ملخص
تعثر ستارمر في الداخل بعدما سلّم إدارة الاقتصاد والسياسة لفريقه، لكنه صنع في الخارج إرثاً أكثر رسوخاً عبر دعم أوكرانيا وإعادة وصل بريطانيا بأوروبا ورفض الانصياع لترمب حين تعارضت مطالبه مع المصلحة الوطنية. ويواجه آندي بيرنهام مهمة صعبة في الحفاظ على هذا الإرث الدبلوماسي، ومواصلة التقارب مع الاتحاد الأوروبي، والتعامل مع الترابط المتزايد بين الأزمات العالمية والأوضاع الداخلية.
يقول رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إنه وصل إلى نهاية "مسيرته السياسية". وسواء كان يعني ما يقوله حقاً أو لا، فإن مصطلح "سياسية" يحمل دلالات مرنة تترك الباب مفتوحاً أمام أدوار أخرى، مثل تولي رئاسة "الناتو". لذا قد لا نكون أمام نهاية حياته السياسية بعد.
على أية حال، يبدو أنه يعرّج على بعض المحطات فيما يقترب من نهاية رحلته. فلو لم يكُن الحظ العاثر من نصيب منتخب إنجلترا في نهائيات كأس العالم في كرة القدم، لربما اختتم ولايته على وقع لحظة فرح غير متوقعة في المباراة الختامية في نيويورك، خصوصاً بعدما ذكّر النواب في مجلس العموم بأن إنجلترا لم تحرز لقب الفائز بكأس العالم إلا في ظل حكومة "عمالية".
فبعد عودته للتو من قمة وداعية لـ"الناتو" في أنقرة، وحصوله على وسام جوقة الشرف في باريس، يودع ستارمر الآن فولوديمير زيلينسكي في كييف. لقد أثبت أنه حليف قوي للشعب الأوكراني تماماً كسلفيه المباشرين، وأشادت زعيمة المعارضة كيمي بادينوك بذلك - في لفتة تتسم بسخاء غير معتاد منها، حين ودعته الأربعاء الماضي خلال آخر جلسة لمساءلة رئيس الوزراء، إذ لم تلجأ إلى وصفه بلقب "كير الغائب دائماً" Never Here Keir، على رغم أن أيامه الأخيرة بررت هذا اللقب إلى حد كبير.
غالباً ما يقال إن رئيس الوزراء ليس سياسياً بالفطرة، فهو ليس مهووساً بمناورات الحلفاء والخصوم، ولا يبدي إصراراً على الإلمام بأدق تفاصيل السياسات. وفوّض إدارة الاقتصاد إلى وزيرة الخزانة، وأوكل إدارة الشأن السياسي إلى فريقه المساعد في رئاسة الوزراء. وهذا التفويض الذي يُعد عادة سمة محمودة لدى الرؤساء التنفيذيين، ثبت أنه كان في حالته خطأً كارثياً في التقدير.
وضع ستارمر ثقته بوزرائه ومستشاريه، لكنهم خذلوه، فاتخذوا قرارات سيئة في شأن الضرائب والرعاية الاجتماعية، وأقدموا على تعيين بيتر ماندلسون في المنصب الرفيع في واشنطن، في مجازفة عبثية. لكنه لم يفوض العمل الدبلوماسي إلى غيره، إذ وجد فيه، على غرار بعض أسلافه، متعة وأجاد أداءه إلى حد أنه تولى فعلياً دور وزير الخارجية بنفسه، بدلاً من ترك الملف برمته لديفيد لامي وإيفيت كوبر.
في الحقيقة، لم يكُن أمامه متسع كبير للاختيار. فقد فرض انكفاء الولايات المتحدة عن أوروبا، والحربان في أوكرانيا والشرق الأوسط، عليه أن يوليهما اهتمامه، وأظهر قيادة اتسمت بالوضوح والحسم والقدرة على التواصل بفاعلية، وهي صفات كثيراً ما افتقر إليها أداؤه في الداخل.
وكما أوضح خلال ظهوره الأخير على منصة الحكومة في مجلس العموم، فإن التحول في أولويات الولايات المتحدة داخل "الناتو" في عهد دونالد ترمب، وعدم صلاحية الاتحاد الأوروبي للاضطلاع بدور منظمة دفاعية وأمنية، جعلا "تحالف الراغبين" الذي شُكّل خصيصاً لهذه الغاية، الوسيلة الضرورية لمواجهة روسيا الساعية إلى استعادة نفوذها السابق بالقوة. وأحسن ستارمر العمل مع نظرائه الأوروبيين، وحقق قدراً كبيراً من أهداف مسعاه لـ"إعادة ضبط" العلاقات.
وستقع على عاتق خليفته آندي بيرنهام مهمة اختبار المدى الذي يمكنه بلوغه في التقارب مع الاتحاد الأوروبي من دون تجاوز الخطوط الحمر الواردة في برنامج حزب العمال. فالمملكة المتحدة عادت بالفعل، وبهدوء، لأجزاء من السوق الأوروبية الموحدة، وتبنت مبدأ "المواءمة الديناميكية"، من دون إثارة جدل واسع حول "خيانة بريكست". وبنى ستارمر على المحاولات الأكثر حذراً التي أطلقها ريشي سوناك لتحسين اتفاق "بريكست"، ولكن برؤية أبعد مدى وطموح أكبر بكثير. وسيكون هذا العمل غير المكتمل جزءاً مهماً من إرث ستارمر، مثلما ينبغي أن يكون جزءاً مهماً من إرث بيرنهام أيضاً.
أدرك ستارمر أنه على رغم الأولوية القصوى للحفاظ على التحالف الأطلسي، فإن المصلحة الوطنية للمملكة المتحدة لا تتطابق دائماً وفي كل مكان مع مصالح الولايات المتحدة. ولأسباب واضحة، احتاج إلى قدر غير قليل من الجرأة ليقول "لا" عندما طلب ترمب السماح باستخدام القواعد البريطانية في حرب غير قانونية وغير محسوبة العواقب، لكن ثبت بوضوح أن ذلك كان القرار الصائب. ولهذا السبب، ولأسباب أخرى في مقدمتها الرسوم الجمركية، تدهورت العلاقة الودية الوثيقة التي نشأت في البداية بين ستارمر وترمب، مثلما حدث في علاقة الرئيس بمعظم القادة الغربيين، إلى حد أن ترمب سبق ستارمر نفسه إلى إعلان قرار تنحيه.
ولم يُظهر ترمب امتناناً يُذكر إزاء استضافته في زيارة دولة تاريخية ثانية إلى المملكة المتحدة، ولا إزاء تحمّل ستارمر سيلاً من الانتقادات بسبب موقفه من غزة. فعبارته التي كررها مراراً بأن "لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها" لم توفر له حماية تذكر من منتقديه الكثر على اليسار.
أما الاعتراف بالدولة الفلسطينية فجاء متأخراً، وبدا أقرب إلى خطوة استدراكية، إن لم يكُن مجرد بادرة استرضائية محدودة لم يقدم عليها إلا على مضض. وعززت سياسته في غزة كراهية اليسار المعتدل له، وكأن هذا التيار كان يحتاج إلى سبب إضافي. لذلك لم يكُن مستغرباً أن يكون بيرنهام اعتذر بالفعل من تصرفات سلفه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن بين النصائح القليلة التي قدمها ستارمر إلى بيرنهام أن الشؤون الخارجية والأجندة الداخلية لم تكونا في أي وقت منذ نهاية الحرب الباردة أوثق ارتباطاً مما هما عليه اليوم. ولا يتطلب الأمر عبقرية في الجغرافيا السياسية لإدراك أن ما يحدث في مضيق هرمز يمكن أن يؤثر تأثيراً بالغاً في الأسعار وكلفة المعيشة في أي اقتصاد، ولا سيما اقتصاد شديد الاعتماد على التجارة كالاقتصاد البريطاني.
لا يمتلك بيرنهام خبرة كبيرة في الشؤون الخارجية، لكن الأمر ذاته كان ينطبق على مارغريت تاتشر وديفيد كاميرون وتوني بلير، بل ستارمر نفسه، حين تولوا السلطة. لقد ارتكبوا أخطاءً لم تكُن ناجمة عن نقص في المعرفة أو الخبرة، بل عن غياب الحصافة السياسية (وكانت حرب العراق واستفتاء "بريكست" أبرز تلك الأخطاء). وفي المقابل، كان أنطوني إيدن أمضى أكثر من عقد في منصب وزير الخارجية ومناصب أخرى ذات صلة قبل أن يصبح رئيساً للوزراء، ومع ذلك ارتكب خطأً فادحاً قاده إلى كارثة السويس عام 1956.
وإذا ما تمكن بيرنهام من الجمع بين مواهبه السياسية التي افتقر إليها ستارمر إلى حد كبير، والمهارات اللازمة للاضطلاع بدور على الساحة الدولية، فقد يتفوق حتى على إنجازات الرجل الذي سيحل محله قريباً. لكن ينبغي ألا يساوره أي شك في أن مجاراة ستارمر، في هذا المجال في الأقل، ستكون بالغة الصعوبة.
© The Independent