ملخص
إن قياس أثر الحركات الاحتجاجية لـ"جيل زد" لا يستقيم بمعايير المكاسب المادية الآنية، بل بمدى نجاحها في خلخلة السرديات الرسمية وإعادة تعريف الرهانات الهيكلية، فعلى مستوى السياسات العمومية والعدالة الاجتماعية، تكشف لغة الأرقام والميدان عن استمرار فجوة تنموية مقلقة.
نظمت بعض أمهات معتقلي "جيل زد" وقفة احتجاجية السبت الماضي أمام البرلمان المغربي، مطالبات بإطلاق سراح أبنائهن في ليلة الذكرى الأولى لحراك "جيل زد"، الذي انطلق في الـ27 من سبتمبر (أيلول) عام 2025، عندما شكلت وفاة مجموعة من الأمهات أثناء الولادة بأحد مستشفيات مدينة أكادير الشرارة الأولى لاندلاعه، وهو امتداد لحراك عالمي انطلق من النيبال في يوليو (تموز) عام 2024 وامتد إلى بلدان عدة.
شهد الحراك المغربي زخماً مهماً تحت شعار "حرية، كرامة، عدالة اجتماعية"، وطالب المحتجون خلاله بإصلاح القطاعين الصحي والتعليمي وحل أزمة العطالة الخانقة التي يعانيها الشباب، والتي تصل عند الفئة ما بين 15 و24 سنة إلى 37.2 في المئة بحسب تقديرات البنك المركزي، وعرفت الاحتجاجات إنزالاً أمنياً كبيراً، واندلعت خلالها أعمال شغب ومواجهات مع قوات الأمن أدت إلى وفاة ثلاثة مواطنين.
تضحية بلا جدوى؟
وأوضحت السلطات المغربية أن تظاهرات "جيل زد" تمت من دون ترخيص، ومن ثم اعتبرتها غير قانونية وقامت خلالها بإلقاء القبض على 2400 شخص، 1400 منهم في حال اعتقال، لكن منظمات حقوقية أشارت إلى أن الدستور يكفل الحق في التظاهر السلمي، وصرح منسق "اللجنة الوطنية لمساندة ضحايا قمع حراك جيل زد" حكيم سيكوك، أن نحو 750 شخصاً لا يزالون معتقلين، منهم قاصرون، وفيهم من لم يحاكم بعد، موضحاً أن اللجنة رصدت خروقاً في تلك المتابعات، ومؤكداً ضرورة إطلاق سراحهم.
فهل تحققت مطالب الشباب بعد عام، أم أن تضحية جانب منهم بحريته ذهبت سدى؟ في جوابه على ذلك يقول الناشط الحقوقي عبدالإله الخضري، إن قياس أثر الحركات الاحتجاجية لـ"جيل زد" لا يستقيم بمعايير المكاسب المادية الآنية، بل بمدى نجاحها في خلخلة السرديات الرسمية وإعادة تعريف الرهانات الهيكلية، فعلى مستوى السياسات العمومية والعدالة الاجتماعية، تكشف لغة الأرقام والميدان عن استمرار فجوة تنموية مقلقة، إذ تواصل معدلات البطالة بين الشباب وحاملي الشهادات تجاوز عتبة 35 في المئة إلى 45 في المئة في الوسط الحضري، في مفارقة صارخة مع خصاص بنيوي في قطاعات حيوية، إلى جانب نزف الكفاءات الطبية والارتباك المؤسساتي في منظومة التعليم. موضحاً أن هذا الانسداد يؤكد أن التدابير الحكومية المتخذة لا تزال تدور في فلك المعالجة الظرفية والحلول الترقيعية من دون إحداث قطيعة مع الاختلالات التي فجرت غضب الشارع.
ويوضح الناشط الحقوقي أنه من المنظور السياسي والحقوقي، فإن تكييف تضحيات الشباب المعتقل وملاحقتهم قضائياً على أنها "خسارة بلا طائل" هو قراءة قاصرة لديناميات التحول المجتمعي، مشدداً على كون الحراك شكل هزة دستورية وحقوقية كرست جرس إنذار كسر منطق الوساطة التقليدية، وأسقط وهم إمكان ضبط التطلعات الاجتماعية بالمقاربة الأمنية أو الرقابية وحدها، لذلك فخروج هذا الجيل الرقمي ومواجهته كلفة الاعتقال والمحاكمة من أجل حقوق اقتصادية واجتماعية مكفولة دستورياً ودولياً يمثلان إرساء لشرعية مدنية جديدة لا يمكن الالتفاف عليها، ويجعلان من إنهاء المتابعات، وإطلاق سراح المعتقلين، وإقرار انفراج حقوقي شامل، الممر الإلزامي لبناء الثقة وترجمة قوة الضغط الشبابي إلى إصلاحات بنيوية تعيد الاعتبار للمواطنة الكاملة.
علاقة مختلة
يرى محللون أن احتجاجات "جيل زد" أظهرت عمق الأزمة بين الشباب والمؤسسات، ووضعت هذه الأخيرة في اختبار لمدى تجاوبها مع المطالب الاقتصادية والاجتماعية، موضحين أنه على رغم انتهاء التظاهرات فإن الأسباب التي قامت بسببها لا تزال موجودة، ومن ثم على الدولة التعاطي مع الجيل الجديد بعقلية "غير تقليدية".
يوضح المحاضر في دراسات اللغة والثقافة بكلية "ترينيتي" الأميركية عزالدين العزماني، أن السؤال السياسي ليس "هل انتهى جيل زد؟ وهل كان نضاله صباً للماء على الرمال"، بل السؤال الذي يتعين الاشتغال عليه بعمق متعلق بكيفية خلق الشروط التي تسهم في انتقال الشباب من الاحتجاج في الشارع إلى السياسة، وهل ستتمكن المؤسسات من استيعاب مطالبه وتطوير قنوات جديدة للمشاركة والتمثيل، وهل تستطيع السياسات العمومية تقليص الفجوة بين الانتظارات والنتائج.
ويشير إلى أنه لا ينبغي قراءة حراك "جيل زد" الذي انطلق قبل عام باعتباره مجرد موجة احتجاجية انتهت بانتهاء التعبئة في الشارع، فهذا الحراك يكشف، من منظور تحليلي، عن أزمة أعمق في العلاقة بين الشباب والمؤسسات، وعن اختلال في قنوات التمثيل والاستجابة السياسية، لذلك يتعين قراءة حراك "جيل زيد" في ضوء تحولات أعمق في علاقة جيل جديد بالدولة والأحزاب والسياسة.
ويرى الأكاديمي المغربي أن الحراك ترك أثراً سياسياً واضحاً، فقد شكل أحد مصادر النقد القوي لأداء الحكومة بقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، وأسهم في إضعاف رصيدها السياسي والانتخابي، وعمل خطابه الاحتجاجي على نقل قضايا الشباب من موقع المطالب الاجتماعية القطاعية إلى موقع القضايا السياسية المركزية، وحول قضايا التشغيل والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية إلى سؤال سياسي يتعلق بقدرة الدولة على الاستجابة لمطالب المواطنين، وهنا تظهر مسألة الاستجابة السياسية.
وأوضح أن شرعية المؤسسات تقوم على احترام أدوات الديمقراطية من انتخابات وقوانين وغيرها، ولكن أيضاً، وهذا هو الأهم، بقدرتها على تحويل المطالب الاجتماعية إلى سياسات عمومية فعالة، والتاريخ يعلمنا أنه كلما اتسعت الفجوة بين ما ينتظره المجتمع، وبخاصة شبابه، وما تنتجه المؤسسات، ازدادت أزمة الثقة واتسعت المسافة بين المواطنين والنظام السياسي.
شكل جديد
بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية الأخيرة 38.2 في المئة، في وقت يشهد المغرب عزوفاً كبيراً عن المجال السياسي، بسبب انعدام الثقة وفقدان الأمل في التغيير وخصوصاً عند الشباب، ويبدو أن "جيل زد" يريد تجاوز الشكل التقليدي للمشاركة السياسية، بحسب الأكاديمي عز الدين العزيماني، الذي يوضح أنه "ربما انتهى الحراك كفعل احتجاجي مباشر، لكن الشروط الاجتماعية والسياسية التي أنتجته لم تختف، فالبطالة وصعوبة الولوج إلى الخدمات الأساسية وضعف تكافؤ الفرص وأزمة الثقة في المؤسسات كلها قضايا مستمرة"، مضيفاً "لتلك الاعتبارات لا ينبغي التعامل مع حراك (جيل زد) باعتباره حدثاً عابراً، فنحن أمام شكل جديد من المشاركة السياسية قد لا يمر بالضرورة عبر القنوات الحزبية التقليدية، وقد يطور أشكالاً جديدة للتعبئة والتعبير والاحتجاج".
ويشير الأكاديمي المغربي إلى أن هذا الجيل يطرح تصوراً سياسياً للمشاركة السياسية يتجاوز مقولات العزوف السياسي، فالمشاركة لا تمر بالضرورة من طريق الانتظام الحزبي أو التصويت في الانتخابات، هناك أشكال جديدة من التعبئة والتواصل والتنظيم والاحتجاج تتشكل خارج القنوات التقليدية، وهذا يعني أن أزمة المشاركة لا ينبغي أن تفسر باعتبارها تعبيراً عن العزوف السياسي، ولكن بوصفها بحثاً عن أشكال جديدة للتمثيل والتأثير، أي تمثل متمايز للسياسة والسياسي يتعين فهمه وليس قمعه، موضحاً "من هنا تبرز أزمة التمثيل السياسي، فالمشكلة ليست فقط أن جزءاً من الشباب لا يشارك في المؤسسات التقليدية، بل إن هذه المؤسسات تجد صعوبة في تمثيل تطلعات جيل تغيرت علاقته بالسياسة وبالأحزاب وبمصادر المعلومات والتعبئة، لذلك فإن التحدي أمام الدولة والحكومات والأحزاب لا يتمثل في استقطاب الشباب انتخابياً فحسب، وإنما في إعادة بناء علاقة سياسية أكثر صدقية معهم".
عود على بدء
حل حزب الأصالة والمعاصرة في الرتبة الأولى بنتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، ومن ثم سيتولى رئاسة الحكومة، إذ يرى حقوقيون أن الحكومة المقبلة ستواصل عدم التجاوب مع المطالب الشعبية، وتعمل على تدبير المشاريع العملاقة المرتبطة بتنظيم نهائيات كأس العالم عام 2030، على رغم مطالبة شباب "جيل زد" بنقل تمويلها إلى دعم البنية التحتية الأساسية المتعلقة بالمستشفيات والمدارس. وفي تعليقها على ذلك، تقول الناشطة الحقوقية أسماء المنضور "الآن وقد أسدل الستار على الانتخابات ستدفع البلاد نحو مرحلة جديدة عنوانها المعلن (حكومة المونديال) وسيكون الجرار (شعار حزب الأصالة والمعاصرة) الذي انتقل إلى مقدمة الواجهة مطالباً بأن يشق الطريق أمام هذه المرحلة بأقصى قوته، لتدبير مشاريع كبرى واستثمارات ضخمة وأوراش وبنيات تحتية، وتسريع كل ما يجعل المغرب جاهزاً لنهائي كأس العالم 2030، لكن خلف بريق الملاعب والطرق والمشاريع سيظل السؤال الذي حمله حراك (جيل زد) قائماً: ماذا عن المدرسة والمستشفى العموميين؟ ماذا عن الشغل والكرامة؟".
تشير الناشطة إلى أن "استمرار هذا المسار، في ظل الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية نفسها، لن يؤدي إلا إلى تعميق التناقضات الاجتماعية، فبينما تعبأ الموارد والإمكانات للأوراش الكبرى، تظل الغالبية الشعبية تواجه البطالة والهشاشة وتدهور الخدمات العمومية وارتفاع كلفة المعيشة، وما ينتظر شعبنا، والحال هذه، ليست نهاية الأزمة، بل موجات جديدة من البؤس والتهميش والاحتقان الاجتماعي".
وتخلص الناشطة الحقوقية إلى أن الدرس الأهم الذي تركه حراك "جيل زد" لا يكمن فقط في حجم الغضب الذي عبر عنه، وإنما في الإمكانات الكبيرة التي أظهرها الشباب المغربي، وفي قدرته على ابتكار أشكاله وأدواته في النضال، وعلى احتلال فضاءات جديدة وممارسة السياسة خارج القنوات المعتادة، وهذه الطاقة لا ينبغي أن تظل مبعثرة أو تستنزف في موجات احتجاج عابرة، موضحة أن "الجرار قد ينطلق بأقصى سرعته، وقد تفتح أمامه كل الطرق، لكنه لن يستطيع أن يلغي الأسئلة التي خرج بها حراك (جيل زد) إلى الشارع قبل عام".