ملخص
وأوضحت الوثائق أن مصر ظلت تتباطأ في التفاوض حول برنامج جديد مع "صندوق النقد الدولي"، لكنها قدمت في الـ 10 من سبتمبر (أيلول) 1988 مجموعة مقترحات جديدة، اعتبرها خبراء الصندوق خطوة إيجابية، لكنها غير كافية كأساس لاتفاق جديد، فماذا دار بين مصر وصندوق النقد الدولي؟
في الوقت الذي كانت مصر تواجه تحديات اقتصادية لها تبعات اجتماعية ومخاوف سياسية، تحديداً في العام 1988، اضطرت الحكومة المصرية آنذاك إلى بذل جهود، لمعالجة اختلالات الاقتصاد، وإدارة ملف الديون الخارجية، وتنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية. وهنا تكشف وثائق بريطانية الستار عن تقييمات ومراسلات وتقارير رسمية تناولت الأوضاع الاقتصادية خلال تلك الفترة، وتفاصيل ما دار بين القاهرة وصندوق النقد الدولي، انتهت إلى تقديم الأولى برنامج إصلاح محدود، بعدما انتهت مرحلة المفاوضات الأولى إلى طريق مسدود عاودت مصر طرقه مجدداً بعدما انتوت بذل مزيد من المرونة فيما يتعلق بسعر الصرف وكذلك الدعم ومعالجة عجز الموازنة.
ورفع الأرشيف الوطني البريطاني في الـ 29 من يونيو (حزيران) 2026 القيود عن ملف المشكلات الاقتصادية في مصر، المحفوظ ضمن سجلات وزارة الخزانة البريطانية، الذي يحمل الرقم المرجعي (T 640/882) ويغطي هذا الملف الفترة الممتدة من الأول من يناير (كانون الثاني) 1988 إلى الـ 31 من ديسمبر (كانون الأول) 1988، وأصبح متاحاً للجمهور والباحثين بعد فتحه رسمياً للاطلاع.
ومن خلال قراءة الوثائق الأصلية، يسعى التقرير إلى إبراز الكيفية التي قيّمت بها الدوائر البريطانية تطورات الاقتصاد المصري، وانعكاسات الأوضاع الاقتصادية على الاستقرار السياسي، والعلاقات الاقتصادية والمالية بين مصر وشركائها الدوليين، بما توفره هذه الوثائق من رؤية رسمية تسهم في فهم طبيعة التحديات الاقتصادية التي واجهتها مصر خلال تلك المرحلة.
تضمنت الوثائق البريطانية مذكرة بعنوان "الاقتصاد المصري"، أُعدّت بوصفها ورقة إرشادية للمسؤولين البريطانيين قبل لقاءاتهم مع المسؤولين المصريين، واستعرضت الموقف الذي ينبغي للحكومة البريطانية تبنيه إزاء المفاوضات الجارية بين مصر وصندوق النقد الدولي، إضافة إلى تقييم شامل لأوضاع الاقتصاد المصري وتطوراته.
إصلاح اقتصادي يتمتع بالصدقية
وأكدت الوثائق أن الموقف البريطاني المقترح يقوم، أولاً، على مقاومة أية محاولات مصرية للضغط من أجل تخفيف شروط صندوق النقد الدولي، باعتبار أن من الضروري التوصل إلى برنامج إصلاح اقتصادي يتمتع بالصدقية، وأن يجري تنفيذه بصورة كاملة، وكذلك أوصت الوثائق بالترحيب بالتقدم الذي تحقق خلال المحادثات الأخيرة بين مصر والصندوق، مع التشديد في الوقت نفسه على أن المقترحات التي قدّمتها الحكومة المصرية لا تبدو كافية لإحداث التحول المطلوب في الاقتصاد المصري.
وأضافت الوثائق أن على الجانب البريطاني تأكيد ضرورة خفض عجز الموازنة بوتيرة أسرع، واتخاذ إجراءات أكثر حزماً في ما يتعلق بأسعار الفائدة، فضلاً عن الإسراع بتمرير آثار توحيد سعر الصرف المقترح عند مستوى أقل إلى الأسعار المحلية، بما يعكس الإصلاحات الاقتصادية بصورة أسرع.
وأشارت إلى أن تحديد سرعة الإصلاح يظل أمراً بالغ الصعوبة، مستشهدة بتجربة المملكة المتحدة أوائل ثمانينيات القرن الـ 20، حين واجهت معدلات تضخم مرتفعة، واختارت تنفيذ إصلاحات سريعة وصعبة تحمّلت كلفتها على المدى القصير، لكنها أسفرت عن القضاء على التضخم، وتحقيق فوائد اقتصادية كبيرة على المدى الطويل.
وذكرت الوثائق أن بريطانيا تؤيد بقوة برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري، وأنها شاركت في إعادة جدولة الديون المصرية ضمن "نادي باريس" خلال العام السابق، وقدّمت مساعدات برامجية إضافية بلغت 10 ملايين جنيه إسترليني، فضلاً عن التزامات قائمة تقارب 9 ملايين جنيه إسترليني، وشددت على أن المملكة المتحدة دأبت داخل مجلس إدارة "صندوق النقد الدولي" على التصويت، استناداً إلى اعتبارات فنية واقتصادية، بعيداً من أي اعتبارات سياسية.
وأشارت الوثائق إلى ترحيب الحكومة البريطانية بتوقيع الاتفاق الثنائي الخاص بإعادة جدولة الديون في إطار "نادي باريس"، مؤكدة استعدادها للنظر في إعادة جدولة إضافية للديون الرسمية المصرية، فور التوصل إلى برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي، مضيفة أن مصر ليست مؤهلة للاستفادة من إعادة جدولة ميسرة على غرار شروط تورونتو (Toronto Terms)، وأوضحت أنه لن يكون هناك أي استئناف لتغطية ائتمانات التصدير المتوسطة الأجل قبل موافقة "صندوق النقد الدولي" على اتفاق الاستعداد الائتماني الجديد (Standby Arrangement) وإبرام إعادة جدولة جديدة في "نادي باريس"، وأيضاً أكدت أنه لا يوجد إمكان لتقديم التزامات جديدة في مجال المساعدات البرامجية، رغم أن مصر كانت خلال الأعوام السابقة من أكبر متلقي المساعدات البريطانية والدولية.
كيف ارتفع الدين الخارجي إلى 40 مليار دولار نهاية 1987؟
وتضمنت الوثائق تقييماً مفصلاً للأوضاع الاقتصادية في مصر، موضحة أن جذور الأزمة الاقتصادية تعود للسياسات التي اتبعتها الحكومة المصرية لحماية مستويات المعيشة، والتي حققت معدلات نمو مرتفعة خلال أوائل الثمانينيات، لكنها اعتمدت بصورة كبيرة على الاقتراض الخارجي والمساعدات الأجنبية، مما أدى إلى ارتفاع الدين الخارجي إلى 40 مليار دولار بحلول نهاية عام 1987.
وأضافت أن استمرار انخفاض الأسعار الإدارية للسلع الأساس، بخاصة الطاقة والمواد الغذائية، إضافة إلى الدعم الحكومي الواسع، أدى إلى زيادة الاستهلاك بصورة مفرطة، وأسهمت محدودية القاعدة الضريبية وضمان التوظيف الحكومي للخريجين في تفاقم الضغوط على المالية العامة، حتى بلغ متوسط عجز الموازنة 23 ملياراً في مصر من الناتج المحلي الإجمالي خلال الأعوام الثلاثة السابقة لشهر يونيو 1986، في حين زادت الضغوط السكانية تعقيد هذه المشكلات.
وأكدت الوثائق أن الانخفاض الحاد في أسعار النفط عام 1986 كشف نقاط الضعف الهيكلية في ميزان المدفوعات المصري، بسبب الاعتماد الكبير على عائدات النفط وتحويلات العاملين في الدول النفطية، إذ بلغ عجز الحساب الجاري 4 مليارات دولار، أي ما يعادل 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال عامي 1985 و 1986، بينما وصلت متأخرات خدمة الدين إلى 3 مليارات دولار.
وأشارت إلى أن مصر اضطرت خلال عام 1986 - 1987 إلى خفض حجم الواردات بنسبة 20 في المئة، لتقليص العجز الخارجي إلى 3 مليارات دولار، وأسهم خفض الإنفاق العام والدعم في خفض عجز الموازنة إلى 17 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وذكرت الوثائق أن اتفاق الاستعداد الائتماني الذي وقّعته مصر مع صندوق النقد الدولي في مايو (أيار) 1987، بقيمة 250 مليون وحدة حقوق سحب خاصة (SDR)، كان من أضعف البرامج التي وافق عليها الصندوق، إذ أبقى فجوة في ميزان المدفوعات حتى على المدى المتوسط، ولم تجرِ الموافقة عليه إلا بعد تدخل مباشر من الرئيس محمد حسني مبارك، وبناء على تفاهم يقضي بتشديد البرنامج عند أول مراجعة له.
وأوضحت أن البرنامج استند إلى أربعة أهداف رئيسة، وهي توحيد نظام أسعار الصرف الثلاثي في مصر، وخفض عجز الموازنة، ورفع أسعار الفائدة الحقيقية لتحسين تعبئة الموارد المحلية، وإزالة التشوهات الناجمة عن الدعم وسياسات التسعير في القطاع العام، ولا سيما في مجالي الطاقة والغذاء.
لماذا انهار برنامج الصندوق مع مصر مبارك؟
وأضافت الوثائق أن الحكومة المصرية اتخذت بعض الخطوات في اتجاه توحيد سعر الصرف، ورفعت بصورة محدودة أسعار البنزين والكهرباء والمنتجات الزراعية، لكنها أخفقت حتى في تحقيق الأهداف المتواضعة التي تضمنها البرنامج، مما أدى إلى انهياره بعد أول دفعة من التمويل، وأسفر عن تراجع التمويل الخارجي بمقدار 1.4 مليار دولار عما كان متوقعاً.
وأشارت الوثائق إلى أن "نادي باريس" وافق، عقب إقرار اتفاق الاستعداد الائتماني، على إعادة جدولة سخية شملت ملياري دولار من المتأخرات و5 مليارات دولار من الديون المستحقة خلال الفترة من يناير 1987 إلى يونيو 1988، إلا أن الاتفاقات الثنائية استغرقت وقتاً طويلاً بسبب رفض الحكومة المصرية، في البداية، قبول أسعار الفائدة القياسية التي تعتمدها "إدارة ضمان ائتمان الصادرات البريطانية" (ECGD)، قبل أن توقع الاتفاق في يونيو على أساس سعر الليبور، مضافاً إليه 0.5 في المئة، بينما بقي الاتفاق الثنائي مع اليابان من دون توقيع.
وكشفت الوثائق أن الاقتصاد المصري ظل يعاني ركوداً، مع معدل نمو لا يكفي لمجاراة الزيادة السكانية البالغة ثلاثة في المئة سنوياً، وأن متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بلغ، بحسب البنك الدولي، نحو 710 دولارات، في حين قدرت مصادر أخرى الرقم بنحو 450 دولاراً فقط، وبلغ عجز الموازنة خلال عام 1987 - 1988 نحو 15 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى من الهدف الذي حدده صندوق النقد الدولي والبالغ 13 في المئة، بينما استمر التضخم عند نحو 30 في المئة، وارتفع الدين الخارجي إلى 50 مليار دولار.
وأضافت الوثائق أن الاقتصاد المصري لا يزال يواجه تحديات هيكلية طويلة الأجل، تشمل ضعف الصناعة والنمو السكاني وتراجع الاحتياطات النفطية، إضافة إلى أزمة إنتاج الكهرباء الناتجة من انخفاض منسوب بحيرة ناصر، وهي أزمة خففتها موقتاً فيضانات النيل الأخيرة، لكنها تتطلب حلولاً بعيدة المدى، وفي مقدمها إصلاح أسعار الطاقة.
مصر تقدم مقترحات جديدة لـ"الصندوق"
وأوضحت الوثائق أن مصر ظلت تتباطأ في التفاوض حول برنامج جديد مع "صندوق النقد الدولي"، لكنها قدمت في الـ 10 من سبتمبر (أيلول) 1988 مجموعة مقترحات جديدة، اعتبرها خبراء الصندوق خطوة إيجابية، لكنها غير كافية كأساس لاتفاق جديد، إذ لم تحقق خفضاً حقيقياً في عجز الموازنة، وافتقرت الإجراءات الضريبية وإصلاحات الأسعار والدعم إلى التفاصيل والجدول الزمني الواضح، بينما واجهت خطط الخصخصة معارضة داخلية واسعة.
وأضافت الوثائق أن الصندوق أبدى قلقه من اتساع فجوة تمويل ميزان المدفوعات، التي قُدرت بنحو مليار دولار، حتى في حال الحصول على إعادة جدولة جديدة من "نادي باريس"، ولاحظ تراجع تدفقات النقد الأجنبي بنسبة تراوحت ما بين 10 و15 في المئة، مقارنة بعام 1987، بسبب انخفاض أسعار النفط وتراجع تحويلات العاملين في الخارج، على رغم تحسن عائدات السياحة والصادرات غير النفطية.
وأكدت الوثائق أن "إدارة ضمان ائتمان الصادرات البريطانية" استمرت في توفير تغطية للاعتمادات التجارية القصيرة الأجل حتى 180 يوماً، شرط استخدام اعتمادات مستندية غير قابلة للإلغاء، لكنها امتنعت من تقديم تغطية جديدة للائتمان متوسط الأجل، مع استمرارها في دعم المشاريع القائمة، ومنها مشروع الصرف الصحي في القاهرة، مشيرة إلى أن حجم انكشاف الإدارة على مصر بلغ 673 مليون جنيه إسترليني، وأنها دفعت بالفعل 78 مليون جنيه إسترليني كتعويضات عن التزاماتها السابقة، مع توقع استمرار إعادة جدولة الديون المصرية حتى تسعينيات القرن الـ 20، مؤكدة أن استئناف تغطية الائتمان متوسط الأجل سيظل مرتبطاً بتنفيذ مصر برنامجاً جديداً مع "صندوق النقد الدولي"، والتوصل إلى إعادة جدولة جديدة في "نادي باريس".
وتضمنت الوثائق أيضاً محضر اجتماع عقد في الـ 27 من سبتمبر 1988 بين السكرتير الاقتصادي البريطاني ووزير شؤون مجلس الوزراء المصري الدكتور عاطف عبيد، إذ استهل المسؤول البريطاني اللقاء بالاستفسار عن أوضاع الاقتصاد المصري، وسير المفاوضات مع "صندوق النقد الدولي".
وذكرت الوثائق أن الدكتور عاطف عبيد قدّم عرضاً استمر قرابة ساعة، أوضح فيه أن الحكومة المصرية أصبحت مقتنعة بضرورة تنفيذ إصلاحات هيكلية، وأن خفض عجز الموازنة يمثل المدخل الأساس للإصلاح، إضافة إلى توسيع دور آليات السوق في الاقتصاد.
وأضاف عبيد أن الحكومة رفعت أسعار الكهرباء 30 في المئة، وأسعار المنتجات البترولية 67 في المئة، وحررت الإنتاج الزراعي والصناعي، وخفضت الدعم، وقلّصت عدد أسعار الصرف إلى سعرين فقط، وأصلحت النظام الضريبي، وخفضت الإنفاق العام، وضبطت الأجور، وخصخصت قطاع الفنادق والسياحة، وسلمت الأراضي المستصلحة الجديدة إلى القطاع الخاص، مع التركيز على تشجيع الاستثمار الخاص.
وأكد الدكتور عاطف عبيد أن الحكومة التزمت بجميع بنود الاتفاق مع "صندوق النقد الدولي"، وخفضت عجز الموازنة من 22 إلى 17 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، لكنه أقرّ باستمرار عجز ميزان المدفوعات، ونقص العملات الأجنبية، وتأثير ذلك في الإنتاج الصناعي والصادرات.
ديون مصر: القاهرة تطلب دعم لندن
وأشار إلى أن الولايات المتحدة أصرّت على استمرار مصر في سداد ديونها خلال الفترة الفاصلة بين اتفاق "نادي باريس" والاتفاق الثنائي معها، مما دفع فرنسا إلى اعتماد الموقف نفسه، وهو ما كلّف الاقتصاد المصري نحو 850 مليون جنيه إسترليني خلال العام السابق، بينما أشاد بما وصفه بالموقف البريطاني الأكثر سخاءً، موضحاً أن الإصلاحات أدت إلى ارتفاع التضخم إلى ما بين 25 و26 في المئة، وما صاحبه من ضغوط سياسية، لكن الحكومة لم تتراجع عن التزامها بالإصلاح الاقتصادي.
وخُتمت الوثائق بالإشارة إلى أن الدكتور عاطف عبيد استعرض عناصر البرنامج الجديد الذي تفاوضت عليه مصر مع "صندوق النقد الدولي"، متضمناً فرض ضرائب جديدة، ورفع أسعار الفائدة، وزيادات إضافية في أسعار الطاقة والسجائر بـ 30 في المئة، ومواصلة تحرير الزراعة، وإلغاء نظام الحصص، وتسعير الخدمات العامة، وفقاً لكلفتها، وربط كلفة الرعاية الصحية بقدرة المواطنين على الدفع، وتقليص الدعم، بما في ذلك دعم الخبز.
لكن عبيد أقرّ بأن هذه الحزمة لا تلبي جميع مطالب "صندوق النقد الدولي"، موضحاً أن الحكومة تخشى أن تؤدي إجراءات أكثر تشدداً إلى مزيد من تراجع مستويات المعيشة التي انخفضت بنحو 45 في المئة خلال الأعوام الخمسة السابقة، بما قد يهدد الاستقرار السياسي، ولذلك طلب من بريطانيا دعم الموقف المصري خلال مفاوضاته مع الصندوق.
وفي ختام الاجتماع أكد السكرتير الاقتصادي البريطاني أن حكومته سترحب بالإصلاحات المصرية، وستدرس البرنامج الذي تعده مصر مع "صندوق النقد الدولي" بصورة موضوعية.