكون هذه الوقائع قد أثرت في الرأي العام، وأثارت الخوف من جميع أنواع الإشعاع، بما فيها المنخفضة الطاقة.
وخلال العقود التالية، ازداد تعرضنا للأجهزة الإلكترونية التي تبث إشعاعات منخفضة الطاقة بصورة هائلة، لكن القلق من آثارها الصحية ظل واسع الانتشار، وربما ازداد أيضاً.
ما الذي تناولته الدراسة الجديدة؟
هدفت المراجعات الـ13 التي طلبتها "منظمة الصحة العالمية" عام 2019 إلى تحديد ما نعرفه بالفعل عن الآثار الصحية للموجات الكهرومغناطيسية، وما لا يزال يتعين علينا اكتشافه.
وراجع كل فريق من العلماء الأدلة المنشورة والمتاحة، حول مشكلة صحية محددة، ثم أعد تقريراً يلخص النتائج ويقوّم جودة البيانات المتاحة وقوتها. وتناولت المراجعات مسائل صحية عدة، بينها الخصوبة، وأعراض مثل الصداع وطنين الأذن، والسرطان.
ولم تنته "منظمة الصحة العالمية" بعد من تحليل المراجعات التي طلبتها.
لذلك، عمد اثنان من معدّي مراجعة سرطان الدماغ إلى تلخيص نتائج مراجعتهما ونتائج المراجعات الأخرى. ويمنحنا هذا البحث الجديد فكرة عما يُتوقع أن تخلص إليه المنظمة.
ماذا وجدت الدراسة الجديدة؟
ركزت المراجعة، التي شارك الباحثان في إعدادها، على سرطان الدماغ واستخدام الهواتف المحمولة، وحلّلا فيها 63 دراسة مختلفة نُشرت بين عامي 1994 و2022، ولم يجدا أي ارتباط بين استخدام الهواتف المحمولة والإصابة بسرطان الدماغ أو سرطانات الرأس والعنق.
ولم تتغير النتيجة باختلاف كثافة استخدام الهاتف، أو حتى استخدامه فترة طويلة بلغت 10 أعوام أو أكثر.
كذلك، لم تجد المراجعة دليلاً يربط بين البث الإذاعي أو التلفزيوني وإصابة الأطفال بالـ "لوكيميا"، وهي مسألة ظلت بدورها مصدر قلق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
معظم الأدلة محدودة أو متدنية الجودة
لم تجد المراجعات الأخرى للدراسات الرصدية التي أُجريت على البشر دليلاً على أن التعرض للهواتف المحمولة وغيرها من الأجهزة التي تبث موجات كهرومغناطيسية يؤثر في الصحة.
لكن إحدى النتائج الأساسية تمثلت في أن حجم الأدلة المتاحة أو جودتها في شأن كثير من الآثار الصحية، لم يكونا كافيين لاستخلاص نتائج قاطعة.
ويرجع ذلك إلى صعوبة تحديد الآثار الدقيقة لأي عامل في صحة الإنسان، إذ تتداخل عوامل كثيرة في النتائج الصحية، بينها النظام الغذائي والنشاط البدني والعوامل الوراثية والظروف الاجتماعية والاقتصادية.
ولحسن الحظ، حصلت الأدلة المتعلقة بسرطان الدماغ على أعلى تصنيف ممكن للجودة في الدراسات الرصدية، وهي الدراسات التي يراقب فيها العلماء آثار الموجات الكهرومغناطيسية في الأشخاص من دون التحكم في مقدار تعرضهم لها.
ولخص الباحثون جوهر المسألة بقولهم: "لو كان التعرض للهواتف المحمولة يزيد خطر الإصابة بسرطان الدماغ، لتوقعنا ارتفاع معدلات الإصابة به".
لكن معدلات الإصابة بجميع أنواع سرطان الدماغ في أستراليا ظلت مستقرة منذ ثمانينيات القرن الماضي، أي قبل انتشار الاستخدام الواسع والمنتظم للهواتف المحمولة بوقت طويل.
الخلاصة
كما جاء في التقرير الملخص للمراجعات: "لا يستطيع العلم أن يثبت انعدام أي خطر".
وكان أحد أهداف مراجعات "منظمة الصحة العالمية" تحديد البحوث التي لا تزال مطلوبة مستقبلاً، بما يتيح تحديث إرشادات التعرض باستمرار مع تطور التكنولوجيا.
لكن الخلاصة التي ينبغي الخروج بها، هي عدم العثور على صلة واضحة بين استخدام الهواتف المحمولة، وأي نوع من سرطانات الدماغ أو الرأس أو العنق.
ومن المأمول أن تطمئنك هذه النتيجة إلى أن الحدود المعمول بها حالياً للتعرض آمنة على الأرجح.
سارة ديبستراتن، باحثة أولى في قسم خلايا الدم وسرطان الدم في معهد والتر وإليزا هول للأبحاث الطبية (WEHI).
جون لا ماركا، باحث أول في قسم خلايا الدم وسرطان الدم في المعهد نفسه.
نُشرت هذه المقالة أولاً في موقع "ذا كونفرزيشن"، وأعيد نشرها بموجب رخصة المشاع الإبداعي.